فرانسوا مارتينو، مؤلف هذا الكتاب، هو محامي فرنسي. عمل لفترة مستشارا لدى المجلس الأوروبي، وهو أيضا أستاذ في مدرسة تأهيل المحاماة في باريس. سبق له ونشر عدة مؤلفات منها: «ذات يوم في فيردان»، و«فيردان» هو الموقع الذي جرت فيه أحد أشرس معارك الحرب العالمية الأولى والتي أظهر فيها الفرنسيون شجاعة كبيرة. ومن كتبه أيضا: «تاريخ الجنح في فرنسا منذ عام 1750 حتى اليوم» و«العدالة في ظل الثورة الفرنسية»، الخ.
«دراسة حول الحجج القضائية» هو كتاب في القانون والفلسفة -المؤلف يحمل أيضا شهادة التأهيل العليا في الفلسفة- وفن المحاكمة العقلية من أجل إقناع الآخرين بالحجج التي يتم تقديمها لهم، أي ما اعتبره الأقدمون متعلقا ب«فن الفصاحة».
«فن الفصاحة» هو ذلك التميّز الذي يتحلّى به بعض البشر مما يجعلهم فريدين في «صنفهم» مثل «انطونيو ستراديفاري» صانع آلات العود الموسيقية «الفريدة» من نوعها والذي عاش في نهاية القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر. الآلات التي صنعها أثارت دهشة معاصريها والأجيال التي تلتهم، كما أثارت العديد من الأسئلة حول «أسرار» صناعتها.
النظريات تعددت حول الموضوع واختلفت الآراء حول تفسير سبب ذلك «الصوت الصافي» الذي تصدره. فهل كان سببه طبيعة خشب الأشجار المصنوع منها؟ أم أن السبب هو طبيعة الأرض التي تعيش فيها جذور تلك الأشجار؟ أم ربما أن الأمر يتعلق بالمناخ الذي يعطي لأخشاب الأشجار تميزها؟
وسؤال آخر جوهري هو: هل يعود الأمر إلى كون أن الصانع يمتلك مهارات خارقة أو ربما يمتلك أدوات استثنائية أو ربما أن الطلاء المستخدم ذاته هو الذي سمح بالوصول إلى درجة عالية من التسامي؟ تجدر الإشارة إلى أن «ستراديفاري» كان قد صنع حوالي 1100 آلة لا يزال موجودا منها حتى الآن حوالي 400 آلة في جميع أنحاء أوروبا.
بكل الحالات لا تزال «أسرار» هذه الآلات غير محددة بدقة، إنما يتفق الجميع على أنها «شبه معجزات». البارزون في الفصاحة والبلاغة هم من طراز صانع «الأعواد» الإيطالي عبر تميزهم ب«صنعتهم». و«البلاغة» هي، كما يتم تقديمها، مثل أي «فن» تولد وتتناقل جيلا بعد جيل، لكن خصوصيتها أنها من الفنون القليلة التي حافظت دائما على بقائها بينما هناك الكثير من المعارف قد اختفت ومن الفنون قد تدهورت مكانتها.
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في التأكيد على ضرورة أن يحافظ ورثة فن البلاغة الذي تعود جذوره إلى بعض العقول المتنورة في أعماق التاريخ الإنساني على حضوره بل تحسينه ونقله إذا أمكن إلى الأجيال اللاحقة. وهذا ما ينطبق أيضا على مختلف الفنون والعلوم والآداب والمعارف.
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب قد اختار مجالا محددا يتعلق ب«حجج الخطاب القضائي»، فإن هذا يعود بالدرجة الأولى لكون أنه هو نفسه رجل قانون. ولكنه تعامل مع الموضوع على أساس أنه مشرب تنطبق عليه نفس مبادئ وآليات المشارب الأخرى التي وُلدت في حاضنات حضارية قديمة.
إنها عودة إلى الماضي من أجل تثبيت معارف الحاضر التي تجد جذورها فيه. هكذا يدرس المؤلف آليات المحاججة القضائية منذ ولادتها على يد بعض عباقرة اليونان القديمة ثم تعززت مسيرتها بواسطة كبار مفكري الحضارة اللاتينية لتنتقل بعد ذلك إلى الحضارات الحديثة، ولتمثل بالتالي بناءً عمره أكثر من 2500 سنة.
فن البلاغة أو الفصاحة الذي يتعرض له المؤلف لا يعني بالطبع القواعد والعروض وإنما يعني بالأحرى «فن إقناع الآخرين من أجل كسب القضايا التي يتم الدفاع عنها». طبعا هذا لا يعني أيضا القضايا المطروحة حصرا أمام المحاكم، وإنما جميع القضايا المطروحة على النقاش، بما في ذلك تلك التي تتعلق بالقضايا السياسية في مختلف المحافل.
لكن المؤلف يحدد قاعدة أساسية من أجل إقناع «الآخرين» هي ضرورة معرفتهم بشكل جيد، إذ ليس هناك ما هو أخطر من «الأحكام المسبقة». ذلك أنها تعني «إصدار أحكام» قبل أية محاكمة. هذا فضلا عن أنها «تعيق تقدم الحقيقة».
إن المؤلف يقدّم سلسلة طويلة من الشواهد على مثل هذا الواقع مأخوذة من الأدبيات القديمة والحديثة والتي ليس أقلها شأنا نحاكمة «سقراط» وإصدار الحكم بإعدامه على خلفية «أحكام مسبقة»، وكذلك محاكمة الضابط الفرنسي «الفريد دريفوس» في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر بتهمة تسليم أسرار عسكرية «للعدو الألماني» .
