تنبع أهمية كتاب الأصولية الشيطانية للمؤلف محمد نادر الزعيتر من تعرضه بشكل دقيق ومفصل لعبادة الشيطان التي ظهرت كصرعة منذ سنوات عدة في أميركا وأوربا وقسم عبدة الشيطان إلى طوائف ومذاهب تختلف عن بعضها في أمور كثيرة إلا أنهم يتفقون في فكرهم الأساسي الذي يتمحور حول اختراق ماهية الإنسان. ومحمد نادر زعيتر عضو مؤسس في رابطة الحقوقيين له دراسات جامعية في الآداب وعليا في الحقوق وهو عضو في جمعية العاديات وعضو في اتحاد الكتاب.
وقف الباحث في الجزء الأول من كتابه أمام مفهوم الشيطان دينيا ـ وعبر التاريخ ـ من المأثور اليهودي فالمأثور المسيحي ثم المأثور الإسلامي فجميع هذه الأديان تصدت للشيطان باعتباره الشرير الأقصى ومضل المجتمعات يزين للناس الخطيئة وارتكابها وينحدر بهم إلى الكفر.
وتطرق المؤلف إلى عبادة الشيطان عبر التاريخ حيث ظهر عند الداويون في الصين الذين اتخذوا في الأشجار والرسوم والممرات المتعرجة وسيلة لصد الشيطان والجن والمردة وأرواح الشر عن دخول بيوتهم كما يستخدمون بعض التماتم لإبعاد كل هذه الألوان من ألوان الشرور، وكانت تجربة بوذا مع الشيطان.
كما استعرض الكاتب نشأة الاعتقاد بوجود الشيطان في الشرق القديم ـ المأثور اليهودي ـ فكان للديانة البابلية تعليم متشعب عن الشيطان حيث كان القوم يمارسون تعاويذ عديدة من أجل تخليص الأشخاص الممسوسين والأشياء والأماكن المسكونة وكانت هذه الشعائر السحرية أساس تشكيل جانباً مهماً من الطب إذ كان كل مرض ينسب إلى فعل روح شريرة.
ويستعرض الباحث عالم الشيطان في فكر يهود ما بعد السبي الذين كانوا ينظرون إلى الشياطين على أنهم ملائكة ساقطون شركاء إبليس وأنهم أرواح نجسة تتميز بالكبرياء والفجور تضرب البشر وتسعى لإيقاعهم في الشر وأخذت تعاويذهم طابع التضرع بالرجاء من الله أن يقهر إبليس وأعوانه بقوة اسمه.
وينقلنا المؤلف إلى ماهية الشيطان في المأثور المسيحي ومواجهة يسوع لإبليس والأرواح الشريرة ذات السلطة على البشرية ومعالجاته لحالات المس الشيطاني. ويتطرق الباحث إلى ماهية الشيطان من خلال القرآن الكريم الذي ورد فيه ذكر الشيطان وشروره والنهي عن مقاربته كونه الشر الأكبر و جاء قول الله تعالى: «ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان» «يس60».
ويرى زعيتر كما أغلبية الباحثين والمفسرين بأن الشيطان مخلوق ولكنه من نوع مختلف عن الطبيعة البشرية إلا أنه لايجدي البحث في كنه ووجوده والتحري عنه فهو موجود ويستطيع النفاذ إلى فكر الإنسان ونفسه ليحقق مهمته التي تعهد بها أمام الله منذ بداية الخليقة حتى يوم القيامة ويجب الاعتقاد بعداوته واجتنابه لأنه ضد الخير والحق والسلام والإيمان.
واستعرض الباحث تجربة الشيطان مع آدم وكذا تجربة تصدي إبراهيم للشيطان وكذا تجربة الملك سليمان والجن.
وفي الجزء الثاني يسلط الكاتب الضوء على الشيطان معبودا فيعرف الشيطانية أو عبادة الشيطان وفقاً لتعريف منظومة التسامح الديني بأنه تقديس الشيطان في صورته البدائية قبل نزول المسيحية وهذا الشيطان يرمز إلى كل ما هو شائن وحيواني وغريزي عرفه الإنسان بدءاً من الصورة الوثنية للقوة التي تحكم العالم مروراً بالوضاعة والحسية والجنس الحيواني الذي لا يعرف ضوابط أو محاذير لتصبح الصورة العصرية التي يتحدى فيها الشيطانيون شرب الدماء والتعرض للأديان.
