مؤلف كتاب «إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد» هو «أبو عبدالله محمد بن ابراهيم بن ساعد الأنصاري السنجاري» المعروف بابن الأكفاني، وهو طبيب، باحث، وعالم بالحكمة والرياضيات. ولد ونشأ في مدينة «سنجار» من نواحي الجزيرة السورية، قرب الموصل، ثم سكن القاهرة.
وزاول فيها صناعة الطب، بعد أن طلب العلم وبرع في عدة فنون، ومهر في معرفة الجواهر والأحجار الكريمة والعقاقير، وكان يشرف على أحد المارستانات ـ المشافي ـ في القاهرة. ثم إن «ابن الأكفاني» أتقن الرياضيات إتقاناً جيداً، وكان يحل مسائل «اقليدس» بلا كلفة، كأنها تمثّلت في عينيه، هذا إلى جانب تقدمه في علم الطب.
وكان ـ مع ذلك كله ـ مستحضراً للتواريخ وأخبار الناس، حافظاً للأشعار والآداب، قال فيه «ابن سيد الناس»: ما رأيت من يعبّر عما في ضميره بأوجز من عبارته، ولم أر أمتع منه، ولا أفكه من محاضراته، وكان يحفظ من الرُّقّى والعزائم شيئاً لا يشاركه فيه أحد، وكان كثير التجمّل في ملبسه ومركبه، توفي في القاهرة سنة 744 هجرية.
وقد أنتج لنا كثيراً من الكتب منها: نخب الذخائر في أحوال الجواهر، كشف الرّين في أحوال العين، اللباب في علم الحساب، نهاية القصد في صناعة الفصد، إكمال السياسة في علم الفراسة، الأنوار في تلخيص الأفكار، رسالة في الوصايا الملوكية.
أما كتابه «إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد» فقد ذكر فيه المؤلف أنواع العلوم وأصنافها، وما يبحث فيه عنها، ومنافعها ومراتبها وما يتعلق بذلك من الفوائد المهمة، وقد بلغت جملة ما فيه من العلوم ستين علماً، وذكر في خاتمة كل علم، أنفس ما ألف فيه من الكتب وجعلها على ثلاثة أنواع: مختصرة، متوسطة، ومبسوطة.
وقدم المؤلف لكتابه بمقدمة مطولة، تكلم فيها عن شرف العلم والعلماء وتأثير العلوم وشروط التعليم والتعلّم، ثم انتقل إلى الكلام عن العلوم العربية والإسلامية، وما ألف فيها، فكان أول كتاب ينظم هذه العلوم تنظيماً جيداً، ويرتبها ترتيباً واعياً سديداً. لم يسبقه أحد إلى ذلك في حين أن كل من جاء بعد «ابن الأكفاني» كان عالة على كتابه هذا.
والعلم عنده ـ كما هو عند المفكرين العرب المسلمين ـ لا يتعلم لذاته، بل لخدمة الإنسان في تحقيق معنى وجوده الإنساني، وفي سعيه نحو الكمال، وهو مؤسسة معرفية تسعى إلى تقديم أفضل الأفكار والخبرات الثقافية المختلفة إلى الإنسان لتساعده على تحقيق إنسانيته وهذه الإنسانية يرتكز مفهومها عند المؤلف على المعرفة، فالإنسان إنسان «بالقوة ما لم يعلم ولا يجهل جهلاً مركباً، فإذا علم العلم صار إنساناً بالفعل عازفاً بربه، مستحقاً لجواره وقربه، وإذا جهل جهلاً مركباً صار حيواناً ما، بل الحيوان خير منه».
ومن هنا لم يكن ترتيب العلوم عند «ابن الأكفاني» مصادفة، بل كان ينطلق من تلك النظرية الشاملة التي تركز على معنى الوجود الإنساني من خلال الرؤية الإسلامية، وكل العلوم تدور في فلك هذا المحور وتسعى إلى خدمته، ليكون ما في الوجود خاضعاً للعقل الإنساني ووسيلة تمكن الإنسان من تحقيق جوهره.
وهكذا بني الكتاب على فصول كثيرة بدأها في: القول في شرف العلم والعلماء، ثم القول في التعليم والتعلم وشروطها، القول في حصر العلوم، القول في علم الأدب، إلى أن يصل إلى القول في العلم الطبيعي ـ علم الطب ـ علم الفراسة ـ علم السحر... علم المرايا المحرية ـ علم مراكز الأثقال ـ ثم القول في علم الموسيقا. القول في علم السياسة، ويختم كتابه بالقول في تدبير المنزل.
فمما أورده في: القول في شرف العلم والعلماء: عن علي كرم الله وجهه: العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تغنيه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق..، ومن كلام أفلاطون: اطلب العلم تعظّمك الخاصة، واطلب المال تعظّمك العامة، واطلب الزهد يعظّمك الجميع.
ثم يعقب بقوله: واعلم أنه تبيّن في علم الأخلاق أن الفضائل الإنسانية، التي هي الأمهات أربع: العلم، والشجاعة والعفة والعدل. وما عدا هذه فهي فروع عليها وترتد إليها، فالعلم فضيلة النفس الناطقة، والشجاعة فضيلة التقسيط، وهو عام في الجميع.
أما في: القول في الأدب، فإنه يبدأ: هو علم يُتعرّف منه التفاهم عمّا في الضمائر بأدلة الألفاظ والكتابة، وموضوعه: اللفظ والخط من جهة ودلالتهما على المعاني، ومنفعته إظهار ما في نفس إنسان ما من المعاني، وإيصاله إلى شخص آخر من النوع الإنساني، حاضراً أو غائباً، وهو حلية اللسان والبنان، وبه تميّز ظاهر الإنسان على سائر أنواع الحيوان. في هذا الكتاب يكتشف القارئ الدقة والمعرفة التي تميز بها العلماء العرب.