بعد مضي أكثر من عشرين سنة على تجربته الفريدة ـ لعبة الممثل الواحد ـ على خشبة المسرح، يقوم قصي قدسية الممثل والمخرج الفلسطيني المقيم في دمشق، بوضع كتاب عن والده زيناتي قدسية كأول ممثل في المشرق العربي يؤسس لفن الممثل الواحد، فن المونودراما.
يقول زيناتي قدسية عن هذه التجربة: إن مسرحية الشخصية الواحدة لم تكن بالنسبة لي مجرد مصادفة، أو نزوة عابرة تملكتني في لحظة واحدة وأردت تنفيذها. ولم أفكر بها من باب الترف الفني. فالمسرح بالنسبة لي قضية، وقضية كبرى، ولم أكن أعاني من عدم الاعتراف بي كممثل، ففي عام 1985 بداية تجربة المونودراما، كنت (شبعان) من الأدوار المسرحية،
ولست مصابا بتضخم الأنا أو نرجسيا إلى الحد الذي توهمه البعض، ولو كنت كذلك لما ساهمت في عشرات العروض المسرحية الجماعية منذ عام 1967 وما أزال، ولما عملت في الإخراج أو الإعداد والكتابة للمسرح الجماعي، ولما ساهمت في أي تجمع أو فرقة مسرحية، ولا اكتفيت بالمونودراما فقط.
إن ما حدث هو العكس تماما، فمنذ عام 1985 ازداد تعلقي بالعمل الجماعي أكثر، وساهمت بشكل محموم في معظم العروض المسرحية بالتوازي مع المونودراما. المسألة ببساطة، أننا عبر (الشخصية الواحدة) نستطيع أن نقول ما لم نقله في العروض الأخرى، وما لا يقال فيها، وذلك عائد إلى الطبيعة الاستثنائية لهذا النوع من المسرح الذي يسمونه(الفردي) أحيانا.
أما من حيث بواكير الفكرة، فقد كان هذا النوع يتجاذب مخيلتي بين الحين والآخر، فمنذ أن بدأت تتسع دائرة معرفتي بالمسرح كنت أتساءل: ألا يستطيع المسرحي أن ينتج مشروعه الفني بمفرده كالشاعر، والرسام، والروائي؟. وكان هذا التساؤل يبدو ساذجا، لأن مجرد طرحه بصوت مرتفع يعني أنني أهدم الركن الأساسي الذي يقوم عليه المسرح بوصفه عملا جماعيا.
كان مجرد الحديث أو مناقشة هذه الفكرة، كأنه ضرب من الخروج على أحد نواميس الطبيعة، ولم أكن أمتلك الجرأة وقتذاك لطرح المسألة علنا، لكنها كانت تنمو في عقلي تدريجيا على مدار السنوات السابقة للتجربة وما رافقها من تجارب قمت بها قريبة الشبه بالمونودراما والتي نجحت فيها بامتياز، مثل مسرحيات: ستربتيز، والغرباء لا يشربون القهوة، وقصة حديقة الحيوان.
ومن ثم تحرر السؤال من صيغته الساذجة إلى صيغة أكثر واقعية، حتى جاء عام 1985 حين ظهرت إلى النور أول تجربة مونودراما خالصة متكاملة تحمل توقيع ممدوح عدوان كاتبا وزيناتي قدسية مخرجا وممثلا.
ثم ينتقل زيناتي قدسية للبحث عن جذور الشخصية الواحدة في التراث العربي فيعتبر أن مسرحية الممثل الواحد، ليست اختراعا أوروبيا خالصا كما يدعون، هي حديثة العهد في عالمنا العربي بصيغتها ومناخاتها الحالية، لكن جذورها الحقيقية تضرب عميقا في تربيتنا الثقافية،
وذاكرتنا الجمعية، ووجداننا العربي قبل أن يتعرف عليها الأوربيون بمئات السنين، بصرف النظر عن اختلاف القوالب والأشكال وصيغ الخطاب، والتي تتغير وتتطور تبعا لمنطق الحياة وتطور العقل البشري والمجتمع الإنساني، ويكفي أن نشير إلى أن (ابن المغازلي) هذا الفنان العربي الأصيل، الذي عاش في نهاية القرن الثالث الهجري،
وكان يقدم عروضه (المنفردة) في حلقات عامة لأهل بغداد والبلاد المجاورة ـ كان (محاكيا) حكاء بارعا، وناقدا لاذعا لشخصيات عصره، بدءا من الخدم وانتهاء بالملوك والسلاطين والأباطرة، مرورا بكل ما يخطر لك على بال من شخصيات في مجال السياسة، والفكر، والقضاء، والتجارة، والنحو، والشعر، والأدب.
فلقد كان كما وصفه المسعودي في كتابه (مروج الذهب) وكان ـ ابن المغازلي ـ في غاية الحذق والحنكة، يضحك الثكلى، ويصبي الحكيم. لنتأمل هذا الحكم النقدي الرائع، والذي أن يحظى أو يوصف به أي ممثل معاصر اليوم في ذلك الزمن الموغل حيث لم يكن شكسبير قد ولد بعد.
