دانييل لاكوت، صحافي وكاتب فرنسي، قدّم أكثر من عشرة كتب من بينها «الكلمات الشهيرة في التاريخ» و«الحكايا والأساطير في مناطق فرنسا» و«حكايا وأساطير بحار العالم» و«أشكال الخوف والمعتقدات والخرافات»، الخ. في هذا الكتاب الجديد يسعى المؤلف إلى تحقيق نفس الهدف الذي يشكل محور اهتمامه، أي دفع القارئ إلى «التعلم والفهم»، كما يقول في مقدمته.
وذلك عبر طرحه العديد من الأسئلة «البسيطة» في شتى ميادين الحياة والمعرفة كي يثبت أن الإجابة، أو الإجابات، الشائعة الصحيحة حيالها نادرة جدا. تجدر الإشارة إلى أن المؤلف كان قد أصدر في عام 2004 كتابا تحت نفس العنوان، وإنما حول مواضيع أخرى وأسئلة «بسيطة» أخرى وإجاباتها «المشوشة».
الأسئلة المطروحة في هذا العمل هي من نوع: كم هو عدد اللغات التي يتحدثها البشر في العالم؟ وما هو أصل إشارة ـ المستخدمة في شبكة الانترنت؟ لماذا يشغل الماء حيّزا أكبر عندما يتجمّد؟ وهل هناك سر يخص مثلّث برمودا؟ ما هي المسافات التي يتم قياسها بالسنوات الضوئية؟ ماذا تعني كلمة «بكسل» التي تحملها آلات التصوير الرقمية؟
لماذا يدل الهرّ الأسود على الشؤم في بعض الحضارات؟ وأسئلة كثيرة أخرى من نفس النوع تبدو «بسيطة»، و«طريفة» أحيانا، ولكن الإجابات عليها تدلّ بوضوح على مدى الجهل الكبير بأصولها ومدلولاتها ومدى اختلاط الأسطورة والخرافة في أذهان البشر حيالها مع واقع تكوّنها التاريخي والعلمي.
ومن خلال الضوء الذي يحاول مؤلف هذا الكتاب أن يلقيه على العديد من مظاهر المعرفة في إجاباته يحدد هدفه «غير المعلن» والمتمثل في الدعوة للحذر من الأفكار الشائعة والإشاعات المتجذرة على أساس أنها «حقائق» بينما هي لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة.
يوزّع المؤلف الأسئلة المطروحة بين ثلاثة محاور رئيسية تخص «الحياة اليومية» ثم «المجال الجغرافي والفضاء» وأخيراً «العلوم». وهذه المحاور مسبوقة بمقدمة طويلة يؤكد المؤلف فيها أنه «في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين لا يزال السحرة والمشعوذون من كل نوع يتكاثرون بعيدا عن أي عقاب.
إن هؤلاء الدجّالين يستغلّون الآخرين ويتقاضون ثمنا غاليا منهم بسبب جهلهم». ويشير المؤلف في نفس السياق إلى أن هؤلاء يغلفون نشاطاتهم في أحيان كثيرة باسم «علم مزعوم» ولكنه لا يمتّ إلى العلم بأية صلة. لذلك يؤكد المؤلف على ضرورة مجابهة مثل هذه الظواهر الخطيرة التي تنتشر وتتعاظم في البلدان الصناعية نفسها وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية ومختلف البلدان الأوروبية.
يقول: «في مواجهة مثل هذه الاستقالة للعقل، ينبغي على الباحثين الأصيلين، في مختلف المشارب والميادين، أن يعبئوا جهودهم بسرعة إذا أرادوا تجنيب أجيالهم القادمة مغبّة أن يصبحوا من جديد ذات يوم مشبوهين خطيرين يستحقون أن يلقوهم في النار».
فما هو أصل إشارة ـ التي ترمز للحداثة والعولمة وثورة الاتصالات؟ إنها لا بد منها في كتابة العناوين «الإلكترونية» وهي ترافق إذن مليارات «الرسائل» التي تنتقل كل يوم بين أرجاء المعمورة كلها. ثم إن الجميع يستخدمون هذه الإشارة بصورة آلية دون إعطاء أي اهتمام للنقاش الكبير الذي تثيره لدى أوساط المختصّين بعلوم الألسنيات.