ويرجع الكاتب نشأة عبادة الشيطان إلى ظهور منظمات وجمعيات بأوروبا والتي انضوت تحت لواء إله الشر والظلام أو إبليس أو الشيطان بحيث لهم طقوس دينية يقومون بها في الغابات الكثيفة ورؤوس الجبال أو في الوديان العميقة إلا أن الكنيسة كافحت بقوة هذه الظاهرة وتم إلقاء القبض على قائدها وهو المارشال جيل ديمارتز وإعدامه إلا أن هذا لم يمنع من تطور هذه العبادة على امتداد السنين.
وفي نفس السياق ذهب الباحث إلى انتشار ـ عبادة الشيطان في العالم العربي وبالخصوص الخليج العربي وتحديداً في منطقة البحرين وفي بلاد فارس في أيام الدولة الفاطمية وفي العصور الحديثة بقي بعض المنحرفين يمارسون البدع الشيطانية مستغلين طيش الشباب وانزلاقه.
ويؤكد المؤلف على أن عبادة الشيطان باختلاف أسماء منظماتها قديماً ، حديثاً ومستقبلاً هي عبادة مارقة عن المجتمعات العربية خارجة على الآداب معاكسة للأخلاق معادية للأديان عنوانها الشر وسبلها الإباحية في ارتكاب المحظورات التي تردعها كل الشرائع والقوانين (مخدرات جنس شذوذ قتل ) ويرجع أساسيات هذه البدعة إلى شخصيات مشبوهة معتوهة الفكر متصدية للإيمان ذات جذور مباشرة أو غير مباشرة تتألف مع الصهيونية بقناع اليمين الغربي الحاقد على شعوب المنطقة العربية الإسلامية.
أما عن الأسباب الحقيقية للشيطانية في الغرب يقول الكاتب بأنها تعود للفراغ الديني والاجتماعي والثراء الفاحش للمجتمعات الغربية الذي لا يجد ما يقابله من ثراء روحاني وفكري. ويستعرض زعيتر الأخلاقيات الشيطانية المتمثلة أولاً في إنكار الأديان السماوية جميعها امتهان الكتب الدينية بوطئها الأقدام وإيذاء الحيوان وقتله.
وامتصاص دمه للشرب وتلوين الجسم وتلطيخ الجدران واستخدام الشعارات والرسومات والأدوات لإقامة مناسكهم ( نجمة داود الصليب المقلوب دوائر من النار رسومات تعبير عن الشيطان)إقامة الصلوات الخاصة بهم في مجموعات متفرقة وتلاوة بعض الأدعية والترانيم الخاصة بهم تسمى (المفاتيح السبعة) ومن جهة أخرى تطرق الباحث إلى الموسيقى الشيطانية التي ظهرت لأول مرة في الأربعينات من القرن العشرين وسميت البلوز وتطورت إلى الروك أند رول في الستينيات.
وكذا موسيقى الموت الأسود BLACK DEATH والمعدن الثقيل HEAVY METAL والحجر الصلب وهو الموسيقى التي تحدثت عن الحرب لإيقاظ الثورة والتمرد لدى الشيطانيين. وسلط المؤلف الضوء على المؤسس المعاصر لعبادة الشيطان وهو أنطوني شيلدز ليفي أميركي يهودي أنشأ معبده سنة 1966 وله عدة مؤلفات الأنجيل الشيطاني الطقوس الشيطانية مذكرات شيطانية وهو إحدى الشخصيات التي تبنت قداسة الشر الشيطاني.
وعن المناطق التي تفشت فيها هذه الظاهرة يرى الكاتب بأنها انتقلت للدول العربية وحدودها مع الأردن (وادي عربة ) وحدودها مع مصر ( منطقة طابا وجنوب سيناء) وكذا تركيا بحيث تم التواصل والنفاذ إلى الأقطار العربية فهي تعد نوع من التخريب الفكري القيمي لفئات سائبة من المجتمع منزلقة مغرورة بالفلسفة الوهمية والاتجاهات المشبوهة المنحدرة نحو تصفية الجوهر الحقيقي للإنسان والمواطن الواعي.
إذن يأتي الكتاب في الكشف عما يسمى بعبادة الشيطان كدعوة لممارسة الفجور والشذوذ الجنسي والإباحية والتخدير الفكري والتوجه اللاواعي ما يعني الوصول إلى إفلاس أخلاقي شمولي والذي من الضروري مراقبته ومكافحته كواجب مقدس على الدولة والنظام والمجتمع والأسرة في أي موقع من أنحاء الأمة .
ناهد رضوان
*الكتاب: الأصولية الشيطانية دراسة أكاديمية موثقة
*الناشر: دار الحافظ ـ حلب 2006
*الصفحات: 614 صفحة من القطع الكبير
