يبحث كتاب «نهوض لبنان، نحو رؤية اقتصادية اجتماعية» في السبل الممكنة لتحقيق نهوض اقتصادي واجتماعي في لبنان، انطلاقاً من رؤية للإصلاح، ترى منطلق الإصلاح يكمن في «بناء دولة الكل للكل»، وتعتبر النهوض الاقتصادي والاجتماعي من نهوض الدولة، وأن بناء الدولة يرسّخ الثقة بلبنان. والثقة هي مفتاح النهوض.
وساهم في تأليف الكتاب كل من: روجيه نسناس، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، وكمال حمدان، رئيس القسم الاقتصادي في مؤسسة البحوث والاستشارات اللبنانية، وروجيه خياط، مستشار اقتصادي، ورئيس لجنة السياسات الاقتصادية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتوفيق كسبار، دكتور في الاقتصاد، ومستشار اقتصادي في صندوق النقد الدولي، واستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت،
وروجيه ملكي، مستشار اقتصادي، ورئيس الدائرة الاقتصادية في مؤسسة الدراسات والاستشارات الاقتصادية. كما شارك أيضاً كل من سمير أبي اللمع وسليم إده ومروان اسكندر ولارا بتلوني وزهير برو وعبد الفتاح خضر وانطون مسرّة وسمير نصر.
وسعى مؤلفو الكتاب من خلال كتابهم إلى تقديم مقومات رؤية اقتصادية واجتماعية للنهوض، مع التركيز على موضوعات أساسية ومحددة. وبالتالي حمل الكتاب الروح البحثية التعاونية اللازمة لحلّ المشاكل العديدة في الحقول الاقتصادية والاجتماعية والاقتصادية، وتحقق ذلك بالاستناد إلى فريق عمل واسع الطيف ومتخصص وخبير في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
ويبدو أن المشاركين في وضع الكتاب حرصوا على تقديم خبرتهم وتجربتهم في المجلس الاقتصادي والاجتماعي بصيغة مشروع متكامل، يضمن مشاركة المجتمع المدني، وهيئاته ومؤسساته، في رسم مسارات النهوض، ويقدم النصح والمشورة لمؤسسات الدولة، وللسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تضعها وتقدمها الحكومة اللبنانية.
ويجمل مؤلفو الكتاب التحديات التي تواجه نهوض لبنان، في ثلاثة تحديات أساسية، أولها بناء مؤسسات الدولة بشكل حديث ومنتج والتخلص من شوائب الفساد والهدر والشلل الإداري. وثانيها دعم القطاع الخاص ومواكبته بسياسة إنعاش اقتصادي للحد من مسيرة الركود المتفاقم بعد الحرب.
وثالثها دفع وتيرة النمو بشكل متصاعد ومستدام لخفض الدين العام في المدى المنظور، ولتوفير الاستقرار الاجتماعي وتوفير فرص العمل ووقف هجرة الشباب والكفاءات وتراجع الطبقة الوسطى وانتشار الفقر.
وتنشد هذه الرؤية قيام دولة تعتمد تكافؤ الفرص أمام الجميع، كي تتوافر مشاركة الجميع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن لبنان بلد ديمقراطي، ويتطلب تعزيز التنمية تعزيز الديمقراطية، على أن تأخذ الديمقراطية ومعها الحرية بعديهما حين يلازمهما الخيار المجتمعي، ذلك أن خيار الحرية والديمقراطية والخيار المجتمعي، جميعها خيارات ضرورية لتحصين لبنان في وجه ما يسببه اقتصاد السوق من فوضى، ومن استشراء الطائفية.
وعليه فإن لا نهوض اقتصادياً واجتماعياً بلا وفاق وطني شامل، ولا استقرار اقتصادياً بلا أمان اجتماعي، ولا أمان اجتماعياً على حساب الاستقرار الاقتصادي، ولا إصلاح شاملاً لا يجسّد رؤية متكاملة تجيب عن سؤالين: أية دولة نبني؟ وأي دور للبنان في المرحلة المقبلة؟
ولا شك في أن بناء الداخل اللبناني موصول عملياً بدور لبنان في المنطقة والعالم، لذلك يرى مؤلفو الكتاب أنه ليس بالسياسة وحدها تُبنى الدولة بل بالاقتصاد والتنمية أيضاً. وهذا يستدعي العمل على تنظيم المدن المناطق تنظيماً يضمن التطور المجتمعي الوطني من خلال تكامل الوظائف والمصالح بين الجميع، فيترسخ الاندفاع العام بأن الكل شركاء في الوطن ومن أجل الوطن.
