السلالات الإسلامية الحاكمة الكبرى في حوض المتوسط، جنباً إلى جنب مع تراثها الفني والثقافي المبهر، هي أبطال كتاب «اكتشف الفن الإسلامي في حوض المتوسط» الذي صدر عن «متحف بلا حدود» والدار المصرية اللبنانية في القاهرة، ثمة تسعة وثلاثون باحثاً،
وأمين متحف، وخبيراً في التراث الثقافي، من أربعة عشر بلداً في أوروبا، وشمال أفريقيا، والشرق الأوسط، قاموا بتأليف الفصول والتي تأخذ القارئ إلى البلدان الثلاثة عشر ذوات التاريخ الإسلامي منذ عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى نهاية السلطنة العثمانية في 1341ه/ 1922م.
الكتاب عمل جماعي، كُتب لجميع أولئك الذين يرون أن التاريخ ليس أحادياً، بل هناك عدد من التواريخ يوازي، أقله، عدد الشعوب الموجودة، حيث تقوم فكرة هذا الكتاب على الرغبة في العمل على إيجاد فهم أدق، وبالتالي أسلم، للإسلام عبر تقديم وجهات نظر مختلفة،
في مجال تفسير التاريخ، والفن، والثقافة، وهو يأتي استكمالاً لموقع متحف WWW.Discoverislamicart.Org الافتراضي وسلسلته المؤلفة من ثمانية عشر معرضاً، بعنوان: الفن الإسلامي في حوض المتوسط. ويتضمن الكتاب 380 صورة ملونة .
الكتاب يتضَّمن أبحاثاً ودراسات هي: حوض البحر الأبيض المتوسط قبل الفتوحات الإسلامية لعائشة بن عابد (تونس)، والنبي والخلفاء الراشدون لمحمد الأسد (برلين)، وينس كروجر (برلين)،
والأمويون: العاصمة الأولى دمشق، لغازي بيشه (عمان)، والزخرفة بالرسوم لينس كروجر (برلين)، ومحمد نجار (عمان)،
والعباسيون: الدولة الإسلامية الأولى لنورة الكيلاني (جلاسكو)، ومنيرة شابوتو-رمادي (تونس)،
واجتياح الغرب: عاصمة الأمويين في الأندلس قرطبة لمحمد مزين (فاس)،
والخط: أسمى فنون المسلمين لشوله أقصوي (استانبول)، وخضر سلامة (القدس)، وصقلية الإسلامية والنورماندية لبيير باولو راتشيبوبي (روما)، واتوري سيسا (باليرمو)،
والفاطميون: قرنان من التفوق لريكه الخميس (أدنبرة)، والنساء والسلطة في حوض البحر المتوسط الإسلامي لجميلة بينوس (تونس)، والغرب الإسلامي بعد الأمويين لجاسبار آراندا (مدريد)، وكمال الأخضر (الرباط)، والهندسة الإسلامية: فلسفة الفضاء لنعيمة الخطيب بوجيبار (الدار البيضاء)،
والمغرب الأوسط: هزيمة المعارضة لفريدة بنويس، وبوسعد وادي (الجزائر العاصمة)، و«وجعلنا من الماء كل شيء حي»: الماء في الإسلام لشيلا كاتبي (لندن)، وزينة تقي الدين (دمشق)،
وفن المدجَّنين: التراث الإسلامي في البرتغال وإسبانيا المسيحيتين لجونزالو بوراس جواليس (زارجوزا)، وسانتياجو ماثياس (ميترولا)،
والحقبة الأيوبية: بين الصراع والتعايش في سورية العصر الوسيط لعبد الرازق معاذ (دمشق)، وإميلي شوفلتون (لندن)، والحج في الإسلام لنظمي الجعبة (القدس)،
والمماليك: حين صارت القاهرة قلب العالم الإسلامي الجديد لمحمد عباس (القاهرة)، والعلوم والموسيقى لمونيكا ريوس (برشلونة)،
والعثمانيون: سلطنة دامت ستمئة سنة لفيرينا دايير (دمشق)، وإنجي قويولو إرصوي (استانبول)،
وصور عاكسة للفردوس: الزخارف النباتية في الفن الإسلامي، وتأثيرات الغرب في بلاد آل عثمان لميمت قاهيا أوجو (بروكسل)، وباولا توري (روما).