أما في الغرب، فلم يكن لها وجود حتى مهّد لها عصر النهضة، ثم جاءت الثورة الفرنسية لتعزز الانعتاق من قيود التقليدية، وولوج عوالم جديدة تتلاءم وتستجيب للأنساق التي خلقتها تلك الثورة وانعكاساتها على المجتمعات الأخرى، ويحضرني في هذا السياق الممثل الألماني (جوهان برانديز) والذي قيل أنه من أشهر فناني هذا النوع من المسرح، وقد يكون أول من تصدى للمونودراما في أواخر القرن الثالث عشر.
والحقيقة على عكس ما قاله بعض الكتاب والنقاد العرب في شؤون المسرح، فان الثورات والانعكاسات الوطنية في أوروبا، والاندفاع الصناعي الهائل، والحروب الكونية والأهلية الطاحنة، والتي مهدت لهيمنة الاستهلاك وتشيئ الإنسان، إضافة للمنجزات الهامة في مجال علم النفس والاجتماع، قد ساعدت الكتاب على الغوص عميقا في أغوار النفس البشرية. كل هذه العوامل وغيرها فتحت الطريق واسعا أمام هذا النوع من المسرح.
بعد ذلك يتحدث زيناتي قدسية عن أهمية المونودراما وجدواها فيتساءل: ماذا يعني أن يكتب(سترندبيرغ) مسرحية بصوت واحد في عام 1881 ؟ وما معنى أن يكتب (تشيخوف) عام 1886 مونودراما بعنوان «عن مضار التبغ» ثم يتبعها بمونودراما أخرى حملت عنوان «أغنية اليتيم»؟ ولماذا يتصدى يوجين أونيل في ثلاثينيات القرن العشرين لكتابة مسرحية لشخصية واحدة بعنوان «قبل الإفطار» ؟
وما الذي يدفع كاتب مثل(صموئيل بيكيت) لكتابة مونودراما تحت عنوان «شريط كراب الأخير» وغيرها؟ وبماذا فكر الأمريكي اللاتيني(بدرو بلوك) حينما كتب مونودراما «أيدي يوريديش» وما الذي كان يعتلج في قلب (جان كوكتو) عندما كتب مونودراما «الصوت البشري»؟
وكذلك ( توفيق فياض) الفلسطيني الذي كتب في السبعينات «بيت الجنون»؟ وممدوح عدوان العربي السوري الذي كتب «حال الدنيا» واستمر في كتابة المونودراما وكذلك «أغنيات» وليد إخلاصي للممثل الوحيد؟ وعز الدين المدني التونسي «رسالة التربيع والتدوير»؟.
أما إن كان هناك أزمة نص في مسرحنا.. فيرى أن الحديث عن أزمة نص مردود على أصحابه، وهذه مسألة مفتعلة ومقصودة في أغلب الأحيان، ومن ثم لا يمنع الأمر من الأخذ بالنصوص الأجنبية إذا كانت مواضيعها تتقاطع تقاطعا بيّنا مع هموم ومشاكل مجتمعنا، وخاصة أغلبيته الفقيرة والمسحوقة ـ لكن التعامل مع نص تربطنا به قرابة متينة،
وله مرجعية ناصعة في الوجدان العربي أمر له الأولوية كعمله على نص « قطعة العملة» لفرحان بلبل وعدة نصوص لممدوح عدوان ومحمود دياب. ثم يطرح زيناتي قدسية الكثير من الأسئلة من مثل: لماذا لم نحقق مسرحاً عربياً بالمعنى الدقيق للكلمة، مثلما نقول المسرح الفرنسي، أو المسرح الانجليزي، أو المسرح الياباني..الخ. وذلك بعدما يزيد على المائة وخمسين عاما على تاريخ النشأة؟.
ثم ما جدوى البحث في تراثنا عما يسمونه بالظواهر المسرحية في المجتمع العربي. والى أين سيفضي بنا هذا البحث المحموم، حتى لو افترضنا وجود مسرح يماثل ذلك الذي جاءنا من الغرب؟. ولماذا يصر بعض الكتاب والباحثين والمثقفين على أن المسرح بشكله الغربي هو(المثال) وهو الذي يجب أن نتمسك به فقط،
وما عداه لغو باطل؟. وهل كانت إنسانيتنا منقوصة ونعاني من خواء روحي وجدب ثقافي وحضاري، وانتظرنا حتى يأتينا إكسير المسرح الغربي لتكتمل إنسانيتنا وتمتلئ أرواحنا ونخصب ثقافيا وحضاريا؟. ألا نملك عبر تاريخنا الإنساني كله، قديمه وحديثه، وسائل تعبير وصيغ ومظاهر احتفالية على اختلافها وتنوعها.
