يعمل بنجامان ستورا، مؤلف هذا الكتاب، أستاذاً لتاريخ المغرب والاستعمار الفرنسي في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، وهو أحد أهم المؤرخين الفرنسيين المعاصرين بتاريخ حرب التحرير الجزائرية وتاريخ الجزائر والعلاقات الفرنسية ـ الجزائرية في تلك الحقبة وبعدها.

سبق للمؤلف وقدم العديد من الكتب والأعمال الوثائقية التلفزيونية وغيرها حول فترة اهتمامه. من كتبه الأخيرة: «الغرغرينا والنسيان» و«الجزائر 1954-2004، نهاية فقدان الذاكرة»، وهذا الكتاب بالاشتراك مع المؤرخ الجزائري محمد حربي، و«الكتاب، ذاكرة التاريخ» و«المنافي الثلاثة ليهود الجزائر».

«فرنسا مريضة بماضيها الاستعماري»، هذه هي الجملة الأولى في هذا الكتاب عن «حرب الذاكرات»، وهو كتاب حوارات مع الصحافي الفرنسي تييري لوكلير. ويأتي هذا العمل في إطار النقاشات الطويلة التي أثارها في فرنسا صدور قانون في شهر فبراير 2005 حول «الدور الإيجابي» للاستعمار.

هذا القانون أثار مباشرة ردود فعل سريعة وكثيرة كما تدل «العريضة الاحتجاجية» التي نشرتها صحيفة لوموند بتاريخ 25 مارس 2005، أي خلال عدة أسابيع بعد صدور القانون، وتضمّنت توقيع 1000 أستاذ وباحث ضد ذلك القانون. وفي مثل هذا الإطار شبّت «حرب الذاكرات».

«حرب الذاكرات» التي يتعرض لها المؤرخ بنجامان ستورا في هذا العمل هي تلك التي يتواجد على ساحتها ما بين سبعة إلى ثمانية مواطنين فرنسيين تعود أصولهم إلى مستعمرات فرنسية سابقة. وهي تخص فيما هو أبعد من الحالة الفرنسية علاقة المستعمرين بأولئك الذين استعمروهم.

في فرنسا يتحدثون عن «الحركيين»، أي أولئك الجزائريين الذين كانوا قد تعاملوا مع الجيش الفرنسي ضد ثوار جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وبالتالي توجّب عليهم أن يغادروا بلادهم إلى فرنسا مع نهاية الحقبة الاستعمارية. ويتحدثون أيضاً عن «أصحاب الأقدام السوداء».

أي أولئك الفرنسيين الذين كانوا استوطنوا في الجزائر وعاشوا فيها لعدة أجيال ـ استمر الاستعمار الفرنسي للجزائر 132 سنة ـ وكان عليهم أيضاً أن يغادروها مع الاستقلال. وهناك أيضاً سليلو العبيد وأحفاد الذين خضعوا للاستعمار وما يتم التعبير عنهم اليوم في فرنسا بـ «أبناء الهجرة» ذوي الأصول المغربية ـ يعني بلدان المغرب العربي ـ والإفريقية بشكل أساسي. هؤلاء جميعهم معنيون بـ «حرب الذاكرات».

ويشير بنجامان ستورا إلى البند الرابع من قانون 23 فبراير 2005 حول «الدور الإيجابي» للاستعمار والذي ينص على أن «تعترف المناهج المدرسية خاصة بالدور الإيجابي» للوجود الفرنسي فيما وراء البحار وخاصة في شمال إفريقيا». أي ما يعني إعطاء «تعليمات رسمية» للأساتذة والباحثين في ميدان ممارسة مهنتهم. هذا ألغاه رئيس الجمهورية في شهر يناير 2006 تحت ضغط المعنيين.

لكن إلغاءه أثار احتجاج 40 نائباً في الجمعية الوطنية الفرنسية من معسكر اليمين الذي كان وراء المصادقة على القانون كونه يحظى بالأغلبية البرلمانية. ويشير بنجامان ستورا إلى أن فرنسا قد شهدت «إجماعاً سياسياً» غداة استقلال الجزائر حول ضرورة الانتهاء من الاستعمار.

