ريد هندت اقتصادي أميركي معروف، عمل مستشاراً لفترة من الزمن لدى الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون، ثم انتقل للعمل كمستشار لدى مؤسسات خاصة فيما يتعلق بالتقنيات الجديدة في حقل الإعلام. وهو خريج جامعة يال ويحمل إلى جانب اختصاصه الرئيسي الاقتصاد شهادات عليا في تاريخ الفن وفي القانون. له العديد من المؤلفات من بينها كتاب شهير يحمل عنوان: «تقولون أنكم تريدون الثورة: تاريخ السياسة في عصر الإعلام».

«في ظل الصين» هو كتاب آخر من سلسلة الكتب الكثيرة حول الصين «القوة الصاعدة»، ولكنه في هذه المرّة يخص «العملاق الآسيوي» من زاوية منظور المنافسة التي ترتسم بينه وبين القوة العظمى الدولية الوحيدة اليوم، أي الولايات المتحدة الأميركية.

هكذا يقدم المؤلف لوحة مفصّلة عن التقدم الكبير الذي أحرزته الصين على الصعيد الاقتصادي بينما تراجعت روح المنافسة لدى الأميركيين. يقول: «إن امتلاك الصين ليد عاملة غزيرة ورخيصة سيسمح للآلاف، بل لمئات الآلاف، من الشركات الصينية منافسة الشركات الأميركية. والعاملون الصينيون ذوو التأهيل العالي سينافسون العاملين الأميركيين ذوي التأهيل العالي أيضا. وبهذه الطريقة يمكنهم أن يتجاوزوا مستوى الدخل في أميركا».

ويبدأ المؤلف كتابه بعملية توصيف دقيقة لآليات العمل في المؤسسات والشركات الصينية وللذهنية ولطرق عمل المسؤولين عنها، وأيضا للجو المحيط الذي تعمل به. وهو يقدّم في جميع الحالات الوثائق والإحصائيات التي تدعم الآراء التي يقدمها.

ويخلص إلى نتيجة مفادها أن الاقتصاد الصيني يتمتع في السياق الحالي بدرجة عالية من الكفاءة والتنوع والدينامية التي لا تتوفر لدى الاقتصاد الأميركي في السياق الراهن. إنه يؤكد أن الأميركيين لا يواجهون أيضا الانحراف في آليات تسيير الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية وتزايد الإجراءات التنظيمية التي أصدرتها الحكومة خلال العقد المنصرم.

ويصيغ «ريد هندت» في هذا السياق تحذيراً قوياً وواضحاً باتجاه المسؤولين الأميركيين على صعيدي الاقتصاد والسياسة، مفاده أن الأميركيين لا يغامرون فقط، بسبب فقدان روح المنافسة واقتحام أسواق العالم، بضياع «الحلم الأميركي بالمحافظة على مستوى معيشة يتحسّن باستمرار»، وإنما أيضا بضياع «المشروع الأميركي» نفسه.

وهو يؤكدها أن رفع التحدي المطروح لا يمكن أن يتم من خلال تبنّي قرارات إدارية وحكومية وتبني «إستراتيجية تشريعات على أساس خطط يتخذها اليسار أو اليمين» في أميركا. لكن الحل «الممكن» يحدده بالقول إن «الحظ الأفضل بالنسبة للأميركيين كي يلجوا سبيل خلق العمل والثروة يتمثل في تبني ثقافة تشجع روح الشروع في مختلف النشاطات الاقتصادية».

ويطالب المؤلف مواطنيه الأميركيين، وخاصة المعنيين منهم بالدخول في المنافسة بالأسواق العالمية في مواجهة الصين تحديدا، أن يأخذوا الدروس من فترة التسعينات عندما عرف «مهندسو القوانين والتكنولوجيات وقيادة النشاط الاقتصادي» كيف يشجّعون روح خلق المشاريع. هذه الروح تحديدا هي التي «اهتزت» في المرحلة الراهنة.

أما الصين فقد برزت كـ «لاعب مهم في العالم الرأسمالي» بعد أن تبنّت التوجه نحو اللبرالية منذ نهاية عهد ماو تسي تونغ، هذا مع الاحتفاظ بالحزب الشيوعي الصيني في السلطة. ولا يتوقف الدور الذي تلعبه عن الازدياد والتعاظم، وذلك حسب آلية معروفة يشير لها المؤلف والمتمثلة في «الأواني المستطرقة»، إذ في كل مرّة يتراجع فيها القطاع الصناعي العام يقوم القطاع الخاص باحتلال المواقع التي تمّ التراجع عنها، وذلك بدينامية أكبر بكثير من الإيقاع الذي تعرفه «الرأسمالية الأميركية» تحت عنوان «التدمير الخلاق».

وتتمثل إحدى الأوراق الرابحة الأساسية التي تمتلكها الصين في وجود طبقة وسطى صاعدة هي الأخرى كنتيجة للازدهار الاقتصادي، تكتشف بعد فترة طويلة من الحرمان «شبق» الاستهلاك على الطريقة الغربية. الأمر الذي يجعل من الصين حالة فريدة في العالم تقريبا عبر اكتساب المجتمع صفة »الاستهلاكي» مع وجود قيادة سياسية شيوعية صارمة. هكذا يوجد في الصين مثلا أكثر من ثلاثمائة مليون هاتف نقال.

لكن بالإضافة إلى وجود سوق استهلاكي داخلي كبير لما يقارب ال1400 مليون مستهلك صيني، بلغت الشركات والمؤسسات الصينية مستوى رفيعا من القوة الاقتصادية عبر السوق المحلي يسمح لها بأن تنقل نشاطاتها باتجاه أسواق التصدير الخارجية وخاصة باتجاه الولايات المتحدة الأميركية.