ولماذا نصر على ليّ عنق هذه الصيغ وكسر عمودها الفقري في محاولة يائسة كمقاربتها للشكل المسرحي الغربي؟. وما هي طبيعة اللحظة التاريخية، وحال العالم العربي عامة، ولبنان على وجه الخصوص عام 1846 وما قبلها، أي العام الذي عاد به مارون النقاش من ايطاليا حاملا معه المسرح؟ وهل كان هناك احتياج اجتماعي حقيقي للمسرح أملته ضرورة تاريخية ملحة؟.
ولماذا لوحق ويلاحق الكثير من المسرحيين العرب الحقيقيين، ولماذا يحاربون في لقمة عيشهم، ويغتربون في أوطانهم والمهاجر، ولماذا مات بعضهم على أرصفة الطرقات، ووصل بعضهم الآخر إلى حافة الجنون؟ وسقط بعضهم بالنوبات القلبية وبالجلطات الدماغية ـ مع إيماني بأن الأعمار بيد الله ؟ لماذا لم تساعد الأنظمة العربية المسرحي العربي على الخروج من إطار ما يسمى بالعلبة الايطالية، إلى الأماكن والأبنية المفتوحة على امتداد الأرض العربية، وما أكثرها؟..
بل لماذا يصر المهندس العربي على أن يظل المسرح علبة ايطالية، وفي الدرك الأسفل من البناء، في القبو، أو في قبو القبو؟ في معجم، أو معاجم المسرحيات العربية هناك ثبت لمئات، بل آلاف النصوص المكتوبة! لماذا نتحدث إذن منذ ما يزيد على نصف قرن عما يسمونه أزمة نص، وأين هي هذه النصوص إذا كانت موجودة فعلا؟
ولماذا أصبحنا ستانسلافسكيين أكثر من ستانسلافسكي، وبريشتين أكثر من بريشت، وغروتوفسكيين أكثر من غروتوفسكي، وآرثريين أكثر من آرثر، ومن..ومن. وكيف أجزنا لأنفسنا أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون وقبل أن نتمكن من الإمساك جيدا بالأبجدية الأولى للمسرح بالمفهوم الذي صدروه لنا من الغرب؟.
لماذا قال مارون النقاش: إن دوام هذا الفن في بلادنا أمر بعيد المنال. وأوصى بتحويل المكان الذي أقام فيه عروضه الثلاثة إلى كنيسة أو مكان للعبادة وطلب الغفران؟ لماذا فشلت كل التجارب الجماعية المسرحية، وتفككت على امتداد العالم العربي. وما هي الأسباب التي أدت إلى تراخي محاولات التأصيل والاحتفالية العربية؟
هل سأبدو متطرفا إذا قلت: إنني أشعر بأن تلك اللحظة التي تسلل فيها المسرح إلى بلادنا من الباب الضيق هي لحظة تكتنفها الريبة ويلفها التساؤل والشكوك؟ هل سأبدو محلقا خارج السرب إذا قلت ذلك؟ أليس غريبا أن نستسلم ونبصم بالعشرة للرواد الأوائل، مع احترامي الكبير لهم، مارون النقاش في لبنان،
ويعقوب صنوع في مصر، نبصم بالعشرة دون التدقيق على ماذا نبصم، ثم نجهد أنفسنا على مدار قرن ونصف للوصول إلى هذه النتائج العقيمة، والمفارقة الأغرب أننا ما زلنا مستسلمين ومصرين على أن نجرجر أنفسنا ونلهث في مؤخرة الماراثون المسرحي العالمي؟.
كيف يمكن أن نفهم انهزام مشروع ما يسمى بالمسرح (الجاد) تاريخيا، أمام كتائب الضحك المجاني السمج، والتهريج الممرض، والذي أصبح له في كل عاصمة عربية أكثر من مندوب، وهم يتوالدون اليوم كالدود في الجثة الميتة؟.
وما هي هذه المراحل الذهبية في المسرح العربي أو ما هي طبيعة معدن هذا الذهب العجيب الذي نظّر له البعض وروجوا له بإصرار إعلامي أعجب، وعلى طريقة تحويل الهزائم إلى انتصارات وهمية حتى أصبح مثبتا في أدبيات وأبحاث المسرح؟
هذه التساؤلات وغيرها التي يطرحها الفنان زيناتي قدسية، وهو القابض على جمر المسرح للحوار ـ يريد من المسرحيين العرب أن يتحاوروا فلا نقول (المسرح العربي)، لأنها تسمية كبيرة ومثقلة بالادعاء. ونسبة الوهم فيها تصل إلى حد التوّرم، والأفضل أن نقول (المسرح في الوطن العربي) .
وحين تصبح تربيتنا العربية مهيأة فعلا لاحتضان هذه البزرة الغريبة عن طبيعتها بالمفهوم الثقافي الغربي، وحين تستنبت وتنمو وتكبر، ثم يتحقق التأصيل ونعثر على الهوية الضائعة أو المفقودة! عندها يمكن أن نقول: المسرح العربي وبالفم الملآن.
أنور محمد
*الكتاب:القابض على الجمر
*الناشر:مجموعة ماس الاقتصادية دمشق 2007
*الصفحات:607 صفحات من القطع الكبير