بالتازار غارزون هو أشهر قاضي تحقيق إسباني على الصعيد العالمي. عرفته اسبانيا أولا من خلال الملفات التي قام بالتحقيق حولها مع دعاة الاستقلال في إقليم الباسك الذين ينضوون ضمن إطار منظمة «الايتا» المعروفة. ثم عرفه العالم كله كقاضي تحقيق في قضايا الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والإرهاب.

وهو الذي كان قد أصدر في عام 1998 أمرا باعتقال اوغستو بينوشيه، دكتاتور تشيلي الذي توفي قبل فترة قصيرة. وللمرّة الأولى يتحدث عن مهماته في هذا الكتاب. يعود المؤلف في الصفحات ال300 التي يتألف منها هذا العمل إلى رواية الأحداث الكبرى التي عايشها من موقع رجل القانون.

لكنه يستخدم أيضا أسلوب الحوارات التي تخيلها مع أطفاله. إنه يصف أيضا الظروف القاسية التي عاشها في ظل حراسة مستمرة أينما حلّ وانتقل من حرّاس لم يفارقوه أبدا، وما عرفه أيضا من ضغوط مارستها مجموعات الضغط المختلفة «اللوبي»، وما تعرّض له من قدح وتجريح من قبل محاماة عديدين، وما صادفه من «مكائد» حفظ لها عالم السياسة والسياسيين، أما وسائل الإعلام فقد تحدثت عنه حسب هواها.

وهذا كله قد لا يكون سوى النزر اليسير أمام محاولات «الالتفاف على القانون» من أصحاب القرار الذين يُفترض أن تكون مهمتهم الرئيسية هي حماية القانون. لكن المصالح الخاصة قد تكون هي الأقوى والأربح في الكثير من المرات.

إذا كان مؤلف هذا الكتاب يؤكد على ضرورة محاربة الجريمة المنظمة وكل أشكال التجارة الممنوعة، لاسيما تجارة الأعضاء البشرية التي راج سوقها في السنوات الأخيرة، وأيضا محاربة الإرهاب قبل أي شيء آخر باعتباره الخطر الأكبر الموجّه ضد أبرياء يدفعون حياتهم أحيانا. فإنه يؤكد بالمقابل على أن حالة عدم الاستقرار والخوف التي يعيشها العالم إنما تعود إلى «الانحرافات» الكبيرة التي شهدها واقع مكافحة الشبكات الإرهابية.

ويؤكد المؤلف في توصيفاته لسالحرب العالمية ضد الإرهابس التي شنّتها الولايات المتحدة الأمريكية على رأس المعسكر الغربي عامة على أنها اتسمت بـ «الشراسة» و«عدم الفعالية» بنفس الوقت. أما شراستها فيتم التدليل عليها بما يكتشفه العالم من عنف مارسه الأميركيون بشكل خاص،

وما يجد تعبيراته فيما عرفه سجن أبوغريب في العراق، وما شهده ويشهده معتقل غوانتانامو الشهير، هذا بالإضافة إلى السجون «السرية» المنتشرة في العديد من بلدان العالم وحيث تتم عمليات التعذيب لا يبيحها الدستور الأميركي وهي تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان ومع ما تنص عليه المواثيق والمعاهدات الدولية وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف الشهيرة.

هذه الممارسات كلها لم تؤدِ، كما يشير المؤلف، إلى اجتثاث الإرهاب، بل إنها أدّت إلى نتيجة عكسية تماما إذا زادت من العنف ومن العمليات الانتحارية وغيرها لدى أولئك الذين كانت ترمي إلى محاربتهم و«التخلّص منهم» مرّة واحدة وإلى الأبد. هذا فضلا عن الأخطار المتعاظمة التي يمثل السكان المدنيون أوّل ضحاياها، في أفغانستان والعراق بشكل خاص.

وكانت الحرب الأمريكية-الانجليزية الأخيرة على العراق التي تمثّلت إحدى الحجج الرئيسية في القيام بها بمحاربة الإرهاب، هي «الشرارة» التي أشعلت الحريق الكبير الذي لا أحد يعرف إلى أين يمكن لنيرانه أن تمتد. بل ولا يتردد المؤلف ـ القاضي في التأكيد على أن هذه الحرب لم تقم على أي أساس قانوني مشروع.

وقد ظهر للعالم أجمع أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل. هذا مع التأكيد أن تلك الحجة المقدّمة لم تكن في واقع الأمر سوى غطاء يخفي وراءه طموحات اقتصادية واستراتيجية واضحة. ويرى المؤلف أن الولايات المتحدة التي رفعت شعار الدفاع عن الأمن القومي.

ثم لجأت إلى الغزو العسكري لأفغانستان وبعدها العراق. واقترف أصحاب القرار فيها خطأ كبيرا في تقدير موازين القوى عندما دخلوا في حرب «غير متكافئة» مع ما سمّوه «الإرهاب الدولي» الذي يعتمد على شبكات مزروعة هنا وهناك وليست جيشا نظاميا يمكن استهداف مواقعه المحددة.

