مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي بيير ريغولو، مدير معهد التاريخ الاجتماعي في باريس. وكان قد نشر سابقاً مقابلات عديدة مع المعارضين الكوبيين في مجلة السياسة الدولية. كما وأنه ألف كتبا عديدة عن العالم الشيوعي وبخاصة كتابه عن كوريا الشمالية، (دولة مارقة) (2003). وهو يشرف حاليا على مجلة فصلية بعنوان (التاريخ والحرية).

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن الحياة السياسية والاجتماعية لكوبا في عهد كاسترو الذي هو من أقدم العهود في عصرنا الراهن، فربما كان زعيم الثورة الكوبية هو عميد الحكام في العالم كله. فقد حكم بلاده منذ أكثر من سبعة وأربعين عاما متواصلة حتى مرض أخيرا وتخلى عن ممارسة السلطة المباشرة لأخيه راؤول.

ثم يردف المؤلف قائلا: نظرا للمرض الذي أصاب كاسترو وأقعده في المستشفى طويلا فإنه يمكن القول بأن تغيير النظام في كوبا أصبح ممكنا للمرة الأولى. ولا ريب في أن اختفاء القائد مكسيموس كما يدعونه في كوبا سوف يكون حدثاً تاريخياً مهماً بالنسبة لكوبا والكوبيين وربما للعالم بأسره.

نقول ذلك ونحن نعلم أن كاسترو يحتل مكانة مهمة في العالم الثالث بصفته بطل المغاوير الذين دشنوا الثورة الكوبية في الخمسينات من القرن الماضي. وقد تحول إلى بطل أسطوري في أذهان الكثيرين، لا وقد حظي بتأييد كبار المثقفين في القرن العشرين وعلى رأسهم جان بول سارتر.

ثم يردف المؤلف قائلا: لقد احتفل كاسترو يوم 13 أغسطس 2006 بعيد ميلاده الثمانين في المستشفى. وقد نشرت السلطات الكوبية بعض الصور بهذه المناسبة. ومن بينها صوره الشخصية وهو يحاول أن يسترد قوته المنهارة، وكذلك صور القادة الذين زاروه بهذه المناسبة لتهنئته ومن بينهم صورة أخيه راؤول كاسترو، وصورة رئيس فنزويلا هيغو شافيز الذي يريد أن يحل محله في أميركا اللاتينية كقائد للنضال ضد الإمبريالية الأميركية، وصورة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان.

والشيء المدهش هو اختفاء شخصية مهمة جداً من القيادة الجماعية التي شكلها راؤول كاستور لقيادة البلاد بعد مرض كاسترو: إنه رئيس الجمعية الوطنية للسلطة الشعبية دانييل ألاركون. وهذا يعني أن الصراع على السطلة بعد كاسترو قد ابتدأ.

ولكن هناك شيئاً مؤكداً على أي حال: فسواء أكان كاسترو ميتاً أم حياً فإن شبحه سوف يظل يحوم على كوبا لفترة طويلة من الزمن. فلا أحد يستطيع الحلول محله بصفته شخصية أسطورية حكمت البلاد طيلة نصف قرن تقريبا. ولا أحد يستطيع أن يحل محل أب الأمة الكوبية ومؤسسها، ومدشن النظام الاشتراكي فيها.

ولكن بالمقابل لا أحد يتمنى في كوبا أن يستمر وجود كاسترو حتى ولو على هيئة شبح! فالجميع يحلم بالتغيير بعد كل هذا العهد الشيوعي الطويل والممل. صحيح أن نظام كاسترو حقق بعض النتائج الإيجابية للسكان وبخاصة في مجال التربية والصحة.

ولكن الناس ملوا من الشعارات الايديولوجية والأفكار الشيوعية التي سقطت في كل مكان ما عدا في كوبا وكوريا الشمالية... الناس تحلم بالتغيير والانتقال إلى العهد الديمقراطي التعددي الذي أخذ يسود في معظم مناطق العالم بما فيها أميركا اللاتينية.

ثم يقدم المؤلف صورة متكاملة عن تاريخ كوبا في عهد كاسترو من خلال الفصول التالية. كاسترو وباتيستا: الفرق بين النهار والليل؟ وهنا يشكك المؤلف بشخصية كاسترو ولكن دون أن ينكر مزاياها الثورية الحقيقية. ثم يتحدث المؤلف عن بدايات كاسترو في مجال السياسة وكيف كان ينكر أنه شيوعي قبيل استلام السلطة.