فقط شذّت عن القاعدة أقلية من اليمين المتطرف. لكن ذلك «الإجماع» بدأ بالتخلخل منذ مطلع عقد الثمانينات الماضي مع صعود اليمين الراديكالي ثم مع وصول جاك شيراك إلى الرئاسة عام 1995 «استيقظ أولئك الذين يحنّون للجزائر الفرنسية»، كما يقول المؤلف.

ثم يضيف: «إن شيراك، وبخطابه الشهير يوم 16 يوليو 1995 الذي اعترف فيه بمسؤولية الدولة الفرنسية في اعتقال اليهود وإرسالهم إلى معسكرات الاعتقال، إنما أغلق صفحة فيشي ـ أي الحكومة التي ترأسها المارشال بيتان أثناء الاحتلال الألماني وكان مقرّها مدينة فيشي. ولكنه لم يفتح حقيقة صفحة الجزائر». لكن هذا لم يمنع النقاش العام حول «الماضي الاستعماري» من الانطلاق على غاربه.

وفي معرض الإجابة على سؤال: ما هو الاستعمار؟ على ضوء التعريف الذي يقدمه قاموس «روبير» الشهير له أنه «زيادة قيمة واستغلال بلدان أصبحت مثل مستعمرات» يقول بنجامان ستورا أنه «زيادة قيمة بالفعل، ولكن لمصلحة من؟ ومن أجل ماذا؟». ويؤكد على ضرورة إضافة أن الهدف هو «تملّك الأرض وثرواتها» مع الإشارة إلى التبرير الذي قدّمه العديدون للاستعمار باسم « المهمة التحضيرية».

ويشير بنجامان ستورا، من موقع المؤرخ إلى النقص الكبير الذي تعاني منه الجامعات الفرنسية التي تفتقر إلى دراسات خاصة بـ «التاريخ الاستعماري»، بينما هناك أقسام مختصة بدراسة «الحقبة ما بعد الاستعمارية» في الولايات المتحدة وفي مراكز بحث الإمبراطورية البريطانية السابقة. وهناك دراسات مماثلة الآن في اليابان التي تعمل على دراسة ماضيها كقوة استعمارية سابقة.

وتتم في هذا الإطار ملاحظة أن تاريخ الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية قد اختفى فجأة من الكتب المدرسية بعد حصول الجزائر على استقلالها عام 1962. الأمر الذي يعيده المؤرخ ستورا إلى «النسيان الضروري بعد فترة الحرب بدافع حاجة طي الصفحة.

ولكن ما يعني في الوقت نفسة رفض تحمل مسؤولية الجرائم المقترفة وممارسة مختلف أشكال اللا مساواة أثناء الحقبة الاستعمارية». هكذا بدا المجتمع الفرنسي خلال سنوات السبعينات كأنه يريد نسيان الاستعمار فغاب عن مناهج التعليم ولم يعد يتم نقل المعلومات الخاصة بفترته من جيل إلى آخر. «لقد استدارت فرنسا نحو أوروبا وأرادت أن تنسى الجنوب»، حسب تعبير بنجامان ستورا.

ويرى المؤلف أن الجنرال شارل ديغول، الذي أشرف على «عملية إنهاء» الإمبراطورية الاستعمارية، كان يدرك تماماً أن خسارة «الجزائر الفرنسية» قد مسّ «نزعة الاعتزاز الوطني» الفرنسي وعرف بالتالي أنه ينبغي «تمويه ذلك الجرح».

ولذلك رفع شعار «فرنسا الجديدة، زعيمة العالم الثالث» بدلاً من الحديث عن الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية. يقول ستورا انه: «بالنسبة للجنرال ديغول كانت فرنسا هي التي أعطت الاستقلال للشعوب الخاضعة لاستعمارها، وغيّب بالتالي تماماً «الهزيمة السياسية» ليؤكد أن بلاده تتابع ملحمتها صوب الجنوب باسم العالم ثالثية في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا.