وفي تقديمها للكتاب تذكر إيفا شوبرت الرئيس والمدير التنفيذي لمتحف بلا حدود أن كتاب «اكتشف الفن الإسلامي في حوض المتوسط» ليس مجرد كتاب، بل هو نتاجّ وشاهد تعاون فريد بين أشخاص عازمين على جعل «الفن» سفيراً سامياً لعدد من التجارب التاريخية المختلفة، ومؤمنين بقوة تعبير الفن، على صعيد التفاهم والاحترام المتبادلين.
وتقول إنه على امتداد نحو ثلاث سنوات، دأب 150 خبيراً، من 16 بلداً مختلفاً، متواصلين عبر تسع لغات متباينة، على العمل معاً، في سبيل إيجاد أكبر متحف في العالم: نمط جديد لمتحف افتراضي، يزاوج بين المواقع المادية والافتراضية، في متحف حقيقي بلا حدود، حيث تترابط معروضات المتاحف المختلفة، جنباً إلى جنب مع الأوابد والمواقع الأثرية في البلدان المتباينة.
إن التراث الفني للحضارة الإسلامية في حوض البحر المتوسط، هو موضوع المجموعة الدائمة الأولى لهذا المتحف، وهذا الكتاب هو البيان العرضي الأول الذي ينشره موقع متحف WWW.Discoverislamicart.org الافتراضي، في سلسلة مؤلفة من 18 متحفاً افتراضياً، يدعو الزائر إلى اكتشاف الفن الإسلامي، في حوض البحر المتوسط.
وفي تقديم آخر يذكر محمد عباس، ومحمد نجار، وباري وود أن فنون المناطق الإسلامية في منطقة البحر المتوسط تقدم تنوعاً رائعاً وأصيلاً. وعندما توضع هذه الأعمال الفنية في أوساط المتاحف ـ أياً كان تواضعها ـ فإنها بطريقة ما تلعب دور السفراء الذين يمثلون ماضي الشعوب الذين تتهامس أصواتهم في آذان زوار المتحف محدثينه عن الطريقة التي عاشوا بها،
وعما أبدعوه ليضفوا الزينة على عالمهم. إلا أنه عندما تؤخذ هذه الأعمال على حدة، وحتى عند عرضها في أحد المتاحف، تتناقص قدرة كل تحفة منها على التواصل بفعل قيود معينة، من بينها عدد التحف التي يمكن عرضها في أحد المعارض، وخبرة منظمي المعرض، والمساحة المخصصة للملصقات التعريفية، وما إلى ذلك.
ويضيف: الآن ومع مشروع «اكتشف الفن الإسلامي»، فقد تم الجمع ما بين مجموعة مذهلة من الأعمال الفنية الإسلامية وذلك في تشكيلة غير مسبوقة تدمجها جميعاً في متحف واحد متميز و«بلا حدود». يقدم المتحف 850 قطعة فنية من 42 متحفاً، و385 أثراً من 11 بلداً تم جمعها معاً في كيان واحد متكامل لتنوير المشاهد المهتم ..
ويمكن الآن للتحف التي جمعها التاريخ وفرق بينها المكان، والتحف التي سبق أن تم ابتكارها لترتبط بأثر معين، يمكنها الآن أن تحظى بالدراسة معاً، وبإشراف الخبراء من البلدان محل الدراسة. ويتيح ذلك لتلك التحف أن تتحدث عن مبتكريها وعمن استخدموها بصوت واحد أكثر وقعاً.
