غيرت ماك مؤرخ وصحفي هولندي مختص بتاريخ القارة الأوروبية التي خصّها بأعمال عديدة نذكر منها: «امستردام: سيرة حياة مدينة» و«قرن أبي»، ويقصد القرن العشرين، و«ماذا أصبح عليه مصير الفلاحين في أوروبا؟ 1950 ـ 2000».

العمل الجديد الذي يقدمه المؤلف هو حصيلة عام من الحل والترحال في ربوع القارة الأوروبية. ففي مطلع عام 1999، غادر المؤلف مدينة امستردام التي يقيم بها كي يتجول طيلة السنة الأخيرة من القرن العشرين في أوروبا مدفوعا بنيّة محددة هي القيام بنوع من «الجرد» التي آلت إليها القارة القديمة في نهاية قرن شهدت فيه حربين عالميتين مدمّرتين

كما شهدت عقودا من الازدهار الاقتصادي، كما شهدت في النصف الثاني منه مسيرة توحيدها في إطار مجموعة اقتصادية مشتركة ثم في «اتحاد أوروبي» له مفوضياته ومؤسساته. لكن المؤلف لم يقتصر في الواقع على الترحال عبر الأمكنة. لكنه «سافر أيضا في عمق التاريخ»، كما كان قد حدد لمهمته منذ الصفحات الأولى من الكتاب. هكذا يبدأ أيضا بالحديث عن آثار «المعرض الكوني» في باريس وصولا إلى الوقوف أمام أطلال سراييفو.

لقد قادته رحلته من لندن إلى سان بطرسبورغ ومن لشبونة إلى برلين. وحرص في كل محطة وصل إليها أن يجري لقاءات مع «شهود على القرن» من كتّاب وسياسيين ومقاومين وعسكريين. واستمع على التاريخ من مصادر «استثنائية» من بينها حفيد «غيّوم الثاني» إمبراطور ألمانيا في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين،

وسليلي اللاجئين الاسبانيين الذين هربوا من الحرب الأهلية للجوء في منطقة جبال البيرينيه الفرنسية. ومن بينهم أيضا سكرتير الملكة «ولهلمين» ملكة هولندة منذ عام 1890 وحتى عام 1948 حيث تنازلت عن العرش لابنتها جوليا. كما أن العشرات من الأوروبيين رووا له تاريخهم».

ويؤرخ مؤلف هذا الكتاب بنفس الوقت للأحداث الكبرى التي شهدتها القارة الأوروبية خلال القرن العشرين وفي مقدمتها الحربين العالميتين، الأولى 1914-1918 والثانية 1940-1945 واللتين مزّقتا أوروبا وحلمها في السلام والتقدم. ويرى أن هاتين الحربين لا تزالان حاضرتين، إذ إن الإدارات البلجيكية المكلّفة بنزع الألغام لا تزال تستخرج حتى الآن كميات كبيرة من المتفجرات التي تعود لتلك الفترات السوداء.

بل ويؤكد المؤلف أنه هو نفسه قد «عثر على قنبلتين» لم تنفجرا. كما أنه يصفه على عدد من الصفحات الانفعالات القوية التي أحس لها عند زيارة المتحف الحربي في مدينة كييف وحيث توجد على الجدران آلاف الصور للضحايا والمفقودين.

ويشير المؤلف إلى أن كل بلد من البلدان الأوروبية حاول أن يعيد بناء نفسه بعد فترات الحرب على أساس أسطورة مختلفة عن البلدان الأخرى. فانجلترا تبنّت أسطورة «الحرب الخاطفة» والاتحاد السوفييتي أسطورة «الحرب الوطنية الكبرى» وفي ألمانيا ظلت أسطورة الشيطانية لهتلر قائمة، أمّا في فرنسا فقد تمثلت الأسطورة في القناعة الديغولية أن فرنسا قد كسبت الحرب.

وبخصوص فرنسا يعتبر المؤلف أن «جان مونيه»، بطل المقاومة ضد الاحتلال النازي، أكثر أهمية من الجنرال شارل ديغول. وأشار إلى أن دور «مونيه» لم يقتصر على فترة الحرب العالمية الثانية وإنما كان له أيضا دور عام 1916 في تنظيم «لجنة الحلفاء» للنقل البحري والتي ساهمت في صمود الانجليز.

وفي نهاية عام 1938 ذهب لرؤية الرئيس الأميركي روزفلت بقصد إقناعه أن تقوم الولايات المتحدة بتصنيع الطائرات والدبابات من أجل حماية أوروبا مستقبلا. بل ويشير إلى أن جان مونيه قد صاغ في شهر يونيو من عام 1940 مشروعا لتوحيد انجلترا وفرنسا.

ما يحاول المؤلف القيام به هو في الواقع رسم لوحة عيانية لأوروبا بكل معطياتها وتفاصيلها ومحدداتها. بتعبير آخر إنه يحاول توضيح «الصورة الضبابية» السائدة عن أوروبا من خلال دراسة الآليات التي تطورت على أساسها خلال العقود الأخيرة. وهو يصل في محصلة تحليلاته وقراءاته للتاريخ إلى التأكيد أن «الماضي والحاضر» بتداخلات، و«يغذي» كل منهما الآخر.