كما ويتحدث عن علاقة كاسترو بكل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية وكيف حاول أن يلعب على وتر التنافس بينهما. ثم ينتقل المؤلف بعدئذ للتحدث عن الفشل الاقتصادي للثورة الكوبية قائلا: في الواقع أن البواعث الايديولوجية لا الاقتصادية هي التي دفعت بكاسترو إلى أحداث انقلاب جذري في السياسة الاقتصادية الكوبية.

فقد طرح الشعار التالي: ينبغي تخليص الجزيرة الكوبية من هيمنة الإمبريالية الأميركية على اقتصادها. ولن يتحقق ذلك إلا بالتخلي عن النظام الرأسمالي وتنويع المزروعات وعدم الاعتماد كليا على زراعة قصب السكر كما كان يحصل سابقا. كما وينبغي القيام بإصلاح زراعي كبير. ولكن كل هذه القرارات لم تؤد إلى تحسين وضع الاقتصاد الكوبي على العكس. فقد سقط في نفس النواقص التي تعاني منها الدول الشيوعية والتي أدت إلى سقوط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية مؤخرا.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن انعدام الديمقراطية وحقوق الإنسان في كوبا ويقول بما معناه: في عام 1959 اعتمدت كوبا الموقف نفسه الذي تعتمده كل الدول الناتجة عن الثورات ألا وهو: تصفية أعداء الداخل. وهذا ما فعلته الثورة الفرنسية سابقا وكذلك الثورة البلشفية، الخ. يضاف إلى ذلك تصفية أعداء الخارج: أي ملاحقة المعارضين السياسيين حتى بعد أن يهربوا من البلاد. وهذا ما فعله ستالين مع تروتسكي مثلا حيث لاحقه بمخابراته إلى المكسيك حتى قتله.

فكاسترو كان يعتقد بأن الجميع كانوا يتآمرون على الثورة وبالتالي لا بد من تصفيتهم لحمايتها منهم. وعلى هذا النحو أمر القائد الكوبي بإنشاء المحاكم الثورية وتصفية كل أعداء الثورة الوليدة. وكان ذلك يعني هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية بل وحذف هذه الأخيرة تماما. وهكذا دخلت كوبا في عهد الديكتاتورية الثورية.

وكانت النتيجة كارثة. فقد أدت بالفعل إلى تصفية كل المعارضين وإخراس أصواتهم وتحويل كوبا إلى نظام دكتاتوري بالكامل. ولم تعد هناك حرية صحافة، ولا حرية اعتقاد، ولا حقوق إنسان، ولا من يحزنون. وهذا ما أدى إلى تشويه صورة كوبا في الخارج.

ثم يردف المؤلف قائلا: لقد كانت الثورة الكوبية تتمتع بصورة رائعة في كل أنحاء العالم الثالث في بداياتها بل وحتى أمد قريب. ولكن فشلها الاقتصادي وانعدام الحربات السياسية فيها ثم تصفيتها للمنشقين والمعارضين كل ذلك أدى إلى تغيير موقف الناس منها ومن زعيمها الأكبر.

ولا ينبغي أن ننسى أن سقوط الاتحاد السوفييتي وكل المنظومة الشيوعية أدى إلى إضعاف موقف كوبا كثيراً. فلم يعد الخط الثوري الشيوعي هو النموذج الذي يحتذى كما كان يحصل سابقاً، وإنما أصبح النموذج الديمقراطي الذي يعترف بتعددية الأحزاب والانتخابات الحرة للشعب هو النموذج السائد على المستوى العالمي. وبالتالي فإن نظام كاسترو دفع ثمن شيء أكبر منه في الواقع.

ولكن لا ينبغي أن ننسى أن كاسترو لعب دوراً مهماً في يقظة الشعوب الأخرى. ومعلوم أنه دعم الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي وكانت له علاقات جيدة مع قادة جبهة التحرير الوطني. وهذا موقف مشرف يذكر له. فالرجل كان ثورياً حقيقياً مناضلاً من أجل حقوق الشعوب ونيلها لحريتها واستقلالها.

وموقفه ضد الإمبريالية الأميركية كان مبرراً في قسم كبير منه لأن الغرب الرأسمالي مارس فعلاً هيمنة طاغية على الشعوب. وبالتالي فلا ينبغي استغلال الوضع الحالي أكثر مما يجب والتهجم على كاسترو بمناسبة ودون مناسبة. فالرجل كان منارة ثورية على الرغم من كل شيء ومثّل لحظة مشرقة وأساسية في التاريخ المعاصر.

*الكتاب:غروب الشمس على هافانا، كوبا في عهد كاسترو بين عامي 1959-2007

*الناشر: فلاماريون ـ باريس 2007

*الصفحات :521 صفحة من القطع الكبير

Coucher de soleil sur la Havane, la Cuba de Castro 1959-2007

Flammarion- Paris 2007

P.521