كما لجأت الشركات المعنية إلى تطوير إنتاجها نوعيا، وليس كميا فقط، وذلك أنها بعد تكريس جهودها أولا نحو إنتاج المواد الاستهلاكية الأساسية، تحوّلت بقوة نحو الصناعات المتقدمة في ميدان تكنولوجيات الإعلام والمعلومات خاصة. أي نحو القطاع الذي يتمتع بوجود «قيمة مضافة» كبيرة ويستجيب بنفس الوقت لمستلزمات المنافسة في الأسواق الدولية.

ويشرح المؤلف على مدى فصل كامل من فصول الكتاب «الخصائص» التنافسية للاقتصاد الصيني في إطار المقارنة مع اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية. ويشير إلى أن الاقتصاد الصيني وبعد أن كان ما قبل الربع قرن اقتصادا «عالميا مثاليا» يحبو في طريق النمو، قفز خلال ربع القرن الأخير كي يصبح اقتصاداً عملاقاً يعادل سوقه الداخلي اليوم ثلث السوق الداخلي الأميركي.

وذلك من حيث القدرة الشرائية بالطبع وليس تبعا لعدد المستهلكين. كما يتمتع السوق الصيني أيضا بميزات على صعيد السياسة الضريبية مما يمكن أن يؤدي إلى عملية توزيع مدروسة للشركات ومما سيكون له قريباً تأثيراته المباشرة على الخيارات الصناعية المستقبلية بالنسبة للمنتوجات الموجهة، ليس محليا فقط وإنما عالمياً أيضاً، لما يزيد عن 500 مليون مستهلك صيني يتمتعون بقدرة شرائية مهمة.

ويقوم المؤلف في هذا السياق بمقارنة بين «الهجوم التجاري» الذي تقوم به الصين اليوم وبين ذلك الذي كانت قد قامت به اليابان خلال سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وهو يؤكد على عدة خصوصيات تتعلق بالحالة الصينية. فالصين ليست بحاجة عسكرية إلى الولايات المتحدة على عكس اليابان التي يتعلق أمنها الإقليمي والدولي، إلى درجة كبيرة، بأميركا.

كذلك يرى وجود خصوصية بالنسبة للصين تتعلق بالظرف الحالي من الجانب الأميركي. إذ يؤكد على أن السلطات الأميركية قامت حيال اليابان بعملية تعبئة فعّالة، بينما هناك حالة من «التراخي» والجمود في مواجهة «التهديد الصيني».

ويكرس ريد هندت في القسم الخاص بالحالة الأميركية الراهنة تحليلاته لأسباب الهمود و«أزمة روح الشروع في النشاطات الاقتصادية». إنه يحدد إجمالا ثلاثة مصادر أساسية للتبدل الحاصل تتمثل في: الإطار القانوني والإطار التقني ومفهوم القيادة (الزعامة).

ويرى أن هذه المصادر الثلاثة تشكل «بنى هيكلية» يمكنها، بالتشارك مع نشاطات الأفراد، أن «تخلق ثقافة». ثقافة تقوم على جعل القوانين مصدر تشجيع إيجاد قطاعات جديدة لدى الشركات القائمة، وعلى جعل التكنولوجيات تشجع البحث. وأخيرا جعل القيادة تشجع استقلالية رؤساء الشركات ومراكز البحث، وتأكيد دور الشبكات الاجتماعية وشبكات العمال والمستهلكين في رسم السياسات الأميركية الاقتصادية.

في القسم الأخير من هذا الكتاب يقدم المؤلف توصيفا لـ «الحلول» التي يقترحها المؤلف بغية الخروج من المنظور المهدد لمستقبل المنافسة الأميركية - الصينية والتي تميل الآن لصالح الصين. وتتمثل المرجعيات الأساسية التي يقول بها بالوضع الذي ساد في ظل إدارة بيل كلنتون.

هكذا يؤكد على أهمية إقامة سوق على صعيد القارة الأميركية كلها. كذلك يقترح منح قروض للشركات الجديدة تكون ذات فائدة قليلة وبمبالغ ضئيلة هي الأخرى تتراوح بين 1000 000, 10 دولار أميركي. ويشير أيضا إلى ضرورة إيجاد شبكات انترنيت تغطي الأراضي الأميركية كلها وتكون ذات كلفة قليلة مما يسمح للأميركيين بأن يجنوا أفضل الفوائد من تكنولوجيات المعلومات الجديدة.

وأن لا يبقوا على هامش «ثورة المعلوماتية» التي غيّرت وجه العالم، وأيضا التي يحاول الصينيون استغلالها أفضل استغلال. هذا الكتاب حظي بانتقاد العديد من الشخصيات الجمهورية الأميركية التي رأت به برنامجا «ديمقراطيا» على خلفية الحنين لسنوات بيل كلنتون.

بينما رأى فيه أكاديميون كبار مثل دافيد يوفي الأستاذ في جامعة هارفارد كتابا، «تنبغي قراءته من وادي السيليكون حتى البيت الأبيض» وذلك على أساس أنه يخص «التحدي الأكبر الذي ستواجهه أميركا خلال العقود المقبلة، أي التحدي الصيني».

*الكتاب: في ظل الصين : أزمة روح المشروع الأمريكية

*الناشر:: جامعة يال 2006

*الصفحات: 208 صفحات من القطع المتوسط

In China's shadow: crisis of american entrepreunership

Yale University Press 2006

P. 208