مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الانغلوساكسوني ريتشارد وورث أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في عدة جامعات أميركية وأسترالية. كما أنه مطلع جيدا على شؤون جنوب شرق آسيا وبخاصة الباكستان والهند وسواهما. وهو يقدم هنا صورة شخصية (بورتريه) وعامة عن رجل الباكستان القوي برويز مشرف.

فمن هو هذا الرجل يا ترى؟ وكيف وصل إلى الحكم؟ وما هي التحديات الكبرى التي يواجهها الآن؟ نقول ذلك ونحن نعلم أنه واقع بين فكي كماشة: فمن جهة تضغط عليه الولايات المتحدة لكي ينفذ سياستها ضد ما تدعوه بالإرهاب. ومن جهة ثانية تضغط عليه الحركات الأصولية القوية جدا في الباكستان حيث يسيطر حزب الجماعة الإسلامية على الشارع.

ولذلك فإن الرئيس الباكستاني الذي تعرض لعدة عمليات اغتيال في السابق يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه. فالشارع المؤيد لطالبان وبن لادن يضغط عليه من جهة، والولايات المتحدة تضغط عليه من جهة أخرى.ثم يضيف المؤلف قائلا: لقد ولد الرئيس مشرف عام 1943 في مدينة دلهي الهندية عندما كانت لا تزال مستعمرة بريطانية وقبل أن تولد جمهورية باكستان الإسلامية.

وكان الثاني من ثلاثة إخوة له. وبعد تقسيم الهند هاجرت عائلته إلى باكستان واستقرت في كراتشي. وهو ينتمي إلى عائلة من الطبقة الوسطى لأن والده كان يشتغل في وزارة الخارجية وبالتحديد في سفارة باكستان في تركيا. وبالتالي فقد أمضى طفولته الأولى في بلاد العثمانيين من عام 1949 إلى عام 1956.

والسيد مشرف متزوج وله ولد واحد يدعى بلال وبنت تدعى عليا. وابنه مستقر الآن في الولايات المتحدة ويحمل البطاقة الخضراء. وقد صرح مشرف في مذكراته بأنه أشرف على الموت عندما وقع يوما من أعلى شجرة. وكان آنذاك في سن المراهقة، ولكنه سلم منها.

وفي عام 1961 دخل إلى الأكاديمية العسكرية الباكستانية وتخرج ضابطا وكانت مرتبته الحادية عشرة. ثم قام أيضا بدورات تدريبية في المعهد الملكي للدراسات العسكرية في بريطانيا. وبعدئذ عاد إلى بلاده وشارك في الحرب الباكستانية-الهندية عام 1965. ويبدو أنه أبلى بلاء حسنا في المعارك التي دارت آنذاك.

ثم ساهم مرة أخرى عام 1971 في الحرب ضد الهند، وكان قد أصبح رئيس فرقة عسكرية مهمة آنذاك. وبعدئذ ترفع مشرق إلى رتبة جنرال عام 1991 وأصبح أحد الضباط الكبار في الجيش الباكستاني. وأصبح قائد الفرقة العسكرية الأولى عام 1995. ولسوء الحظ فإن رئيس وزراء الباكستان آنذاك نواز شريف وثق به وعينه رئيسا لأركان الجيش الباكستاني. وما كان يعرف أنه حفر قبره بيده بهذا التعيين.

فالواقع أن برويز مشرف انقلب عليه عام 1999 وحل محله على قمة السلطة. ولكن العملية لم تتم بسهولة في الواقع. فعندما أحس نواز شريف بأن الجنرال مشرف أصبح قويا جدا ويشكل خطرا عليه انتهز فرصة غيابه عن البلاد وأعفاه من كل مناصبه. وعندما سمع الجنرال مشرف بالأمر ركب أول طائرة تجارية مسافرة نحو الباكستان. ولكن رئيس الوزراء أمر بإغلاق المطار ومنع طائرة مشرف من الهبوط. فراحت تحلق فوق كراتشي لفترة من الزمن.

وعندئذ اجتمع القادة العسكريون ورفضوا أوامر رئيس الوزراء ووقفوا إلى جانب الجنرال مشرف. ثم أمروا سلطات المطار بفتحه فورا والسماح للطائرة بالهبوط. ولم يكن قد بقي فيها وقود يذكر. وبالتالي فلو تأخر الأمر بفتح المطار ربع ساعة فقط لسقطت الطائرة في الجو واحترقت بمن فيها.

وما كان أحد سيسمح عندئذ باسم برويز مشرف كرئيس لدولة باكستان. ولكن القدر شاء له مصيرا آخر. فقد حطت طائرته في اللحظة المناسبة. واجتمع فورا مع القادة العسكريين وقرروا إقالة رئيس الوزراء نواز شريف، ثم وضعوه تحت الإقامة الجبرية لفترة قبل أن ينفوه إلى الخارج.

