هذا الكتاب من تأليف الكاتبة والفنانة اللبنانية مي غصوب التي توفيت مؤخراً في لندن. وكانت الراحلة قد غادرت بيروت إلى لندن عام 1979، حيث ساهمت في تأسيس «دار الساقي»، ولعبت دوراً في نجاحها واتساع دائرة انتشارها. وانتشرت أعمالها في أنحاء العالم، حيث عرضت مسرحيتها Texterminators على خشبات المسارح في لندن وليفربول وبيروت،
وألفت العديد من الكتب، منها مسرحية «قتلة الكتاب»، وكتاب «ما بعد الحداثة ـ العرب في لقطة فيديو»، و«المرأة العربية وذكورية الأصالة»، و«الرجولة المتخيلة ـ الهوية الذكرية والثقافة في الشرق الأوسط»، و«مزاج المدن»، ومجموعة «حكايات» القصصية، إضافة إلى نشرها العديد من المقالات في جريدة «الحياة» التي تصدر في لندن.
والكتاب الذي بين يدينا، «وداعاً بيروت»، هو عنوان الترجمة العربية لكتاب الفنانة والكاتبة الراحلة مي غصوب باللغة الإنكليزية leavingbeirut ، والذي لا يفي تماماً بما يحمله العنوان الإنكليزي من حمولات الاستمرارية في فعل المغادرة وحركيته.
ومع ذلك، فإن من يقرأ ترجمة الكتاب يعثر على ما يروى من تفاصيل حياة العديد من الشخصيات المتحولة، ويلاحظ أن الكاتبة ترويها في سياق محاولة سبر أغوارها، وعرض ما تحمله من مواقف وأفكار، وسرد بعض الوقائع التي مرّت بها أو عاشت تفاصيلها وأحداثها.
ويستند فعل الروي في أغلب الصفحات على ذاكرة المؤلفة، التي تحاول استعادة زمن ولى. زمن مثخن بالذكريات والحرب والعنف، التي شكّلت حقلاً محايثاً للكتاب، وتركت في نفسها جراحاً لم تلتئم رغم كثرة السفر والترحال،
فلجأت إلى فعل الكتابة ـ ربما ـ كي تعالج آثارها، بالكشف عن ثنايا الأسباب والبنى والظواهر، وتعرية من ارتكبوا أفعال عنف وقتل وقهر بحق الآخرين. وتبدو الاستعادة سبيلاً إلى الكشف عن عوالم ومحطات ملئية بالتأملات والأسئلة التي تنفتح على لبنان والعالم.
إنه لمن الصعب تصنيف كتاب مي غصوب، نظراً لتعدد مداراته وانشغالاته وأسئلته، فهو ينفتح على محطات في السيرة الذاتية، ليفعل التذكر فعله في تسجيل أشياء حفرت عميقاً في مرحلتي الطفولة والشباب اللتين عاشتهما الكاتبة في بيروت وخارجها.
ثم تتسع السيرة الذاتية وتمتد، لترسم بعضاً من عوالم اللبنانيين خلال فترة الحرب الأهلية، وما فعلوه بأنفسهم، وما شيّدوه خلال سنين كثيرة من العيش المشترك. وإذا كانت السيرة الذاتية هي كتابة المرء لحياته الخاصة، أي بوصفها عملية إنتاج السيرة الذاتية كتابياً، فإن نص السيرة الذاتية هو نسخة،
أو وصفاً مكتوباً عن حياة الإنسان/ الكاتب، سمته هي النصية السيرية، التي تتجلى من خلال كتابة بعض تفاصيل الحياة التي عاشها، وتنبثق النصية فيه من نقطة تقاطع الذات مع المعيش والعالم. ويبدو كتاب غصوب أقرب إلى رواية تسجيلية، لما فيه من أبعاد ومستويات متعددة، ولاستناده إلى السرد السيري الخاص، وإلى فعل الروي المتعدد الأصوات الذي يتداخل فيه الخاص مع العام،
حيث نلمس حضور شذرات من سيرة شخصية، يدفعها جرح دفين وخفي، من خلال علاقة التلميذة الصغيرة ابنة الاثني عشر عاماً بمعلمتها «نومي» التي لا تغيب عن أغلب الصفحات، وكأنها الشخصية الدافع والمحفّز لكتابة ونسج مختلف الصور والقصص والحكايات،
ولا تتوقف عن دفعها لتناول العادات والسلوكيات الأسرية والحياتية، بل وتسكن تعاليمها في خلفية رؤية الكاتبة لأحداث لبنانية وعالمية، وحتى في مواقفها من مشكلات أخلاقية وإيديولوجية خبرتها في معمعان الحرب اللبنانية، والتي تمتد إلى خارجها، لتطاول أحداث وكوارث شهدها العام منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتعدد مستويات النظر والتأمل والحكي، ويتداخل الشخصي والعامّ، بالرغم من مركزية المسألة المطروحة، والانطلاق من سيرة شخصية، مع المحافظة على رابط بين قصص الرواية بواسطة خط رفيع يشبكها معاً، ويشبك كذلك الأسئلة والقضايا المطروحة والمواقف، حيث ينفتح متن الكتاب على جملة من القصص والحكايا.