وبنفس الوقت انتعشت نشاطات وكالة الاستخبارات المركزي الأمريكية في العالم وحظيت بمساعدة العديد من الدول. وتشير التحقيقات المقدّمة على أن البرتغال، مثلا، سمحت لطائرات الوكالة الاستخباراتية الأميركية بالمرور في أجوائها. وجرى نقل سجناء سرا نحو بلدان «ديمقراطية» حيث تعرّضوا للتعذيب.

وهذا ما يعتبره المؤلف بكل صراحة ووضوح أعمالا إجرامية، على قدم المساواة مع عمليات القصف التي يتعرض لها السكان المدنيون.وما يؤكده المؤلف ورجل القانون هو أن المسؤولين عن ارتكاب مثل هذه الجرائم ستتم محاسبتهم سياسيا، ولكن قضائيا أيضا. ولا يتردد في أن يذكر اسم دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي السابق، بين عداد أولئك الذين سيكون من المطلوب استجوابهم.

وذلك على أساس مسؤوليته المباشرة في عمليات التعذيب «اللاإنساني» الذي عرفه سجن أبوغريب ونقلت صوره المرعبة جميع شاشات التلفزة في العالم.ويرى مؤلف هذا الكتاب، مثلما رأى العديد من المحللين غيره، أن التفجيرات التي شهدتها اسبانيا يوم 11 مارس 2004 وذهب ضحيتها عشرات القتلى والجرحى، ثم تفجيرات لندن في صيف عام 2005،

إنما كانت كلها كـ «نتيجة مباشرة» للاستخدام غير المشروع للقوّة وللتعذيب من قبل القوات الأميركية وحلفائها. هذا يبدو بوضوح، برأيه، ذلك أن اسبانيا، في ظل حكومة خوسيه ماريا ازنار، المحافظة وبريطانيا في ظل حكومة توني بلير، قد دعمتا، دون تحفظ، الحرب الأميركية ضد العراق.

لكن المؤلف لا يستبعد في الوقت نفسه إمكانية تعرّض بلدان أوروبا أخرى إلى عمليات إرهابية، رغم عدم دعمها، بل معارضتها أحيانا، لتلك الحرب مثل حالتي فرنسا وبلجيكا. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن العديد من أفراد الشبكات المتطرفة الذين استجوبهم «برروا» العنف على أنه «جوابا» على الظلم الواقع على الشعب العراقي.

بالطبع لا يتردد في الوقت نفسه بإدانة عنفهم لكنه يطالب بمحاولة فهم الأسباب الكامنة وراءه، مع إشارته أيضا إلى أن الذين يقومون بأعمال عنف في أوروبا، أو الذين تحوم الشكوك حولهم بإمكانية أن يفعلوا ذلك، إنما هم في جميع الحالات من المقيمين فيها منذ فترة طويلة،

وربما يحملون جنسيتها مثلما هو الوضع بالنسبة لتفجيرات لندن في صيف 2005، ولم يقدموا من بلدان عربية ولا حتى من أفغانستان. ومثل هذا الواقع يقتضي أن تفهم البلدان الأوروبية حقيقة ما يجري فيها والأسباب العميقة التي تدفع بعض الشباب فيها إلى التطرف وممارسة العنف ضد «مجتمعاتهم».

ويتم التركيز في هذا السياق على المسألة الثقافية وتداخلاتها مع ظواهر «التهميش الاجتماعي» التي تتعرض له مجموعات معينة على قاعدة الانتماء العرقي أو الديني. وهذا يقابله في أحيان كثيرة ردود فعل عنيفة من قبل أفراد المجموعات المعنية، وصولا إلى قيامها بدعم مجموعات أخرى عنيفة في بلدان أجنبية.

ومثل هذه المجموعات المحلية أو الخارجية تصعب مواجهتها، بسبب صعوبة تحديدها بسهولة، لاسيما إذا كان أفرادها من غير «أصحاب السوابق». هنا أيضا يتم التأكيد على أن الحرب الأميركية في العراق لا تساعد في «تهدئة العنف» بسبب ما توقعه من ضحايا بالآلاف لا علاقة لهم مع الموضوع «الأساسي» للحرب.

وإذا كان المؤلف يؤكد على أن السياسة التي تقوم بها إدارة جورج دبليو بوش باسم الحرب العالمية على الإرهاب ليست مبررة أخلاقيا، فإنه يؤكد أيضا أن السبيل الوحيد من أجل كسب هذه الحرب هو مواجهة الإرهاب بقوة القانون الدولي. إنه يركز على ضرورة إيجاد عدالة جنائية دولية، كانت المحاكم التي عرفتها طوكيو ونورنبرغ أشكالا «جنينية» لها.

*الكتاب:عالم بلا خوف

*الناشر:كالمان ليفي

باريس 2006

*الصفحات: 310 صفحات من القطع المتوسط

Un monde sans peur

6002 siraP -yveL nnimlaC

013 .p