مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الأميركي ستيفن ف. هايس الكاتب المعروف في مجلة ويكلي ستاندارد. وهي مجلة مقربة من خط المحافظين الأميركيين. وكان قد اشتغل سابقا كمدير عام لمعهد الصحافة السياسية في جامعة جورج تاون.
وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف قصة حياة ديك تشيني الرجل النافذ في إدارة بوش. ومعلوم تاريخيا أن دور نائب الرئيس في أميركا شكلاني محض. ولكنه في حالة ديك تشيني اتخذ أهمية خاصة نظرا لقوة شخصية الرجل وعلاقاته المتشعبة مع الأوساط المحافظة في الحزب الجمهوري والولايات المتحدة ككل.
ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: لقد ولد ديك تشيني في الثلاثين من يناير عام 1941، وهو رجل أعمال ورجل سياسة في آن معا. ولا يزال يحتل منصب نائب الرئيس إلى جانب الرئيس بوش منذ عام 2001. وقد نال شهادة الماجستير في العلوم السياسية عام 1966، ثم دخل معترك السياسة لأول مرة عام 1969 في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون، وبالتالي فقد انخرط في مجال السياسة مبكرا وعمره لا يتجاوز الثامنة والعشرين.
وفي ظل رئاسة جيرالد فورد أصبح تشيني السكرتير العام للرئاسة، وكان عرّابه آنذاك وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. فهو الذي أدخله إلى البيت الأبيض ودعمه وأوصى به. وما كان يعرف أنه سيلتقي به مرة ثانية بعد ربع قرن أو أكثر عندما أصبح تشيني نائبا للرئيس ورامسفيلد وزيرا للدفاع للمرة الثانية.
ومعلوم أن الاتجاه المحافظ والمتصلب لتشيني ورامسفيلد كان واضحا منذ البداية. فقد عارضا السياسة الدبلوماسية لهنري كيسنجر التي بدت لهما شديدة التسامح والمجاملة مع الاتحاد السوفييتي أو إمبراطورية الشر كما كانوا يدعونها. وبالتالي فهما من أتباع الخط المتشدد سياسيا حتى قبل أن يلتقيا بجورج دبليو بوش.
ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1976 قاد ديك تشيني الحملة الانتخابية الرئاسية لجيرالد فورد بالتعاون مع جيمس بيكر، ولكنهما فشلا وانتخب الشعب الأميركي جيمي كارتر. ثم انتخب تشيني لأول مرة كعضو في مجلس الشيوخ عام 1978. وقد ظل محافظا على مقعده حتى عام 1989. وقد عابوا عليه طيلة تلك الفترة أنه كان يدافع عن مواقف متطرفة ومحافظة ويمينية جدا.
فقد رفض مثلا التصويت على قرار مجلس الشيوخ القاضي باعتبار الزعيم الأسود مارتن لوثر كينغ شخصية قومية وتكريس يوم ولادته كيوم عطلة تكريما لذكراه. وهذا يعني أن تشيني يحمل في أعماقه بذور عنصرية واستعلائية يتميز بها البيض ضد السود في الولايات المتحدة. وهذه قصة طويلة تضرب في أعماق التاريخ الأميركي.
وعابوا عليه أيضا آنذاك أنه رفض مقترحا لفرض عقوبات اقتصادية على النظام العنصري في جنوب إفريقيا، كما وعابوا عليه أنه وصف نيلسون مانديلا بالإرهابي، وبالتالي فالرجل أبعد ما يكون عن المواقف الليبرالية أو الإنسانية. وعلى الصعيد الاقتصادي كشف الرجل عن رأسماليته الشرهة عندما راح يدافع بشراسة عن المصالح البترولية لكبار رجال الأعمال والشركات.
ثم أصبح ديك تشيني عام 1989 وزيرا للدفاع في حكومة الرئيس بوش الأب. واشتهر عندئذ بقيادته لحرب عاصفة الصحراء من أجل تحرير الكويت من جيوش صدام حسين. وقد تلقى كجائزة على أعماله الميدالية الرئاسية لأنه ساهم في الدفاع عن أميركا في أوقات عصيبة.
ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1993 وبعد فشل بوش الأب في الانتخابات الرئاسية ونجاح كلينتون ترك تشيني الرئاسة والتحق بمركز بحوث يعبر عن أفكار المحافظين الجدد يدعى: معهد المبادرة الأميركية. وبعد انتصار بوش على آل غور المريب في انتخابات عام 2000 أصبح تشيني أقوى نائب رئيس في تاريخ أميركا، وراح يقود خطى بوش الغرّ وغير المجرب في مجال السياسة، راح يعلمه أسرار السياسة الداخلية والخارجية.
بل وراح بعضهم يقول ان الرئيس الحقيقي هو تشيني وليس بوش، على الأقل في المرحلة الأولى من العهد الرئاسي لهذا الأخير.ثم يردف المؤلف قائلا: البعض يقول انه هو الذي دفع بوش لغزو العراق بسبب آرائه المحافظة والمتطرفة، وهو الذي أشاع الكذبة القائلة ان صدام حسين يمتلك أسلحة الدمار الشامل.
