تراجعت الثقة بالمثقف، فهو سلبي، مختف، متراجع، لا رأي له في قضية، ولا صوت له في محفل، ركن إلى وحدته وصمته، ولكأنه لا يعيش عصره، أو لعله أصبح عالة على الحياة. عبر مراحل التاريخ كان المثقف صوتاً إلى جانب الحقيقة شاهداً ونصيراً، فاعلاً ومنفعلاً، يقف في صف الناس متحدثا، رائيا، مستقبليا، له تأثير في الواقع، منخرط في لعبة الحياة حتى النهاية، ولم يكن يرى دوره خارج الواقع، لذلك كان حاضرا حضورا قويا.

غاب دور المثقف هذه الأيام، وتركت الساحة لمتسكعي المقاهي، وكتبة الخواطر، ومحبي الظهور على المنابر، وطابعي كتب الهلوسات، الذين لديهم رأي في كل قضية، لا يوفرون محطة فضائية إلا ويلعلعون فيها حتى مطلع الفجر، لا يدعمون رأيهم بحجة أو يستحضرون مثالا، أو شطرا من بيت شعر، فقط يخبطون الطاولة في وجه محدثهم حتى يوهمونه بقوة منطقهم المدعوم بغضبهم أو المغلف بجهلهم، حكاؤون من زمن ألف ليلة وليلة أخذوا أماكن غيرهم وأصبحوا عباقرة زمنهم.

ليسوا بدلاء لأحد، إنهم أمر واقع، حيث يغيب المثقف الحقيقي يظهر هؤلاء ،وغياب المثقف أو انسحابه من الحياة العامة يفضي إلى حالة الفوضى التي نراها حولنا، إذاً لماذا غاب المثقف، أو لماذا تراجع دوره، وليكن السؤال أكثر عقلانية، من أبعده أو من أقصاه؟

ثقافة الخوف أقصت المثقف، وأبعدت العارفين عن الساحة، وإيثار السلامة، أهم من رأي لا يؤخذ به، ومع انتشار رعب الرأي الآخر لن يتحول المثقف الحقيقي إلى شخصية انتحارية مصيرها النفي أو السجن، وكان طبيعيا أن يركن المثقف إلى وحدته ويأسه ويتوقف عن دوره كمثقف تنوير متنازلا لصالح مثقف التبرير الذي يلعلع على المحطات الفضائية مبررا لسلطته ما تفعله ومحللا عمق نظرتها الوطنية والاجتماعية والاقتصادية.

المثقف الحقيقي، شخصية ناقدة، لديه وعي لحال أمته، ودوره الصحيح في الإشارة إلى مكامن الخطر أو إلى مواجع الجرح، فهو ابن رؤية تنويرية، مستقبلية، أمين على الحقيقة غير مفرط بها، يدافع عن وجهات نظر صحيحة، جاد في طرحه، يختار القضايا الهامة للحديث عنها، لا ينشغل بفتوى «اللحم المكشوف» عند مفتي استراليا.

ولا بفتوى إرضاع الكبير لشيخ أزهري، أو بذبذبات قاتلة يطلقها الهاتف المحمول في اليمن، لأن مجتمعا يفكر بهذه الطريقة يحتاج إلى جيش من المثقفين لإنارة طريقه وإفهامه الكثير من الحقائق والمسلمات وتخليص عقله من ظلاميات القرون الوسطى، وبغير ذلك سيكون لمثقف التبرير الدور الأبرز في إقرار فتاوى الفضائيات وسجن المفكرين ومباركة خطوات الإصلاح السلطوي التي تصب في خانة فئة جاهلة حجبت الحقيقة عن الناس.

hussain@albayan.ae