الفرضية الأولى التي يضعها المؤلف تقودنا إلى العصور الوسطى حيث كان بعض الرهبان يستخدمون «ادغام» حرفين متتالين في «حرف» واحد تسهيلا وتسريعا لكتابة المخطوطات. هكذا جرى دغم «ربط» حرفي كلمة فل التي تعني في اللاتينية «إلى» أو «نحو» فجرت ولادة .
لكن هذه الفرضية لا تصمد أمام عدم اكتشاف أثر للحرف «المدغم» في مخطوطات الرهبان خلال العصر الوسيط. وإذن فرضية ثانية تعيدنا إلى النصف الثاني من القرن الخامس عشر أي إلى فترة اختراع وازدهار المطبعة. هنا أيضا لا يوجد في الأناجيل التي طبعها غوتنبرغ ـ مخترع المطبعة ـ أي أثر لإشارة ـ. بالمقابل تمّ العثور على أثر لها في كتابات تجّار البندقية في القرن السادس عشر، ولكنها كانت تدل آنذاك على وحدة قياسية.
مفهوم القياس هنا يقود نحو مجال ثالث للبحث، ولكن هذه المرة في اسبانيا في القرن السادس عشر. ففي ذلك الوقت كان يتم هناك استخدام وحدة للوزن اسمها «ارّوبا»، والتي قد تمثل، حسب المؤلف، تحريفا لكلمة «الربع» العربية.
وإذا كان قد توقف العمل في وحدة الوزن «ارّوبا» في نهاية القرن التاسع عشر، فإن عددا من الموسوعات في بداية القرن العشرين أشارت إلى كلمة «أرّوبا» التي كانت تدلّ على وزن 780,12 كيلوغراما ويُرمز لها بإشارة ـ. تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الإشارة ـ تعني «اروباز» في اللغة الفرنسية وأصبحت عالمية الاستخدام.
لكن ينبغي الالتفات أيضا نحو الولايات المتحدة الأميركية حيث ظهرت إشارة ـ في التعبيرات التجارية خلال القرن التاسع عشر. وكان يمكن عندها قراءة جمل مثل «قميصان ـ 52 دولارا»، أي ب25 دولارا. وكان استخدام الإشارة منتشرا إلى حد أنها أخذت مكانها بين حروف الطباعة على الآلات الكاتبة في نهاية القرن 19
. ثم أخذت مكانها على لوحة حروف الحواسيب الإلكترونية الأولى حوالي عام 1950. وأخذت دلالة جديدة عام 1972، أي عام بدء التعامل بالرسائل الإلكترونية ـ الايميل ـ وبمعنى «إلى»، «نحو«وبلفظ «أت ـ فُّ» بالمعنى الانجليزي ذي الأصل اللاتيني فل.
بكل الحالات أصبحت الإشارة ـ مستخدمة في العالم أجمع وإنما بأسماء مختلفة جدا مثل «كلامراف» في ألمانيا، أي ذنب القرد و«ابستارت» في هولندا، ويفضل السويديون استخدام لفظة «كانل بول»، أي «عصا القرفة» والدانماركيون «سنابل ف» أي «ف على شاكلة خيشوم الفيل»، وتبنّى الهنغاريون ـ المجريون ـ تعبير «كوكاك» أي «دودة الأرض» واختار الإيطاليون «شيوشيولا» أي الحلزون.
وبنفس الطريقة في التحليل يناقش المؤلف مسائل «شائعة» أخرى محاطة بالمغالطات أو التساؤلات مثل «العلاقة بين حدوة الحصان والسعادة» ولماذا أطلقوا على لباس السباحة النسائي ـ المايوه، من قطعتين تسمية بكيني؟ و«متى ظهرت الإشارات الضوئية الأولى على الطرق»؟
و«ما هو سر تسمية مقر إقامة الرئيس الأميركي بالبيت الأبيض»؟ و«لماذا جرى اختيار اللون الأصفر لسيارات الأجرة ـ التاكسي ـ في أميركا»؟ و«كيف وُلدت شخصية دراكولا، مصاص الدماء»؟ و«من كان أول مراسل حربي في التاريخ»؟ وعدد آخر من المواضيع المدرجة تحت عنوان «الحياة اليومية».
