مؤلف كتاب «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» هو «أبو العباس أحمد بن محمد المقّري التلمساني» المولود في تلمسان بالجزائر سنة 986 هجرية، وقد درس على علماء مدينته، ثم رحل إلى «فاس» بالمغرب العربي، ليواصل دراسته هناك مدة من الزمن، رحل بعد ذلك إلى «مراكش» ليلتقي السلطان «أحمد المنصور الذهبي» أشهر سلاطين السعديين وقمة مجدهم.
ثم عاد إلى «فاس» وبقي فيها خمسة عشر عاماً، حيث تولى الإمامة والخطابة والفتوى والتدريس في جامع القيروان، ثم اتجه إلى المشرق فأدى فريضة الحج «وزار بعد ذلك دمشق» ودرّس بالجامع الأموي. وقد طلب منه علماء دمشق أن يؤلف لهم كتاباً حول سيرة «لسان الدين بن الخطيب» فاستجاب لطلبهم، وألف الكتاب وسماه نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ثم توفي في مصر سنة 1041 هـ ودفن بجوار الأزهر الشريف، وقد ترك لنا اثني عشر مؤلفاً في الشعر والنثر.
أما كتابه «نفح الطيب» فيعد موسوعة تاريخية وأثراً أدبياً هاماً لا يمكن الاستغناء عنه، عند دراسة التاريخ والأدب والجغرافيا الخاصة ببلاد الأندلس. وقد أعطى «المقّري» أهمية كبيرة للجغرافيا في كتابه هذا، فتحدث عن المدن الأندلسية وسكانها، ثم قام بوصف مناخ تلك البلاد، وبين مساحتها وحدد أراضيها وأول من سكنها والواقع أن المدينة هي المكان المستقر الذي يقع فيه الحادث، وفكرة المكان هي أبسط ما توحي به الجغرافيا.
لذلك فإن الحديث عن المدينة أو المكان هو توطئة وتكملة للحادث، وتاريخ الإقليم المحدد، هو تاريخ مرتبط بعضه ببعض في وحدة متكاملة، أي أن الحادث مرتبط أشد الارتباط بمحيطه، أما السكان فهم المتسببون في الحادث، الفاعلون فيه، ودراسة المكان وسكانه تتمثل في الوصف والتعليل. بدأ الكاتب حديثه عن الأندلس: محاسن الأندلس لا تستوفى بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غباره، وأنّى تجارى، وهي الحائزة قصب السبق في إطار الغرب والشرق.
يتطرق المقّري إلى عدة مواضيع مرتبطة بالمدن، كذكر أبعادها والمسافات التي تفصل بعضها عن بعض، كما يتطرق لمحيطها الطبيعي من جبال وأنهار ومناخ، ويذكر أعمال المدن أو القرى، وما يتبعها ويولي أهمية كبيرة لمختلف عناصر الحسن المميزة لهذه المدينة أو تلك، ويتعرض أخيراً لخراب بعض المدن واندثار أثرها.
والمسافات عند الكاتب تحدد بعدد الأيام حيناً، كما هو متعارف عليه في ذلك العهد فيقول: طول الأندلس ثلاثون يوماً وعرضها تسعة أيام، ويقول في مكان آخر ـ نقلاً عن ابن بطوطة ـ وخارجها ـ أي غرناطة ـ لا نظير له وهو مسيرة أربعين ميلاً.
أما في تناوله لسكان الأندلس، فقد ذكر حبهم للعلم والأدب فقد بلغوا شأواً في مجال العلوم والآداب، فقصد الطلبة بلادهم من كل حدب وصوب يستلهمون قبسات من رحيق العلم اليانع وشذاه العطر، فيذكر أن أهل الأندلس هم من أحرص الناس على التميز في فنون العلوم، وأن الجاهل منهم الذي لم يوفقه الله للعلم، يجهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يُرى فارغاً، عالة على الناس.
لأن هذا عندهم في نهاية القبح، والعالم عندهم معظّم من الخاصة والعامة، يشار إليه، وأن سمة العلم والملك متوارثة فيهم، وأنهم أشد الناس اعتناء بخزائن الكتب حتى إن الواحد منهم يملك خزانة كتب قد لا يفقه محتواها، لا لشيء إلا ليقال إن بيته مكتبة، ويورد المؤلف رسالة «الشفندي» في ذكر بعض علماء الأندلس والفنون التي برعوا فيها، وذكر أبطالهم وحروبهم.
أما عن حياتهم الاجتماعية فهي في مقام عال، لهم ولع بإظهار الرفاهية وتخلّف بالآداب، وهم مولعون بالترف والنعيم والمجون ومداراة الشعراء خوف الهجاء، وإن المال عندهم موفور، كما يذكر أن أهل الأندلس هم أشد خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون وما يفرشون.
كما يذكر أن أهل الأندلس عرب في أنسابهم، يتصفون بالعزّة والأنفة وطيب النفس وعلو الهمّة والنزاهة، كما يشير من جهة أخرى إلى بعض خصوصيات أهل غرناطة، كشدة الفضول، وقياسهم على الملوك والتشنيع على الولاة، وقلة الرضا بأمورهم.
وهكذا أصبح كتاب «نفح الطيب» من أبرز المراجع حول الأندلس وأناسها.