لوران كوهن ـ تانوجي، خريج جامعة هارفارد، مختص بالشؤون الأوروبية والأطلسية، وعضو في العديد من نوادي البحث العالمية في ميدان العلاقات الدولية. يقوم منذ حوالي عشرين سنة بالمساهمة في دراسات اقتصادية ـ سياسية حول العالم المعاصر.

سبق لمؤلف هذا العمل أن قدّم العديد من الكتب منها: «القانون دون الدولة، دراسة حول الديمقراطية في فرنسا وأميركا» و«انبعاث الديمقراطية»، و«أوروبا في خطر»، والنظام الرقمي الجديد و«عودة الصدمة»، الغرب في فترة ما بعد الحرب الباردة».

كما صدر له كتاب باللغة الانجليزية عن جامعة جون هوبكنز تحت عنوان: «تحالف في خطر: الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بعد 11 سبتمبر». «حرب أو سلام» كتاب عن حالة العالم بعد عقدين تقريباً من نهاية الحرب الباردة، ومع انهيار جدار برلين في شهر نوفمبر من عام 1989 بدا أن الديمقراطية واقتصاد السوق قد حققا انتصاراً حاسماً ونهائياً على كل المنظومات الأخرى، بل وتحدث بعضهم وعلى رأسهم المفكر الأميركي ذو الأصل الياباني فرنسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ».

لكن مؤلف هذا الكتاب يؤكد أن واقع العالم المعاصر القائم يكذب ذلك تماماً إذ أنه يتسم بصعود قوي لقوة الصين والهند وروسيا وحركات الإسلام السياسي الراديكالية المناهضة للغرب وتنامي تهديدات انتشار أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها السلاح النووي، هذا بالإضافة إلى تهديدات أخرى يواجهها العالم.

وبالتوازي مع هذا كله يعلن المؤلف، انطلاقاً من فشل المغامرة الأميركية في العراق، وحالة التلكؤ التي تعرفها «أوروبا السياسية»، نهاية ما يسميه بـ «الحقبة الأطلسية» التي اتسمت بالهيمنة المزدوجة الأميركية ـ الأوروبية على المنظومة الدولية. لقد انتهت «زعامة» هذا الثنائي لتصبح العولمة هي «المحرك الرئيسي» لتسيير شؤون العالم.

لكن هذه العولمة سرعان ما أنتجت بدورها الكثير من «التوترات» التي تجتاح هذا العالم منذ منعطف القرن الحادي والعشرين، وذلك مع بروز استراتيجيات القوة والمنافسة على الطاقة واستيقاظ النزعات القومية والمشاعر المتعلقة بتأكيد الهوية والإرهاب والحروب، خاصة تلك التي أشعلتها الولايات المتحدة الأميركية في العراق ولا تزال نيرانها متوقدة.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين خمسة فصول رئيسية تحمل العناوين التالية: «الوجه الجديد للعولمة» و«نهاية الحقبة الأطلسية» و«جيوسياسة العولمة» و«الغرب أمام الامتحان» و«أسلحة السلام»، هذا بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

يبدأ المؤلف تحليلاته بالتأكيد على «عودة التاريخ» وليس «نهايته»، إذ يرى أن القرن الحادي والعشرين «افتتح مسيرته بخبرين أحدهما جيد والآخر سيئ». أما «الخبر الجيد» فهو استئناف الازدهار الاقتصادي الذي طال انتظاره بمجموعة من البلدان المسماة «صاعدة» مثل الصين والهند والبرازيل وغيرها. وهذا يسمح بخروج مئات الملايين من البشر من حالة الفقر «المزمن» الذي عاشته. أما «الخبر السيئ» فهو بروز مخاطر مواجهات ما سمي بـ «صدام الحضارات».

ويعتبر المؤلف أن بداية هذه التوجهات ظهرت منذ نهاية عقد السبعينات الماضي، مع «تحوّل الصين نحو الحداثة» و«الثورة الإسلامية في إيران». فانطلاقاً منذئذ «اندفعت إلى مقدمة المسرح الدولي، إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا والدول الصناعية الأخرى، قوى جديدة كبرى ليست غربية». ذلك للمرة الأولى منذ منتصف القرن التاسع عشر. وبهذا المعنى يتم اعتبار المعطيات الجديدة مثل «قطيعة تاريخية».

