مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الأميركي المعروف ماركوس مابري، وقد كان أحد رؤساء التحرير الكبار في مجلة النيوزويك الأميركية. كما واشتغل مراسلاً لها في عدة بلدان أجنبية، بل وحتى داخل دوائر الإدارة الأميركية ومراكز القرار.وفي هذا الكتاب يقدم المؤلف صورة واضحة ومتكاملة عن كيفية صعود نجم كوندوليزا رايس ووصولها إلى السلطة في السنوات الأخيرة سواء في البيت الأبيض أم كوزيرة للخارجية.
ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: لقد ولدت كوندوليزا رايس في عائلة سوداء في ولاية ألاباما عام 1954، وهذا يعني أن عمرها الآن لا يتجاوز الثالثة والخمسين. ثم أصبحت مستشارة بوش للأمن القومي في البيت الأبيض بين عامي 2001ـ 2005 قبل أن تصبح وزيرة للخارجية بعد ذلك التاريخ.
وبالتالي فربما كانت أقوى امرأة تصل إلى كل هذه المراكز في دوائر القرار الأميركي. وعلى أية حال فهي أول امرأة سوداء تحتل كل هذه المناصب الرفيعة. وفي عام 2005 صنّفتها مجلة فوربيس الأميركية بصفتها أقوى امرأة في العالم. فهي قادرة على أن تحل وتربط في قضايا العالم الكبرى، كالقضية الفلسطينية مثلاً، أو كالعلاقة مع روسيا، أو كتحديد العلاقة مع أوروبا والصين وبقية العالم.
وقد ولدت في مدينة صغيرة تدعى بيرمنغهام وتقع جنوب الولايات المتحدة، أي في أكثر الأماكن عنصرية ضد السود في أميركا. ومع ذلك فقد استطاعت أن تتجاوز كل العقبات وتصبح أقوى شخصية سياسية في البلاد بعد الرئيس الأميركي. وهذا ليس بالشيء القليل بالنسبة لبلد لم يلغ قوانينه العنصرية إلا منذ زمن حديث العهد نسبياً.
ثم يردف المؤلف قائلاً: في الواقع أن كوندوليزا رايس هي أكبر مثال على تحقق الحلم الأميركي. فبما أنها ذكية ولامعة فإنها عرفت كيف تستفيد من هذا الحلم وتتجاوز وضعها كامرأة تنتمي إلى الأقلية السوداء المحتقرة والمضطهدة تاريخياً.
ومعلوم أن والدها كان رجل دين، أي قس بروتستانتي. وقد تعرضت كنيسته عام 1963 لهجوم من قبل العنصريين البيض أو اليمين المتطرف الأميركي التابع لحزب «كو كلوكس كلان» الشهير بإجرامه وتطرفه. فقد وضعوا قنبلة في مكان مخبوء من الكنيسة وأدت إلى قتل أربع فتيات صغيرات.
ومن بينهن صديقة طفولة كوندوليزا رايس التي لم تكن تتجاوز آنذاك العاشرة. وكان يمكن أن تقتل في الهجوم لو أنها كانت في الكنيسة ذلك اليوم. وبالتالي فإن كوندوليزا رايس تعرف معنى التمييز العنصري منذ نعومة أظفارها. ولكنها لم تستسلم للمقادير وإنما راحت تواصل دراساتها الثانوية والجامعية حتى وصلت إلى أعلى المناصب، وهكذا تحدت قدرها ومصيرها وتغلبت عليه.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد استخلصت كوندوليزا رايس بعدئذ الدروس والعبر من هذه الحادثة عندما قالت: ينبغي أن يكون المرء لامعاً مرتين لا مرة واحدة إذا كان ينتمي إلى أقلية عرقية مضطهدة. فالأبيض لا يحتاج إلى ذكاء كثير لكي يصل إلى ما يريد لأنه أبيض.
أما الأسود فيحتاج إلى تجييش كل طاقاته وامكانياته لكي يصل. ثم أردفت تقول: إذا كنتم قد عرفتم معنى الإرهاب مثلي فإنكم سوف تدركون أنه لا يخدم أي قضية. فالإرهابيون البيض الذين فجروا كنيستنا عوقبوا واحتقروا من قبل المجتمع وهزموا في نهاية المطاف. وبالتالي فكانت قضيتهم خاسرة، بل وأدت إلى عكس النتيجة لأنها سرّعت في تحرير السود من القوانين العنصرية البغيضة ونيلهم لحقوقهم.
وكذلك الأمر فيما يخص الإرهاب الأصولي حالياً، فقد أدى إلى تشويه سمعة القاعدة وقادتها في شتى أنحاء العالم. وسوف يقضي حتماً كل آمالهم. فالذين يقتلون الفتيات الصغيرات داخل الكنيسة أو خارجها لا مستقبل لهم. ثم يردف المؤلف قائلاً: بعد أن أنهت كوندوليزا رايس أطروحتها عن الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية عيّنوها استاذة للعلاقات الدولية في جامعة ستانفورد. وكان أنصار هنري كيسنجر وتلامذته يسيطرون على الجامعة آنذاك.
وبالتالي فالمنهج الواقعي في السياسة الأميركية كان هو المسيطر، والمقصود به السياسة التي تأخذ موازين القوى بعين الاعتبار وتدافع عن مصالح أميركا في الخارج بكل واقعية ووقاحة ودون أن تأخذ بعين الاعتبار المبادئ الأخلاقية أو المثالية للرئيس ويلسون مثلاً.
