قامت بتأليف هذا الكتاب الصحفيتان سكينة كاغدا وبربارة كوك المختصتان بالبلدان الاسكندنافية عموما والنرويج على وجه الخصوص. وهما تقدمان عن هذا البلد صورة كاملة من مختلف النواحي الجغرافية، والتاريخية، والسياسية، والاقتصادية، والدينية، والثقافية. وتقولان منذ البداية بما معناه: النرويج بلد صغير لا يتجاوز عدد سكانه الأربعة ملايين ونصف إلا قليلا. ولكنه من أغنى وأرقى بلدان العالم.
وكلمة نرويج تعني طريق الشمال. وهذا البلد يقع شمال شبه الجزيرة الاسكندنافية، وله حدود شرقا مع ثلاثة بلدان هي السويد، وفنلندا، وروسيا. وأما من بقية الجهات فتمده البحار والمحيطات فقط: أي المحيط الأطلسي، وبحر الشمال، وبحر النرويج، وبحر بارنيتس. وبالتالي فهو محاط بالبحار من كل الجهات تقريبا ما عدا جهة الشرق.
وتبلغ مساحته أكثر من ثلاثمئة وخمسة وثمانين ألف كيلومتر مربع. وهي مساحة ضخمة بالنسبة لهذا العدد الصغير من السكان. ولكن ينبغي العلم أن الكثير من المناطق جليدية وغير قابلة للسكن نظرا للبرودة والصقيع. وتبلغ شواطئ النرويج ثلاثة وثمانين ألف كيلومتر. وربما كانت أطول شواطئ في العالم لأي بلد مهما يكن. ومعظمها شواطئ أطلسية.
والبلاد مشكلة جغرافيا من جبال ومناطق ثلجية أو جليدية واسعة نظرا لوقوع البلاد في أقصى الشمال بالقرب من القطب الشمالي. وكثيرا ما يلقبون النرويج ببلاد الشمس الليلية أو حتى منتصف الليل. وذلك لأنها تقع بالقرب من الدائرة القطبية الشمالية حيث لا تغيب الشمس صيفا ولا تطلع شتاء.
وفي السويد مناطق ساحرة الجمال حيث تختلط الجزر بالغابات بالمياه بالجبال بالوديان، الخ. وحيث توجد الحضارة أيضا وليس فقط الطبيعة. فالبلاد كما قلنا من أكثر البلدان تطورا وازدهارا في العالم.
ثم تردف المؤلفتان قائلتين:
إن النرويج هي نظام ملكي دستوري عاصمته أوسلو. وقد استطاعت الحفاظ على حياديتها أثناء الحرب العالمية الأولى نظرا لقوة أسطولها فلم يتجرأ أحد على مهاجمتها أو الاقتراب منها. ولكن ذلك لم يتوافر أثناء الحرب العالمية الثانية. فقد غزتها القوات النازية واحتلتها وأقامت هناك نظاما عميلا. وعندئذ نفى الملك نفسه إلى لندن حيث واصل المقاومة من هناك حتى اندحار النازية وسقوطها عام 1945.
والواقع أن الملك لا يلعب هناك دورا سياسيا كبيرا وإنما هو رمز للبلاد فقط. إنه يلعب دورا شرفيا أو بروتوكوليا ويترك السلطة للحكومة والبرلمان. ولكن له هيبته واحترامه في نظر الشعب لأنه لا علاقة له بصورة الملك المستبد أو الحاكم بأمره كما كنا نعرفه في أوروبا سابقا.
إن الملك هناك هو رمز على الوحدة الوطنية للبلاد وكفى. والشعب متعلق به ولا يريد التخلي عن النظام الملكي لأنه يمثل تراثا عريقا بالنسبة للنرويج. نقول ذلك على الرغم من أن الدستور يعطي الحق للملك في التدخل في الشؤون السياسية ولكنه لا يتدخل إلا نادرا يترك مهمة ذلك للحكومة والبرلمان.
هذا وقد رفضت النرويج حتى الآن أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي نظرا لغناها وثرواتها الهائلة الناتجة عن البترول والغاز والصناعة وسوى ذلك. فهي أكبر بلد بترولي في أوروبا. ويقال بأنها تعاني من فائض الميزانية أحيانا ولا تعرف ماذا تفعل بالفلوس!! نقول ذلك ونحن نعلم أن معظم الدول تعاني من العكس: أي من نقص المال أو عجز في الميزانية.
والواقع أن البلاد ومقسومة إلى قسمين متساويين تقريبا. قسم يريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقسم لا يريد. ولكن يتوقع في نهاية المطاف أن تنظم إليه. وأما من حيث الدين فالنرويج بلاد مسيحية بطبيعة الحال. ولكنها تنتمي إلى المذهب البروتستانتي لا الكاثوليكي. وبالتالي فلا علاقة لها بالفاتيكان أو ببابا روما.
وبالتالي فنسبة البروتستانتيين تصل في البلاد إلى 86%، هذا في حين أن نسبة الكاثوليك لا تتجاوز 2% وربما أقل. وأما الباقي فينتسبون إلى مذاهب مسيحية أخرى. وأما نسبة المسلمين فقد تزايدت مؤخرا بسبب العمال المغتربين فوصلت إلى حوالي 2%. وهي هجرة حديثة العهد. وبالتالي فالإسلام هو دين جديد في بلاد شمس منتصف الليل.