كما وأشاع الكذبة الأخرى القائلة بوجود علاقات سرية بين صدام والقاعدة. أو قل إنه دعم كلتا الكذبتين، وبالتالي فهو من صقور واشنطن دون شك، بل ربما كان أول الصقور. وعاب عليه خصومه انتهاكه للقانون في مجال آخر هو مجال الربح المادي والأعمال. فمعلوم أنه كان رئيسا لشركة هاليبيرتون الشهيرة قبل أن يصبح نائبا للرئيس.
وبعد أن أصبح نائبا له يبدو أنه استغل منصبه لتفضيل الشركة على غيرها وإعطائها عقودا ضخمة في العراق تصل إلى سبعة مليارات دولار! ومعلوم أنه تلقى منها أسهما تصل قيمتها إلى ثلاثة وأربعين مليون دولار. وبالتالي فجيبته الشخصية مليئة مثل رئيسه بوش. والرجل لا يخشى على تقاعده كثيرا، فالملايين العديدة متراكمة فوق بعضها البعض وتنتظره في البنوك.
ولكن التحقيقات التي جرت بشأنه لم تثبت صحة هذه الاتهامات إلا فيما يخص وثيقة واحدة صادرة عن البنتاغون الذي كان يترأسه صديقه وعرابه في مجال السياسة، دونالد رامسفيلد. ينبغي العلم بأن ديك تشيني كان صديقا لأحد كبار منظّري المحافظين الجدد، بول وولفويتز نائب وزير الدفاع. وقد تأثر بأفكاره القائلة ان على الولايات المتحدة أن تفرض رأيها على العالم لأنها الأقوى ولأنها تمثل قيم الحرية والديمقراطية.
وبالتالي ينبغي أن تتخلى عن سياستها الحذرة أو الواقعية على طريقة كيسنجر وأن تتبنى سياسة هجومية هادفة إلى منع ظهور أي قوة منافسة لها على وجه الأرض. والطريقة الوحيدة لإخافة كل القوى الكبرى الأخرى هي في دعم الجيش الأميركي لكي يظل أقوى جيش في العالم. فالناس لا يفهمون إلا لغة القوة ولا يحترمون إلا القوي.
هذه هي بعض الأفكار الأساسية التي تبناها ديك تشيني وجعلته المنفذ الأساسي لسياسة المحافظين الجدد بالإضافة إلى رامسفيلد. ومعلوم أن أول بلورة لعقيدة هؤلاء المحافظين الصقور كانت قد تمت عام 1992 من قبل زلماي خليل زاده السفير اللاحق لأميركا في العراق وذلك تحت إشراف وولفويتز وقيادة تشيني الذي أمر ببلورتها. ولهذا السبب فإن الكثيرين يعتبرونه قائد المحافظين الجدد.
نقول ذلك وبخاصة أنه ليس يهوديا على عكس ولفويتز ومعظم أعضائهم الآخرين. وهذا يعطيه موقع قوة لأنه ينتمي إلى الأغلبية البروتستانتية البيضاء التي تحكم أميركا تاريخيا، تماما مثل بوش، أو كلينتون، أو كارتر، أو ريغان، الخ. ما عدا كيندي الكاثوليكي الأقلوي من هذه الناحية. ولكن ذلك لم يمنعه من أن يكون رئيسا كبيرا لأميركا.
ثم يردف المؤلف قائلا: في عام 2005 اندلعت فضيحة الجاسوسة فاليري بليم، العميلة السرية للمخابرات المركزية الأميركية. واتهم ديك تشيني بأنه وراء الفضيحة. وملخص القصة هو أن أحد الصحافيين في جريدة نيويورك تايمز اتهم تشيني بأنه كشف لمساعده ورئيس مكتبه لويس ليبي عن اسم هذه الجاسوسة التي أصبحت شهيرة بين عشية وضحاها.
ومعلوم أن القانون الفيدرالي الأميركي يعتبر الكشف عن اسم أي عميل من عملاء المخابرات المركزية بمثابة جريمة لأنه يعرض حياة العميل للخطر. ولكن ليبي دافع عن معلمه وقال انه لم يسمع باسمها إلا من خلال بعض الصحافيين.
مهما يكن من أمر فإن هذه القصة كشفت عن مدى الحقد القائم بين نائب الرئيس وبين المخابرات المركزية. والواقع أنه كان دائما يتهمها بالعجز والتقصير في أداء عملها. فهي في رأيه مذنبة لأنها لم تستطع أن تتنبأ بسقوط الاتحاد السوفييتي، ولا بغزو الكويت من قبل صدام، ولا بتحضيرات القاعدة لضربة 11 سبتمبر التي هزت أميركا في أعماقها هزا.
ولكن على الرغم من ذلك فقد انتهت الفضيحة بإدانة مساعده لويس ليبي لأنه كشف عن اسم هذه الجاسوسة التي شغلت وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة: فاليري بليم. أما نائب الرئيس فلم يتجرأ على الاقتراب منه. وعلى هذا النحو ضحوا بالنائب ككبش فداء له.
*الكتاب: تشيني بورتريه كاشفة عن أقوى نائب رئيس أميركي
*الناشر: هاربر كولينز ـ لندن 2007
*الصفحات: 224 صفحة من القطع المتوسط
Cheney: a revealing portrait of america's most powerful vice president
Harper Collins- london 2007
p.224