لكن هل للأوروبيين تاريخ مشترك؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف بالنفي، ولكنه لا ينفي في الوقت نفسة واقع وجود أوروبا لها «هوية أوروبية». يقول: «دعونا نجمع بين روس وألمان وانجليز وتشيك واسبان حول نفس الطاولة وندعوهم كي يسردوا تاريخ عائلتهم. إن الإجابات تشير إلى أن لكل منهم عالمه الخاص. ومع ذلك، هذا كله هو أوروبا».

ويحدد المؤلف أساس الهوية الأوروبية أنها المسيحية وقيمها التي انتقلت عبر عصر النهضة وأخيرا عبر الدساتير والحقوق الأساسية التي تتضمنها. ولا يتردد المؤلف في أن يؤكد ضمن هذا السياق أنه يمكن للمسيحية والإسلام أن يتعايشا.

وذلك على قاعدة أن أوروبا كانت عبر تاريخها تتميز بالتنوع، وقبول التعددية حيث انصهرت داخل بوتقتها اثنيات وطوائف وملل وعقائد متباينة ومختلفة. وإنها لم تكن خلال تاريخها الطويل كتلة واحدة مثل الإمبراطورية الصينية مثلا، التي عرفت مئات الثورات والتحولات العميقة وإنما مع المحافظة على الإطار نفسه والكتلة التاريخية.

كذلك يؤكد المؤلف أن مظاهر «الضعف» التي يمكن أن تترتب على الاختلاف قد تصبح نفسها مكامن قوتها، بل إنها قد كانت بالفعل، لاسيما من حيث قدرتها على تحقيق السلام المستمر منذ الحرب العالمية الثانية بين «متحاربي» الأمس القريب

. ومن مظاهر القوة التي يرى المؤلف أنه ينبغي على أوروبا المحافظة عليها قبولها لأعداد كبيرة من المهاجرين من مختلف المشارب والقارات والذين أصبحوا يشكلون عناصر أساسية في النسيج المجتمعي للعديد من البلدان في مقدمتها فرنسا وألمانيا.

إن مؤلف هذا الكتاب يدعو قارئه إلى مرافقه ل«الاستماع إلى الصوت الداخلي» لمدن أوروبا، وذلك عبر الوقوف أمام بناء تاريخي أو تمثال أحد العظماء أو الحديث مع المارة وروّاد المقاهي دون أي موعد سابق والاستماع إليهم على اعتبار أنهم صوت الملايين من الأوروبيين الذين «كتبوا صفحات من التاريخ الأوروبي».

ويشير المؤلف أنه في كل مرة التقى فيها بشخص ما أثناء ترحاله في المدن، والأرياف أيضا، كان يدوّن ما يسمعه. وكان يدوّن خاصة ما يلحظه ويجده «منجما» للذكريات. هكذا يتحدث في كتابه عن سهول منطقة «السوم» التي شاهدها من نافذة القطار السريع الذي كان يستقلّه. كانت تلك السهول قد شهدت سقوط مئات الآلاف من الضحايا الذين سقطوا في المعارك «العبثية» للحرب العالمية الأولى.

ولا يزال وجه أوروبا في القرن الماضي يحمل «آثار جروح» معركة «فيردان» التي لا تزال خنادقها شاهد عليها حتى اليوم كما أن أرضها لا تزال «حبلى» بأدوات الحرب ومتفجراتها. كذلك يتحدث المؤلف ضمن إطار ذكريات الماضي وآثاره في أوروبا عن مقاهي الحقبة الستالينينية في «ريغا»، وعن آثار الرصاص على واجهات مبانٍ كثيرة في برلين الشرقية، وعن كتل الاسمنت الهائلة وهياكل أبراج المراقبة لخط «ماجينو» الشهير الذي تجتازه اليوم «المواشي» دون أي عناء.

ومن خلال التعرض للأحداث التي عملت تخريبا وتهديما في القارة الأوروبية، وأدّت إلى ترحيل سكان مناطق بأكملهم نحو أماكن أخرى قسرا أو هربا من الحرب، وشتت شمل عائلات كثيرة، يصل المؤلف إلى الحديث عن أوروبا الأخرى «المتأنية والمتعقلة» التي توصلت إلى «سلام» مدروس ومقرر بين شعوب أوروبا وأممها المدركة لما هي عليه. وهذا ما تعبّر عنه جملة للرئيس التشيكي السابق فاكلاف هافل جاء فيها: «لا يمكن تحقيق السلام والتضامن والتنسيق إلا بين شعوب تعرف من هي».

وفي محصلة الصورة التي يرسمها المؤلف لأوروبا يؤكد على أنها موجودة كمجال اقتصادي ومجال للسلام، ولكنه يؤكد بنفس الوقت أنها «لن توجد حقيقة» إلا عندما تلتحم فيما بينها ضمن إطار سياسي وثقافي وديمقراطي مشترك.

ولا ينسى المؤلف أن يوجه «إنذارا» صريحا وواضحا مفاده أن حظ أوروبا في «الوجود» حقيقة لن يتكرر إذا فقدته هذه المرّة. وهذه هي الرسالة المتضمّنة في تكريس الفصل الأخير من الكتاب ل«سراييفو». كتاب أسفار، لكنه قبل ذلك، كتاب عن حالة الشقاق وعدم الثبات والقلق والفقر والأمل والمستقبل وكل ما يفرّق ويوحد أوروبا في هذه المرحلة من تاريخها.

*الكتاب: في أوروبا رحلة عبر القرن العشرين

*الناشر:هارفل ساكرـ لندن 2007

*الصفحات: 752 صفحة من القطع المتوسط

In Europe :travels through the twentieth century

Harvil Sacker- London 2007

p.752