ومن أكبر الجاليات المهاجرة هناك الجالية الباكستانية، والمغربية، والصومالية، والعراقية، والإيرانية والسويدية. والواقع أن البلاد تجذب المهاجرين كثيرا نظرا لغناها وخدماتها الاجتماعية والصحية والمجانية عموما. إنها بلد حضاري وإنساني من أعلى طراز. يضاف إلى ذلك أنها بلد جميل جدا كما ذكرنا. فطقسها معتدل على الرغم من وجودها بالقرب من القطب الشمالي.
ثم تردف المؤلفتان قائلتين:
أما من الناحية الاقتصادية فالبلد مليء بالثروات الطبيعية كالبترول، والكهرباء الناتجة عن استغلال المياه المتوافرة بغزارة والأسماك والغابات الممتدة على مئات الكيلومترات والمعادن من مختلف الأنواع. ولا ينبغي أن لا ننسى الغاز الطبيعي. فهو يشكل مع البترول 35% من صادرات البلاد إلى الخارج.
وحدها المملكة العربية السعودية وروسيا تتفوقان على النرويج من هذه الناحية. ولكن على الرغم من أن مستوى الحياة من أعلى المستويات في العالم إلا أن الشعب النرويجي يخشى على مستقبله في العشرين أو الثلاثين سنة المقبلة.
إنه يخشى من نفاد احتياطي البترول والغاز لديه. ولهذا السبب فإن البلد يوظف استثمارات ضخمة في الخارج. وقد وصلت أمواله هناك إلى مئة وثمانية وخمسين مليار دولار. وهو رقم قياسي ضخم بالقياس إلى بلد صغير الحجم ولا يتجاوز عدد سكانه الأربعة ملايين ونصف إلا قليلا.
والنرويج لا تعاني من البطالة الضخمة كبقية البلدان الأوروبية أو كمعظمها. ففي فرنسا مثلا تصل نسبة البطالة إلى 10% أو أكثر أحيانا. أما في النرويج فلا تتجاوز 2%. لكي نعطي فكرة عن غنى النرويج يكفي أن نذكر متوسط دخل الفرد هناك. إنه يبلغ سنويا خمسة وثلاثين ألف دولار.
هذا في حين أنه لا يتجاوز في سوريا تسعمئة وأربعين دولارا، وحتى في بلد بترولي غني كالكويت لا يتجاوز التسعة عشر ألف دولار، وأما في موريتانيا فهو ثلاثمئة وسبعين دولارا فقط. وحتى في الولايات المتحدة التي هي أغنى بلد في العالم فإن متوسط دخل الفرد أقل من النرويج لأنه لا يتجاوز الأربعة وثلاثين ألف دولار سنويا، أي أقل من النرويج بألف دولار.
وحدها سويسرا تتفوق على النرويج من هذه الناحية لأن متوسط دخل الفرد فيها يتجاوز الثمانية والثلاثين ألف دولار سنويا. ولكن اللوكسمبورغ ذلك البلد الصغير يتفوق على الجميع بمتوسط دخل يصل سنويا إلى اثنين وأربعين ألف دولار للفرد الواحد.
ولا ينبغي أن ننسى السياحة وما تدره على البلاد من عملة صعبة. فالنرويج من أجمل بلدان العالم قاطبة. ولذلك فإنه يجذب إليه عددا كبيرا من السياح. فالمناظر الطبيعية ساحرة هناك، كما أنها متنوعة جدا. فالبحيرات لا عد لها ولا حصر، وكذلك الحقول البساتين الخضراء المنتشرة. على مد النظر والتي تتخلّلها المياه. إن النرويج هي جنة الله على الأرض.
ويضاف إلى كل ذلك التقدم والنظافة والرقي والشعب المهذب الذي يحترم نفسه ويحترم الآخرين. وأما من حيث اللغة فإن اللغة النرويجية هي ذات أصل جرماني. وهناك لغتان رسميتان في البلاد، الأولى يتكلمها 80% من السكان والثانية سبعة عشر والباقون يتوزعون على فئات صغيرة.
وبالطبع فإن البلد يؤمن بالحرية والديمقراطية ويحترم كل اللغات والأديان والمذاهب دون استثناء. فللجميع الحق في أن يتكلموا لغة طفولتهم أو آبائهم وأجدادهم. وللجميع الحق في أن يتديّنوا أو لا يتدينوا، أن يؤدوا الطقوس والشعائر أو لا يؤدوها على الإطلاق.
هذه مسألة بينك وبين ربك وهو وحده الذي يحاسبك عليها وليس البشر. وقد أصبحت للمسلمين مساجدهم وأماكن عبادتهم مثلهم في ذلك مثل بقية السكان والمواطنين. ولكن يشترط على الجميع عدم استغلال الدين لأغراض سياسية أو المتاجرة به. فالدين لله والوطن للجميع. وهذا هو معنى العلمانية الأوروبية وليس فقط النرويجية.
*الكتاب:النرويج
*الناشر:بينتش مارك بوكس - نيويورك 2006
*الصفحات: 144 صفحة من القطع الكبير
Norway
Benchmark Books - New York2006
p.144