والحكم عليه بأقصى العقوبات وتجريده من رتبته العسكرية على خلفية قرار سياسي «مسبق» وظالم، إذ ظهرت براءته بعد محاكمته إثر الحملة التي قام بها المثقفون والمفكرون الفرنسيون الذين اقتنعوا ببراءته ومن بينهم الروائي الكبير «اميل زولا» الذي وجّه رسالة مفتوحة لرئيس الجمهورية تحت عنوان «اني أتهم». ولم يتردد في الإدلاء بشهادته الشخصية أمام لجنة المحلّفين. وينقل عنه المؤلف قوله يومذاك: «دريفوس بريئ، أقسم على ذلك. وأضع حياتي وشرقي ثمنا لإثبات ذلك».
إن المؤلف، ومن موقع المحامي الحائز على جائزة البلاغة في بلاده، يعرض آليات خطاب المحاججة على مدى خمسة محاور -أقسام- تتسلسل منطقيا من «التعريفات» وصولا إلى «الفعل» الهادف إلى «الإقناع». والمحاور موزعة بين فصول مقسّمة بدورها إلى نقاط. هذا كله بشكل منطقي و«تربوي».
ففي كل مرة ينطلق المؤلف من فكرة عامة في إطار موضوع شامل لينتقل بقارئه إلى مقولات محددة و«مقنعة». ويتداخل في هذا كله التسلسل التاريخي والمنطقي مع الاستعراض التاريخي والفلسفي، إلى جانب الشروحات التقنية و«العملية».
وفي المحصلة قد يمكن للقارئ، مختصا كان أو غير مختص، أن يستشف طريقة عمل «آليات الإقناع» بل وأن «يستخدمها» في محاججاته والابتعاد عن العديد من «المزالق» التي يتم الوقوع بها عن وعي أو دون وعي.
ومن الأمثلة المقدّمة على «المحاججة» أو «المحاكمة العقلانية» لأية قضية، اللجوء إلى نوع من «المنطق الصوري» الذي تعبّر عنه، بشكل بسيط ومباشر، المقولة الشهيرة التالية: «كل الناس مصيرهم الموت. سقراط إنسان، وإذن سقراط مصيره الموت».
مثل هذه المقولة تتضمن «منطق تعليمي» أيضا يساعد على تقديم وعرض القضايا بصورة صحيحة. ذلك عبر «إبجاد التلازم بين حدّين من أجل استخراج حد ثالث منهما». إنه منطق يملك، رغم بساطته المفرطة، قوة «إقناع» كبيرة، إذ أن مثل هذه القاعدة لا تقبل أي استثناء.
وما يتم التأكيد عليه قبل الولوج في أية «محاججة» هو أن يكون المرء «مقتضبا وواضحا» عندما يتم عرض القضية بحيث يؤمن العرض أكبر قدر ممكن من «الانسجام»، ذلك دون الدخول في التفاصيل التي قد «تثقل» على فهم أولئك الذين يتوجه الحديث لهم و«يشوّش» الأسس التي سيتم بناء الحجج عليها لاحقا دون «التيهان» في التفاصيل.
المطلوب أولا هو إذن تحديد «إطار» الموضوع و«طبيعته» بدقة متناهية وتحديد المرجعيات، وبعدها فقط يبقى على «صاحب الخطاب» تحديد «الديكور». ولا يكتفي مؤلف هذا الكتاب باستعراض الآليات التي جرى اللجوء إليها تاريخيا من أجل التوصل إلى «إقناع الآخرين»، وإنما يحاول أن يشرح أيضا على مدى فصل كامل من الكتاب كيفية دحض وتفنيد «حجج الخصم».
«النصيحة» الأولى التي يقدمها بهذا الصدد هي «التروّي» طويلا قبل الشروع بأية ردود وعدم كشف إستراتيجية الدفاع التي ينبغي أن نقوم أساسا على «نقاط الضعف» في الحجج التي يقدمها الخصم، وذلك من أجل «المرور عبرها».
كما أنه لا بد من تحديد «شكل الرد» أولا تبعا للخطاب المقابل، إذ يمكن ل«الهجوم المضاد» أن يتركز حول نقطة واحدة أو عدة نقاط حسب «زوايا الهجوم». ودائما في محاولة إثبات أن الحجج المقدمة «من الخصم» لا تعتمد على أسس ثابتة في الواقع.
يضم هذا الكتاب أيضا عددا من الصفحات عن محاكمات آنية أو ماضية، وهي تقدم أشكالا من «التطبيقات العملية» على الأطروحات النظرية المعروضة في القسم الأعظم من العمل. هكذا يشكل الكتاب بما يتضمنه من شروحات نظرية وتطبيقاتها العملية «دليلا» معينا في أية محاكمة «عقلانية» تقوم على أساس الحجج والحجج المضادة. «الشرط شبه الوحيد الذي يضعه المؤلف للوصول إلى ذلك هو استخدام المرء ل«جهوده الخلاّقة».
ولا شك أن هذا الكتاب ذو أهمية بالغة لمن يمارسون مهنة المحاماة، أو للطلبة الذين قد يطمحون إلى ممارستها وأيضا، وربما أساسا، لأولئك الذين يهمهم تنمية قدراتهم على التواصل والإقناع في عالم ثورة المعلوماتية، أي لشرائح واسعة من القرّاء، ونوع من الكتب التي تفتقر لها مكتبتنا العربية كثيرا.
*الكتاب:دراسة حول الحجج القضائية
*الناشر:داللوز ـ باريس 2006
*الصفحات:349 صفحة القطع المتوسط
Petit traité d'argumentation judiciaire
Dalloz- Paris 2006
p.349