وبالتالي فلم يحصل سفك دماء أثناء هذا الانقلاب العسكري. وهذه نقطة تسجل لمشرف لأنه لم يقتل نواز شريف كما فعل ضياء الحق مع ذو الفقار علي بوتو سابقا. وبالتالي فالرجل كان حضاريا أكثر من سلفه القمعي الأصولي. ولكن هذا لا يعني أنه ليس دكتاتوريا عسكريا.ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أنه الدكتاتور العسكري الرابع الذي حكم الباكستان خلال ستين سنة من تاريخ وجودها.

ولكن برويز مشرف لم يشتهر على الصعيد الدولي إلاّ بعد ضربة 11 سبتمبر. عندئذ أصبح اسمه على كل شفة ولسان. والواقع أن الولايات المتحدة أرسلت له الإنذار التالي: إما أن تكون معنا أو ضدنا ولا حل ثالث لك! وقبل الجنرال بعد فترة تأمل بالانضمام إلى الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب الأصولي. والواقع أنه عقد اجتماعا خاصا مع كبار قادة الجيش والمخابرات قبل أن يتخذ قراره الخطير هذا.

فقد غامر بشعبيته إذ انضم إلى المعسكر الأميركي في حربه ضد الطالبان والقاعدة، وذلك لأن الشارع الباكستاني كان من مؤيدي هذه الجماعات الراديكالية في قسم كبير منه كما ذكرنا آنفا. ولكن مشرف عرف أنه لا مجال إلا للانضمام إلى القوة العظمى الوحيدة في العالم، وإلا فقد منصبه وربما حياته.

فأمريكا لها نفوذ كبير في الأجهزة الباكستانية ومنذ سنوات طويلة. يضاف إلى ذلك أنها تمتلك أوراق ضغط كبيرة على رئيس الباكستان، وهي أوراق عسكرية، وسياسية، واقتصادية. ولهذا السبب فإن الجنرال مشرف فتح بلاده للقوات العسكرية الأمريكية التي كانت تحضر ضربة قوية ضد القاعدة والطالبان في أفغانستان.

ثم أعطاهم ثلاث قواعد جوية هامة قريبة من الحدود الأفغانية ـ الباكستانية.وهكذا أصبح بإمكان الطيران الأمريكي أن يقصف قوات الطالبان بكل سهولة في جميع أنحاء أفغانستان. وكانت النتيجة أن تمكنت أمريكا من قلب نظام طالبان بسهولة أكبر مما كان متوقعا. ثم راحت تلاحق فلول القاعدة في الوديان والجبال.

ثم يردف المؤلف قائلا: لقد لجأ مشرف إلى محاجة ذكية لكي يقنع الشعب الباكستاني بضرورة الانضمام إلى المعسكر الأمريكي ضد نظام الطالبان. قال لهم ما يلي: إذا لم نفعل ذلك فإن وجود باكستان سوف يصبح في خطر لأن الولايات المتحدة سوف تتحالف مع الهند لكي تسحقنا أو تحاصرنا من كل الجهات.

ومعلوم أن الهند تشكل العدو التاريخي بالنسبة للباكستان تماما كما أن إسرائيل تمثل العدو التاريخي بالنسبة للعرب. وقد اعترف برويز مشرف لاحقا بأنه كان صادقا في كلامه ولم يقله على سبيل التهويل لإقناع شعبه بصحة سياسته. فقد تلقى في الواقع تهديدا أمريكيا واضحا بتفكيك الباكستان عن طريق التحالف مع الهند وإمدادها بكل أنواع الأسلحة والمعدات والمعونات العسكرية والاقتصادية وكل شيء.

وعندئذ لم يجد الزعيم الباكستاني بدا من مساعدة أمريكا في الهجوم على أعدائها الأصوليين الذين نفذوا فيها عملية 11 سبتمبر وأذلوها على رؤوس الأشهاد. ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن تحالفه مع الشيطان الأميركي كاد أن يكلفه حياته أكثر من مرة كما ذكرنا سابقا.

فقد جرت عدة محاولات لاغتياله وكانت إحداها شبه مؤكدة أنها ستنجح. ولكنه نجا منها بأعجوبة. والواقع أن المتطرفين أخذوا على أنفسهم عهدا بأن سيقتلونه لأنه خائن أو عميل من وجهة نظرهم. أما هو فيتعبر نفسه مدافعا عن المصلحة القومية العليا للباكستان. فالطالبان لا مستقبل لهم وكذلك حركات التطرف الأخرى.

والتاريخ يمشي إلى الأمام ولا يعود إلى الخلف. وقد صرح مرة قائلا: إني مسلم وأعتز بتراثي الإسلامي العريق ولكني أرفض قطعا هذه التفسيرات المتطرفة لديننا الحنيف. فهي مضادة لطبيعته وسماحته ووسطيته واشتهاره بالتوازن والاعتدال. فالقرآن الكريم يقول بصريح العبارة: وكذلك جعلناكم أمة وسطا. ولم يقل جعلناكم أمة التطرف والجهل والتعصب.

*الكتاب:برويز مشرف

*الناشر:تشيلسي هاوس بوبليكيشين نيويورك 2007

*الصفحات: 112 صفحة من القطع المتوسط

Pervez Musharraf

Chelsea House Publications New York 2007

p.112