ويحدد المؤلف القول ان هذه «القطيعة» تعيد العالم إلى بدايات القرن التاسع عشر، وهو يقدم عدة إحصائيات للتدليل على ذلك. نقرأ: «في عام 1820، في فجر الثورة الصناعية، كانت الصين تمثل حوالي 30 بالمئة من الاقتصاد العالمي والهند حوالي 15 بالمئة مقابل حوالي 23 لأوروبا وأقل من 2 بالمئة فقط بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.

لكن في منتصف القرن العشرين لم يكن العملاقان الآسيويان، أي الصين والهند، يمثلان سوى 7,8 بالمئة من الاقتصاد العالمي مقابل 3,27 بالمئة لأميركا و3,26 لأوروبا». كذلك يحدد المؤلف أن «الإدراك الكوني» الأول لعملية التبدّل التي شهدها العالم كان في الولايات المتحدة الأميركية مع تفجيرات 11 سبتمبر 2001 التي نقلتها شاشات التلفزة في مختلف أصقاع الأرض.

ويشير إلى أنه بعد خمس سنوات من ذلك «العمل الحربي» الذي لا سابق له على الأرض الأميركية، لا تزال الحركات المتطرفة التي كانت وراءه هي مصدر التهديد الأكبر بالنسبة لأميركا الغرب الذي بدا أنه لم يعد بوسعه «أن يعزل نفسه» عن الصراعات القائمة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

ويشير المؤلف إلى أنه في الوقت الذي كرّست فيه أميركا في فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001 ومعها قسم كبير من العالم، الجهود من أجل محاربة الإرهاب، برزت ظاهرة من طبيعة أخرى ومن مدى آخر تمثلت في «إعادة صياغة التراتيبات الاقتصادية الدولية لصالح الصين والهند والبلدان الصاعدة الأخرى».

وكان لهذا تأثيره المباشر على العولمة، لاسيما مع إيقاع معدل نمو اقتصادي سنوي منذ حوالي عشرين سنة يقارب 10 بالمئة بالنسبة للصين و6 بالمئة بالنسبة للهند. والسمة الرئيسية التي يحددها المؤلف للتوجه الصيني الحالي تكمن في «الاستثمارات الكبيرة ونسج علاقات اقتصادية وسياسية في مختلف أصقاع الأرض.

خاصة مع البلدان الغنية بالطاقة والمواد الأولية في إفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والتي كانت حتى الآن حصراً على أوروبا والولايات المتحدة». وفي محصلة هذه التوجهات الجديدة غدت العولمة «أسيرة حالة من التوتر».

ويصل المؤلف في نتيجة تحليله لآليات عمل العولمة إلى القول ان آثارها الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية ليست من طبيعة تتطلب كبح مسارها «إلا في حالة وقوع حرب كبرى» أو «إيجاد حجج أفضل لمقاومتها». لكنه يؤكد أنه يمكن للمرحلة المقبلة أن تفرض مستلزمات أمنية أو غيرها و«درجة أعلى من الحذر» لاسيما في ظل «الانحدار النسبي» للزعامة الديمقراطية الغربية في عالم القرن الحادي والعشرين».

وتحت عنوان «نهاية الحقبة الأطلسية» يشير المؤلف أولاً إلى الفكرة التي شاعت كثيراً حول «نهاية الغرب». وذلك إثر التباين الكبير بين القطبين الغربيين الأساسيين، الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، حول التدخل الأميركي في العراق 2002 ـ 2003.

وتؤكد هذه الفكرة على وجود «تباين» بل «طلاق» وليس على صعيد المصالح فقط وإنما أيضاً على صعيد «القيم» وبالتالي «تفجّر الغرب كواقع سياسي، بل وحتى كمفهوم حضاري». هذا يعني أيضاً «انحسار» نفوذ الغرب في العالم، وبنفس الوقت تزيد الهجرات «الضاغطة» من بلدان الشرق والجنوب نحو أوروبا والولايات المتحدة من «وزن» القوى الصاعدة في قلب العالم الغربي ذاته.

