يهدف هذا الكتاب (نجيب محفوظ حالماً بالقمر) للناقد د. حسن البنداري إلى تقديم رؤية منصفة لعدد من النصوص القصصية والروائية التي زوّد بها الكاتب الكبير نجيب محفوظ واقعنا الأدبي؛ بغرض الكشف عما تنطوي عليه من مواقف إنسانية متباينة، تعززها وسائل فنية مختلفة ومتعددة، جاءت نتيجة «استنطاق مخلص ومناسب» للنصوص موضع الفحص والدراسة.

من زاوية أن لكل نص «أصواته» النابعة منه، و«إملاءاته» الكامنة فيه، و«إيماءاته» الخاصة به، و«عطاءه» الذي لا يمتلكه إلا دارس منصف، يحرص على أن يضيف رؤية جديدة إلى الدرس النقدي، على نحو ما يظهر في فصول الكتاب الأربعة: الحلم بالمثال، والحلم بالملائم، والحلم باليقين، والحلم بالعدل.

ود.حسن البنداري أستاذ الأدب بكلية البنات جامعة عين شمس، وله العديد من المؤلفات في النقد الأدبي منها (قيم الإبداع الشعري في النقد العربي القديم ) و(في البلاغة العربية علم المعاني) و(فن القصة القصيرة عند نجيب محفوظ) و(تكوين الخطاب النفسي في النقد العربي) و(البنيات الكاشفة عند نجيب محفوظ : دراسات في النص القصصي).

وقد بدأ كتابه قائلا : من المحقق أن الواقع الأدبي في مصر والعالم العربي حافل بدراسات نقدية كثيرة تصدَّت لدراسة (النص القصصي)، حيث سعت إلى تجلية معالمه ومكوناته الفنية، ولكن من المحقق أيضا أنها ليست سواءً في هذا السعي، فيمكن للقارئ المتابع ملاحظة أن بعضها يقترب من (النص) اقترابا شديدا، بحثا في مجاهله وخباياه.

فيقدم حينئذٍ رؤية منصفة له مؤسَّسة على إدراك هذه المجاهل وتلك الخبايا ووعْي بطاقاته الجمالية، على حين يظل بعضه الآخر بعيدا عنه مفارقا له، فيقف القارئ ـ من ثم ـ على رؤية خارجية لا تنصفه، مما يدعو إلى الحكم بصحة فكرة أن ترْك النص دون فحص أفضل من دراسة تعتمد على تلك الرؤية الخارجية.

ويشير د.البنداري إلى أن التطور الذي حدث في الأسلوبِ الروائي لنجيب محفوظ بدأ بالسردِ الوصفي التحليلي الذي كان سائدا، ولكنه قام بالتطوير من حيث حجم القصة، ومن حيث الأداء اللغوي، وهذا ما نجده متزامنا مع الرواية فكان يستخدم ما يُسمَّى بتكنيك تيار الوعي، وهو استبطان الشخصية ورصد ما يدور في داخلها من مشاعرَ وانفعالات متصادمة واللجوء إلى عمليةِ التنقل الزمني الذي يبدو فوضويّا.

ولكنه معلل ومبرر فنيّا بحيث تحب الانتقال من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل مع وجود مبررات في السياق والنسيج اللغوي، ثم تطورت أكثر عندما يُسمَّى مجموعة تحت المظلة التي أخذت الشكل السريالي غير المعقول فيتحدث عن عوالم غريبة في روايته مثل أن يتحدث عن شخص يُغتال ثم يحيا ثانية.

ثم مرحلة يكتب فيها القصة القصيرة المطولة التي تصل إلى 50 صفحة، وهي وسط بين الرواية والقصة مثل «أمشير وسمارة الأمير»، وإن كان في هذه المرحلة يكتب أيضا القصة القصيرة العادية من حيث الحجم وبعد إصابته وتعطل الكتابة بعض الوقت يكتب القصة «قد الكف» عبارة عن 10 سطور ينشرها باسم «أحلام فترة النقاهة» التي ظل ينشرها، ولها عناوين جانبية وهي مركزة جدًّا، والملاحظ أنه مع تغيَّر الشكل عنده إلا أنك لا تشعر بغربة أمام هذا التغيير لأنك تقرأ وتستوعب وتقف على المعنى الذي يريده في هذه القصة أو تلك.