إن ما سنستقيه من تلك الآثار سيساعدنا على تبني منظور جديد مهم حول تاريخ وثقافة منطقة البحر المتوسط. من المهم أن ندرك مثلاً أن أعمق أصول الفن الإسلامي يقبع في أواخر فترة الفن العتيق لمنطقة المتوسط، وأنه حتى عناصر الفن «الإسلامي» الأصيل مثل الأرابيسك تنحدر في الأساس من مرحلة متأخرة من الزينات الرومانية.
ولعله من غير المتوقع أن يؤدي استيعاب هذه الحقائق إلى الكشف عن العلاقة الوثيقة بين الفن الإسلامي والفن الغربي. إلا أنه من الحقيقي أيضاً أن الفن الإسلامي لم يكن مجرد استمرار لمرحلة متأخرة من الفن الروماني، وإنما مزيج مبتكر من الأشكال المحددة، والتي تم توظيفها بطرق جديدة ولأغراض اجتماعية وفكرية جديدة.
وعلى مدار القرون، فقد تطورت تلك الأشكال مع تطور الحضارات التي أبدعتها، مما تمخض عنه نطاق عريض من البراعة الفنية التي تنتزع إعجابنا في المتاحف اليوم. أيضاً من المهم التأكيد على حقيقة أن الفن «الإسلامي» ليس فناً للدين، وإنما للثقافة، لم يكن الفن الإسلامي من البداية فناً دينياً، ولا كان فناً مقصوراً على المسلمين.
وإنما يشير اصطلاح «إسلامي» ـ في سياق الفن ـ ليس للإسلام، وإنما لثقافة الإسلام في فترات تاريخية معينة. وبصفته ظاهرة ثقافية، فقد تم ابتكاره وتطويره بمعرفة المسلمين وغير المسلمين، كما استفادت من نتاجه وتمتعت به مجتمعات داخل العالم الإسلامي وخارج حدوده..
وبالفعل فعلى مدى القرون فقد أثبتت المعايير والأساليب الفنية التي تطورت في فن منطقة المتوسط الإسلامية قابليتها على الانتقال وتخطي الحدود الثقافية. ويبدو ذلك جلياً في الحماس الذي تلقى به الأوربيون في العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث مصنوعات من جيرانهم المسلمين، سواء كتحف فخمة، وكذلك كمصدر إلهام لتصميماتهم الخاصة.
فعلى سبيل المثال تم تحويل أواني الصخور الكريستالية الفاطمية إلى حافظات للرفات وتم حفظها في خزائن الكنائس، كما تم تعليق الحرير الناصري كخلفيات لأعمال النحت، فيما تم تمجيد السجاجيد العثمانية كرمز للترف في لوحات كبار الفنانين مثل «هانز هولباين».
إن الحيوية التي اكتسبتها التجارة عبر أنحاء المتوسط لهي تذكرة على مدى قوة الروابط بين الجزءين الأوروبي والإسلامي من المتوسط. هي قيمة عظيمة بشكل واضح. كما أن تلك الأعمال التي تنم عن الرقي والجمال تمثل دليلاً قاطعاً على الروابط التي طالما ربطت ما بين بلدان المنطقة الثقافية الأوروبية المتوسطية.
وبذلك فإنها لا تكتفي بتقديم المتعة الفنية فحسب، ولكنها أيضاً تقدير بليغ لشعوب وثقافات المنطقة التي نتشارك فيها. وقد تأسس «متحف بلا حدود» الذي هو منظمة دولية غير ربحية، في 1994 بمبادرة من إيفا شوبرت في فيينا، النمسا.
محمد الحمامصي
*الكتاب:اكتشف الفن الإسلامي في حوض المتوسط
*الناشر:متحف بلا حدود والدار المصرية اللبنانية ـ القاهرة 2007
*الصفحات:272 صفحة من القطع الكبير