ويصل المؤلف إلى القول ان «المغامرة العراقية» كان لها أثر سيئ كبير على صورة القوة الأميركية في العالم، وبالتالي قرّبت من لحظة «غسق»، أي ما قبل غياب، السلام الأميركي الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة. ويؤكد أنه، وفيما هو أبعد من تضاؤل النفوذ الأطلسي (الأميركي ـ الأوروبي) على الساحة السياسية الدولية، هناك أيضاً «انحسار ديمقراطي».

ذلك أن إدارة جورج دبليو بوش مارست «الزعامة» أساساً في مجالين هما «محاربة الإرهاب» و«تشجيع الديمقراطية». لكن سرعان ما «تلطّخت» هذه الزعامة بما عرفته حرب العراق من مبررات «كاذبة» وبما جرى في سجن أبوغريب من «فضائح» وأيضاً ما عرفه، ويعرفه، معتقل غوانتانامو. كذلك لا يمكن للازدهار الاقتصادي في آسيا إلا أن يقلل من النفوذ «التقليدي» للغرب.

ويؤكد المؤلف أيضاً أن المستجدات على الصعيد العالمي وفي مقدمتها استيقاظ الحركات المتطرفة وبروز قوى اقتصادية جديدة ذات بعد عالمي والتضاؤل النسبي لنفوذ الغرب ستؤدي إلى تغيرات في «جيوسياسية ـ جيوبوليتيكية ـ العولمة» في القرن الحادي والعشرين.

وتتم الإشارة هنا إلى فترة« تشوش المرجعيات الجيوسياسية خلال العقد الذي تلا سقوط جدار برلين حيث برزت آنذاك «الشراكة الاستراتيجية» الأميركية ـ الروسية في فترة رئاسة بوريس يلتسين. لكن مثل تلك «الشراكة» انتهت لتحل محلها علاقات «تنافسية» تذكّر أحياناً بفترة الحرب الباردة. ويحدد المؤلف ثلاثة «عناصر» جوهرية ستعيد صياغة «جيوسياسية العولمة» خلال القرن الحادي والعشرين وهي: «التهديد الإيراني» و«عودة القوة الروسية» و«المجهول الصيني».

وفي المحصلة يبدو الغرب اليوم «أمام الامتحان» ويرى المؤلف أن «النتيجة» ترتبط بمعرفة إذا كانت العقبات التي يواجهها اليوم هي من طبيعة «مؤقتة» أو «دائمة». وأعمق من هذا معرفة إذا كانت «العلاقة الأطلسية» هي الخيار الأفضل، أو ربما الوحيد، بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا في عالم القرن الحادي والعشرين؟ وعلى ضوء الإجابة عن هذه التساؤلات يتحدد «اللقاء» من جديد أو إن حرب العراق كانت «منعطفاً استراتيجياً» نحو توجهات أميركية وأوروبية جديدة.

وفي محصلة التحليل، واعتماداً على «تصاعد الأخطار» وأفق «عدم الاستقرار» يحدد المؤلف «ثلاث ورشات» ستنبغي معالجتها خلال العقدين المقبلين، الأولى تخص صياغة «منظومة دولية تأخذ باعتبارها المستجدات الجديدة للعولمة وتعاظم الأخطار»، وتخص الثانية «دمج العالم العربي ـ الإسلامي في الحداثة الاقتصادية والسياسية، أي في العولمة والإطار الديمقراطي».

أما الورشة الثالثة فتخص «المحافظة على الممتلكات العالمية العامة ـ حماية البيئة ـ وإنقاذ المنطقة الإفريقية جنوب الصحراء».هذه الورشات الثلاث يرى بها المؤلف «أسلحة السلام» وهي تتطلب برأيه البحث عن «ميثاق أطلسي جديد».

*الكتاب:حرب أو سلام

*الناشر: غراسيه ـ باريس 2007

*الصفحات: 232 صفحة من القطع المتوسط

Guerre ou paix, essai sur le monde de demain

Grasset- Paris 2007

p.232