وتبدأ حكاية الراوية من القصة الأولى «ضرب من الجنون»، إذ تخبرنا الراوية بأن الحظ قد حالفها، وتمكنت من مغادرة بيروت، والعيش في بلد أجنبي، بعد أن اجتازت آلاف الأميال كي تعيش بعيداً عن أعمال العنف وشبح الموت الذي ظل يلاحقها. لكن جرس الهاتف رّن، وكان على الخط «أبو فراس»، الشخص الذي أقامت معه علاقة غرامية مشوبة بأخطار الحرب حين كانت في بيروت،
لكنه بعد مغادرة بيروت التي يبدو أنها لم تغادرها أبداً، بات يمثل «الصوت الذي ظنت أنها أخمدته إلى الأبد»، فهي تعيش مع «آلان» في باريس، «ولا يحق له أن يعكر صفو حياتها مجدداً، لأنه ينتمي إلى حرب هربت من ويلاتها، ولا ترغب في استعادة ذكراه».
ويتقدم أبو فراس كمحارب وسياسي مخاتل ومشبوه، يتعامل مع المهربين، ويتستر وراء عمى الايديولوجيا. وكان غرامها به ليس أكثر من وجه من وجوه الحرب التي هربت منها، لكنه حرّك فيها فعل التذكر، الذي ترجع به إلى مرحلة طفولتها، لتقدم الشخصية المركزية أو المحرّكة: معلمتها نومي، أستاذة اللغة الفرنسية، التي أعطتها الدرس الأول الذي لن تنساه في حياتها.
وكان ذلك حين كتبت موضوعاً إنشائياً، حول حادث ترك أثراً بالغاً في حياتها، فحاولت التلميذة إجادة الكتابة على حساب قول الحقيقة، وأن يكون موضوعها متماسكاً قدر المستطاع، فاستوحت أفكارها من قصيدة نظمها «فيكتور هوغو»، وتعرف أن معلمتها السيدة نومي مولعة فيها أشد الولع.
وفي سياق استخلاص العبرة من القصيدة إعادة التلميذة إنتاج درس حكاية أو «أسطورة» قتل «قابيل» لأخيه «هابيل»، والعقاب الذي ظل يلاحقه ويتربص به حتى في القبر، ثم سحبته على عقاب أصدقائها الذين تركوها، ذات مرّة، وحيدة في الغابة وأخافوها، وسخروا من جبنها وبؤسها، وأنهتها بالوعد بأخذها الثأر منهم في القريب.
وتوقعت التلميذة بأن تكون العلامة مرتفعة، لكنها فوجئت بعلامة متدنية، هي عشرة من عشرين، وكان لها وقع الصدمة على التلميذة المجدة، لكن الأقوى من ذلك هو وقع الرد العنيف للسيدة نومي: «إن الرغبة في الانتقام هي أحقر المشاعر الإنسانية، والوسيلة الأكثر جبناً في التعامل مع الآخرين»، والذي تحوّل إلى عبرة لها.
وقد شكل هذا الدرس حول المسؤولية والعقاب مقاماً انتظمت عليه باقي قصص الكتاب، وتحول إلى مسألة أخلاقية وسياسية، تدور رحاها حول التعويل على الأمل، ورفض مبدأ الثأر من الآخر، والميل نحو النسيان بوصفه سمة إنسانية، مع عدم التهرب من تحمّل المسؤولية.
وأخذت هذه المسائل بالنحو منحاً تساؤلياً بشكل ميتافيزيقي، عندما راحت الراوية تتأمل في معايير الحروب، الوطنية والأخلاقية والإنسانية، وتنظر إلى العنف بوصفه صنو القمع والقتل، ولا يجلب أياً منها سوى الدمار والخراب.
ويأخذ الأخذ بالثأر مداه، وتشتد قساوة العنف المضاد، وبصور مختلفة في القصص التالية، التي تتذكرها أو تشيّدها، ففي قصة «بطولة أم علي»، التي تحكي فيها قصة الخادمة لطيفة التي حولتها قسوة المعاملة إلى «أم علي» المحاربة والمقاتلة، لكنها بالرغم من أنها ذاقت الأمرّين على يد من خدمتهم وكان اسمها لطيفة، لم تفكر يوماً في بالأخذ بالثأر منهم بتاتاً، مع أنها كانت تملك القدرة على ذلك.
وفي «جدة ليلى تأخذ بالثأر»، التي تروي كيف انتقمت فدوى من زوجها سالم أشد الانتقام، نعثر على تحول المظلوم إلى ظالم. أما «تحولات سعيد»، فتحكي قصة تحول الولد الوديع سعيد، ابن صاحب بقالية أبي سعيد، إلى قائد مليشيا وقناص يمعن في القتل وتاجر حرب. ويبدو فعل الانتقام في بعض هذه الحكايا أقصى وأفظع من الفعل الذي يُرد عليه.
بالمقابل، يتحوّل الحب في «سلطة كيرستن» إلى موقف سياسي بارد، أو نوعاً من فعل مساعدة وعطف على هاشم المهاجر الإيراني، الذي ينال تعاطف كيرستن السيدة الدانماركية، التي تزوجه، و«ساعدته في كل شيء»، لكنه يستحيل إلى شكل من أشكال العنف الآخر، أي سلطة.
وفي «حين الحقيقة وحدها لا تكفي» تدير الراوية نقاشاً حول أفعال مجرمي الحرب، لا يهمل ما اقترفوه من جرائم بحق الآخرين، لكنه في ذات الوقت يجعلها إشكالية، تقترب المسألة فيها من سؤال فلسفي / ميتافيزيقي. وفي كل ذلك لا تغيب السيدة نومي ودرسها الأول.
عمر كوش
*الكتاب:وداعاً بيروت
*تأليف:مي غصوب
*الناشر:دار الساقي ـ بيروت 2007
*الصفحات:220 صفحة من القطع المتوسط