ويضيف د.البنداري أن الجانب الروائي عند محفوظ قد مرَّ أيضًا بعدة مراحل.. الرواية التاريخية من خلال التاريخ الفرعوني ورواياته الثلاث «رادوبيس» و«عبث الأقدار» و«كفاح طيبة»، وعبَّر عن القضايا المصرية من خلالها في شكلٍ فرعوني، ولكنه وجد أن المرحلة لم تعد تستوعب هذا اللون فانتقل إلى الواقعيةِ والحديث عن مشكلاتِ المجتمع في «القاهرة الجديدة» و«بداية ونهاية» و«زقاق المدق» و«خان الخليلي».

ثم توقَّف بعد قيام الثورة إلى أن ظهرت أولاد حارتنا التي أثارت ضجةً كبرى انتهت بقرار مصادرتها ثم انتقد الثورة في «السمان والخريف»، ووصل نقده مداه في «اللص والكلاب» عن طريق الرمزيةِ، ثم لجأ إلى بعضِ القصص الفلسفية في الطريق وهو البحث عن الله والسماء حول هموم الإنسان الباحث عن الحقيقة، ولم يكن محفوظ أسيرَ الشكل فهو دائم التطور.

وفي الفصل الأول من الكتاب والمعنون بـ (الحلم بالمثال) بتحليل د.البنداري طبيعة علاقة الشخصية المركزية «أنور عزمي» في الرواية القصيرة «نور القمر»ـ بالشخصية المحورية « نور القمر»، من حيث غموضها الذي وظّف الراوي من أجله قدراته الذاتية الخبيرة، واستعان بشخصيات أخرى فاعلة؛ لإزالة هذا الغموض والتعرف على دلالة حركة تلك الشخصية.

والفصل الثاني (الحلم بالملائم ) لبيان حقيقة «تجربة مضنية» في قصة «في أثر السيدة الجميلة»، طرفها الأول: الراوي المشارك وهو بدون اسم، وطرفها الثاني حسناء شابة أثار غموضها فضول الراوي الكهل، فتابعها منذ الصباح حتى ابتداء الليل متابعة مرهقة، نازعته خلالها أحاسيس متناقضة غلبت ضرورة تراجعه، فيكون بذلك قد افتقد «التأهيل» الملائم الذي تتطلبه هذه الحسناء التي لم تكن أبدا ـ في ضوء أحاسيس الرجل المتعاقبة ـ مجرد امرأة أو فتاة عابرة وعادية.

وأما الفصل الثالث (الحلم باليقين) فتعكسه قصص «صاحب الصورة»، و«أمشير»، و«الحوادث المثيرة»، و«قاتل قديم» و«خيال العاشق»؛ إذ تدل معاناة الشخصية المركزية في كل قصة منها على ضرورة البحث والتحرّي، وكيف أن محاولة الشخصية الباحثة لم تتوسل بوسائل كافية. ولولا هذا النقص لأمكن لها تحقيق ما أرادتْه ونشدته، ومن ثم لم تشعر ـ تماما ـ الشخصية المركزية بأنها توصلت إلى التثبت أو اليقين المنشود.

وفي الفصل الرابع (الحلم بالعدل) عمدت الشخصية المركزية في قصة «السلطان» ورواية «رحلة ابن فطومة» إلى محاولة إحلال «العدالة المقترنة بالحرية» لمواجهة «الظلم والقهر»، إذ لا يمكن للحياة أن تستقيم وتزدهر دون تصرُّف احتجاجي أو دعوة صريحة مباشرة أو غير مباشرة، هدفها تبصيرُ النفوس، والحلمُ بالشخصية الملائمة القادرة على إحقاق العدالة؛ ولذلك جاءت معاناة السلطان «نوح» في قصة «السلطان».

ومتابعة رحلة «قنديل العنابي» وهو يكتسب «خبرات» نوعية من وطنه الأصلي، ومن دول مجاورة وأخرى بعيدة، تتوافق ـ الخبرات ـ مع أشواقه المقدسة ورغبته العارمة في أن يسود العدل كل زمان ومكان، لا سيما أنه خضع للتدريب والتأهيل اللذين صاحباه في نهاية الرحلة إلى تلك الدار المنشودة ـ «دار الجبل» ـ التي يتحقق فيها العدل كاملاً غير منقوص.

وفي جميع هذه الفصول جاء حرص د.البنداري على «الارتباط الوثيق» بالنصوص، وعلى عقد «حوارات» نوعية معها؛ بغرض الكشف عن قيم أخلاقية تقترن بواقع الإنسان في الماضي والحاضر وتطمح إلى الاقتران بمستقبله، وذلك لتحقيق استقراره وتوازنه النفسي وتوافقه مع زمن حافل بالمتناقضات.

محمد الحمامصي

*الكتاب:نجيب محفوظ حالماً بالقمر

*الناشر:الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2007

*الصفحات:180 صفحة من القطع المتوسط