وهذه السياسة الواقعية الوقحة التي اشتهر بها كيسنجر ونيكسون هي التي أدت إلى التعامل مع كل الأنظمة الديكتاتورية بل واحترامها بشرط أن تلبي مصالح أميركا، ولا تعرقلها على الأقل. وكان كيسينغر يعتقد أن العلاقات بين الدول محكومة من قبل موازين القوى والمصالح وليس من قبل الأخلاق والمبادئ المثالية.
بمعنى آخر فإن كيسنجر كان من اتباع ماكيافيلي والسياسة التي تقول: الغاية تبرر الواسطة. فحتى لو كانت الوسيلة المتبعة لا أخلاقية أو حتى قذرة فإنها تصبح جيدة بمجرد أن تؤمّن لأميركا مصالحها. ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد اعتنقت كوندوليزا رايس هذه النظرية الواقعية التي بلورها كيسنجر في الوقت الذي ظلت تحلم فيه بمزيد من الإشعاع الحضاري للولايات المتحدة في الخارج.
ولكن نظراً لأصولها السوداء فقد كانت الشابة رايس تميل إلى الحزب الديمقراطي الأكثر تقدمية وإنسانية من الحزب الجمهوري: حزب البيض المتعصبين العنصريين عموماً وبخاصة في جناحه اليميني. ولذلك فقد صوتت لجيمي كارتر في انتخابات 1976 لأنه كان ضد العنصرية بوضوح. ولكنها غيرت رأيها عام 1980 فراحت تصوت لمنافسه رونالد ريغان.
لماذا؟ لأن كارتر بدا في نظرها شخصاً ضعيفاً ولا يستطيع أن يواجه الاتحاد السوفييتي بالحزم اللازم. على الأقل هذا ما تقوله اليوم وبعد مرور ثلاثين عاماً على الأمور.
مهما يكن من أمر فعندما شعرت كوندوليزا رايس بأن الجمهوريين سيبقون في السلطة لفترة طويلة راحت تتقرب منهم وتبتعد عن الحزب الديمقراطي. لقد تقربت من الجناح المعتدل في هذا الحزب اليميني وأقامت علاقات مع مستشار الأمن القومي لريغان: برينت سكاوكروفت. وقد لفتت انتباه هذا الأخير أثناء انعقاد مؤتمر في جامعة ستانفورد. ورغب في الاستفادة من خبراتها ومواهبها فأدخلها إلى دوائر البنتاغون أولاً، وكان ذلك عام 1986.
وبالتالي فقد ابتدأ صعودها السياسي منذ ذلك الوقت: أي منذ عشرين عاماً بالضبط، وكان عمرها آنذاك أربعة وثلاثين عاماً. وقد أدخلها الجمهوريون إلى إدارة ريغان للاستفادة من خبراتها في مجال السياسة الخارجية وبخاصة لكونها أحد العارفين بالشؤون السوفييتية الداخلية. فكل أبحاثها كانت حول هذا الموضوع، وهو الموضوع الأهم بالنسبة لأميركا إبان الحرب الباردة كما هو معلوم.
وعندئذ تخلت كوندوليزا رايس عن السياسة الواقعية التي تدرس عادة في الجامعة وتحولت إلى السياسة الهجومية الثورية التي تريد تحطيم الاتحاد السوفييتي. ولم تعد الدبلوماسية الناعمة هي الوسيلة الوحيدة التي ينبغي اتباعها تجاه امبراطورية الشر كما يقول ريغان. وقد لعبت كوندوليزا رايس دوراً كبيراً إبان سقوط الاتحاد السوفييتي وقدمت كل المعلومات التي تمتلكها إلى الرئيس جورج بوش الأب. وأصبحت مقربة جداً منه بل وتكاد تكون ابنته.
وأدخلها إلى بيته ومنذ ذلك الوقت تعرفت على ابنه الذي سيصبح رئيساً فيما بعد. وهكذا أصبحت جزءاً من العائلة بعد أن تبنّاها بوش الأب.ثم يردف المؤلف قائلاً:وبعدئذ أصبحت أبواب السلطة مفتوحة أمامها على مصراعيها. ودخلت إلى البيت الأبيض كمستشارة أساسية لجورج دبليو بوش الذي كان غراً في السياسة آنذاك ولا يفقه شيئاً كثيراً في العلاقات الدولية.
وكان بحاجة إلى مستشارين أكفاء من أمثالها. ثم وسعت كوندوليزا رايس معلوماتها بعدئذ لكي تصبح أوسع من الاتحاد السوفييتي المنهار الذي لم تعد له أهمية كبرى. وهكذا أصبحت مختصة في الشؤون العالمية كلها من منطقة الشرق الأوسط، إلى الهند، والباكستان، والصين، الخ.
وبالتالي فقد أصبحت مهيأة لأن تكون على رأس وزارة الخارجية الأميركية حيث أبلت بلاءً حسناً حتى الآن. وربما سجلت اسمها كأشهر وزير لخارجية أميركا في العشرين أو الثلاثين سنة الماضية باستثناء الثعلب: هنري كيسنجر.
*الكتاب:المحاولتان ناجحتان، كوندوليزا رايس والطريق إلى السلطة
*الناشر:روديل بريس - نيويورك 2007
*الصفحات : 360 صفحة من القطع الكبير
Twice as good Condoleeza Rice and the path to power
Rodale Press- New York 2007