أما في ميدان «المجال الجغرافي والفضاء» فالأسئلة المطروحة تتعلق بنسبة كبيرة منها في الأجرام والكواكب والأفكار السائدة حولها مثل «ما هي المكوّنات الأساسية للكون» و«ماذا يعني تعبير الكتلة المخفية للعالم؟» و«ما هو الثقب الأسود»؟ و«النجم المذنّب»؟ و«سرعة دوران الأرض حول الشمس»؟
و«كم عدد الأقمار الطبيعية الدوّارة في المنظومة الشمسية»؟ الخ. وحول معرفة «ما يتم قياسه بالسنوات الضوئية؟» يشير المؤلف إلى أن «الوحدة الفلكية» لم تعد كافية لقياس المسافات الهائلة التي تفصلنا عن الأجرام السماوية الدوّارة في إطار المنظومة الشمسية. لذلك أصبح من المطلوب «قياس الفضاء» بالسنوات الضوئية. والسنة الضوئية تتناظر مع المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة.
وإذا تذكّرنا أن الضوء «يسير» بسرعة 000 300 كيلو متر في الثانية، فإنه يغدو من الصعب تصور العملية الحسابية المطلوبة لحساب المسافة المقطوعة خلال سنة ضوئية، إذ على أساس أن الضوء يقطع مسافة 000 300 كيلومتر في الثانية، ينبغي القيام بعملية ضرب ب60 لمعرفة ما يقطعه في دقيقة ثم ب60 أخرى بالنسبة لساعة ثم ب24 لكل يوم وأخيرا ب365 للسنة.
محصلة عمليات الضرب هذه تؤدي إلى رقم يقارب ال000 10 مليار كيلومتر لكل سنة ضوئية. الحقيقة الوحيدة المحسوبة بدقة في الأرقام السابقة تخص تحديدا سرعة الضوء في الثانية والتي تبلغ 458, 299792 كيلومتر. وفي المحور ـ القسم الأخير من الكتاب المكرّس للعلوم يطرح المؤلف تساؤلات حول «كيفيّة تشكل القارات»؟
و«كيف يمكن لسفينة مصنوعة من المعدن أن تطفو على سطح الماء»؟ و«مع ماذا يتناظر الصفر»؟ وهل يتكوّن جبل الجليد من ماء عذب أم من ماء مالح»؟ و«كم يبلغ طول المتر»؟ و«لماذا الدم أحمر»؟ و«ما سر البكاء عند تقشير البصل»؟ الخ.
وفي السؤال الخاص بمعرفة إذا كانت جبال الجليد تتكون من ماء عذب أو مالح؟ يجيب المؤلف عن أنه في القطب الجنوبي لا تتجاوز درجة الحرارة إلا نادرا الصفر في الصيف وتصل إلى ـ 08 في الشتاء. والنتيجة هي تشكل جبال جليدية كثيرة.
أمّا في القطب الشمالي فيوجد المحيط الاركتيكي المجاور لكندا وألاسكا والولايات المتحدة وروسيا والذي يتكوّن من طبقة جليدية تتراوح سماكتها بين 2 إلى 4 أمتار. هذه الطبقة تتشكّل من مياه البحار وهي بالتالي «مالحة». بالنسبة لجبال الجليد فإنها تتشكل من تكدّس الثلوج ومصدرها قاري وليس بحرياً وبالتالي تحتوي على مياه حلوة.
وهي نوع من الجزر العائمة التي يبلغ طولها عدة عشرات الكيلومترات أحيانا. وبما أن كثافة الجليد أقل من كثافة الماء المالح، فإن جبال الجليد تعوم في مياه المحيطات ولا يبرز على السطح سوى ما يعادل سبع كتلتها. وهي تشكل بالتالي مصدر خطر حقيقي بالنسبة للملاحة البحرية.
*الكتاب:أسئلة بسيطة وإجابات مشوشة
*الناشر: البان ميشيل ـ باريس 2006
*الصفحات :300 صفحة من القطع المتوسط
Le pourquoi du comment
Albin Michel - Paris 2006
p.300