ويذكر «ستورا» أنه ورفاقه من جيل أحداث الطلبة في فرنسا عام 1968 ساهموا في دفع «المسألة الاستعمارية» إلى المواقع الخلفية كي يعطوا الأولوية لـ «مناهضة الإمبريالية» في فييتنام وكوبا وفلسطين والعديد من مناطق أميركا اللاتينية. مع ذلك «احتفظت فرنسا في ذاكرتها الجماعية حتى اليوم بثقافة الإمبراطورية التي لا تريد أن تتحمل مسؤوليتها»، حسب تعبير المؤلف.

ولا يتردد بنجامان ستورا في هذا السياق عن التأكيد أن «الشرخ الاستعماري» لا يزال موجوداً في المجتمع الفرنسي. يقول: «هذا واقع. والأسر المهاجرة المنحدرة من المستعمرات تعيش ذلك الشرخ. إنها تحسّ كأن المجتمع ينظر لها بالطريقة نفسها التي كانت تنظر فيها فرنسا إلى مستعمراتها. وهي تعاني كثيراً من هذا الإحساس بالدونية وبالتهميش».

وما يتم التأكيد عليه، على مدى صفحات هذا الكتاب كله وبأشكال مختلفة هو أن النقاش حول الحقبة الاستعمارية «لم ينغلق». بل وإنه موجود بقوة بحكم صدوره عن المجتمع وليس حصره بالدراسات الأكاديمية في الجامعات. نقرأ: «يتعارض في فرنسا منذ 15 سنة أولئك الذين يتغنّون بالاستعمار ويجمّلون تاريخه ـ يقدّر المؤلف عددهم بعدة ملايين من الفرنسيين الموجودين دائماً في المجتمع ـ مع أولئك الذين يرون أن الاستعمار لم يكن جيداً بالنسبة للإنسانية».

كذلك يتم الحديث في هذا السياق عن أولئك الذين يريدون التخلص من «طغيان طلب الغفران» وبالتالي طي الصفحة و«الانتقال إلى شيء آخر». وعن أولئك الذين يقومون بعملية «جلد ذاتي» بسبب الجرائم التي اقترفها الاستعمار الفرنسي في الجزائر. أما الذين يعانون أكثر من غيرهم من «الفرنسيين» فهم «أبناء المهاجرين الحاملين في أعماقهم للذاكرة المناهضة للاستعمار القوية جداً لدى آبائهم». هكذا تغدو «حرب الذاكرات» واقعاً حياً وملموساً في المجتمع الفرنسي.

ويحذّر مؤلّف هذا الكتاب من «مطبّات حرب الذاكرات» هذه. ذلك أن التعبير نفسه يحيل إلى «مرحلة خطيرة» وبالتالي يمكن للتعرّض لها أن «يحمل بطيّاته نوعاً من الشقاق السياسي»، كما يمسّ إلى هذه الدرجة أو تلك «الموديل الفرنسي» في التكامل الاجتماعي القائم أصلاً على «تمثّل الأجانب في بوتقته. ويلاحظ المؤلف في هذا الإطار أن المثقفين كانوا «في أسفل قائمة» أولئك الذين قبلوا بنهاية «الجزائر الفرنسية»، إذ رأى الكثيرون منها فيها «نهاية فرنسا» ذاتها.

كتاب حوارات يعالج فيه المؤرخ بنجامان ستورا «المسألة الاستعمارية» وإسقاطاتها في المجتمع الفرنسي اليوم كما يبدو في النقاشات «الملتهبة» التي تعرفها فرنسا حول «حرب الذاكرات». وهي حرب تقوم على خلفية عواطف دفينة ومؤلمة و«متحيزة» للأطراف الداخلة فيها.

*الكتاب:حرب الذاكرات : فرنسا في مواجهة ماضيها الاستعماري

*الناشر: لوب ـ باريس 2007

*الصفحات: 107 صفحات من القطع الصغير

La guerre des mémoires : la France face à son passé colonial

L'Aube- Paris 2007

P.107