لذلك فإن التوجه إلى بناء دولة الاستقرار والتنمية، يعكس قناعات ثلاثة لدى واضعي الكتاب: أولها، الوفاق الوطني الذي يعد ضرورة لكن يقتضي التماسك حول برنامج عملي وعلمي يفعّل التنمية الشاملة والمتكاملة بين مختلف المناطق اللبنانية كما بين مختلف الطبقات الاجتماعية.
وثانيها، جذب الرساميل من الخارج ضروري لكنه لا يكفي للخروج من الركود إلى التنمية بل يجب العمل على توظيف هذه الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية. وثالثها، فتح فرص العمل أمام الشباب والكفاءات دعامة للتنمية وللحد من الهجرة والبطالة، وهذا يدعو إلى إعادة النظر في واقع التعليم لتخريج الكوادر التي تسهم في تفعيل التنمية.
وفي الجانب الاجتماعي، يهدف مشروع النهوض الاقتصادي والاجتماعي الذي يطرحه مؤلفو الكتاب إلى الإنماء المستدام. ولضمان هذا الهدف لا بد من أن تواكبه شبكة أمان اجتماعي تراعي التوزيع المتساوي والعادل للدخل، وثمة ورشة كبيرة في لبنان من ضروراتها إحياء تكوين الطبقة المتوسطة،
باعتبارها عاملاً مهماً في تفعيل النمو وفي التوازن الاجتماعي. ويتجسد ذلك في عقد اجتماعي يشكل جزءاً من برنامج اقتصادي اجتماعي شامل، بوصفه عقد ثقة يضمن الفرص المتساوية في العمل والصحة والتعليم وضمان الشيخوخة وهو أمر حيوي لتفعيل المبادرة الفردية وتطويرها إلى مبادرة مؤسسية.
في هذا السياق تولي التنمية الرعاية للتربية والتواصل، لا سيما أن اقتصاد المعرفة أكد تراجع أهمية الموارد الطبيعية أمام الرأسمال التقني والإداري، والغاية من تلك الرعاية مزدوجة: ربط المناطق كافة وتوسيع السوق وتحفيز المنافسة التي تطالها السوق اللبنانية، وتعزيز البنية التحتية لاقتصاد المعرفة التي توفر دعامات نمو الاقتصاد اللبناني على المدى الطويل.
ويضع مؤلفو الكتاب خطة عمل لازدهار لبنان، تهدف إلى تنمية اقتصادية متماسكة على المدى الطويل. ويحتاج ذلك إلى تقديم عرض أداء الاقتصادي اللبناني ومشاكله الأساسية، حيث كان الأداء الاقتصادي ضعيفاً على كل الجبهات الاقتصادية عملياً منذ أواخر الحرب، وكانت المشاكل موجودة في بنية الاقتصاد اللبناني نفسه، وهي مستوطنة ودائمة، لأنها موجودة منذ الاستقلال وليست من مخلّفات الحرب.
وخلال تقييم شامل لما حققه الاقتصاد اللبناني منذ 1990، وتقويم منظم مشاكل الاقتصاد اللبناني البنيوية الأساسية، يظهر أن مشكلته تكمن في ضعف إنتاجيته، وبالتالي فإن زيادة إنتاجية العامل اللبناني تعتبر مسألة أساسية لنمو اقتصادي مستدام وللتنمية.
ولا تعالج هذه المشاكل إلا من خلال رفع المداخيل ومستوى الحياة، وفي الوقت عينه، خفض الحاجة إلى حماية الدخل من الرعاية الطائفية والسياسية، وجعل تمويل مكونات العقد الاجتماعي الأساسية عملانياً، بما فيها التربية والصحة وإعانات التقاعد. إضافة إلى إزالة عبء الدين العام، وحمل المصارف مجدداً على تمويل القطاع الخاص بدلاً من القطاع العام.
ويناقش الكتاب بشكل مفصل أهداف التنمية للألفية الثالثة في لبنان، والمحددة في: القضاء على الفقر، وتحقيق تعميق التعليم الابتدائي، وتعزيز مساواة الجنسين وتمكين المرأة، وخفض وفيات الأطفال، وخفض وفيات الأمهات، ومكافحة الإيدز والملاريا وغيرهما من الأمراض، والاستدامة البيئية.
كما يتناول سياسات الدعم الزراعي والسياسة الصناعية ودورها في الحد من البطالة، والسياحة في لبنان، وتوظيف الأموال والتكنولوجيا العالية، وسياسة التبادل الخارجي، ودعم صمود المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع دمجها، وجدولة الديون، ودعم حركة الاستثمار، وسياسات التنمية وأهدافها، والعقد الاجتماعي، وسبل إصلاح النظم التربوية والتعليمية، وإصلاح القضاء، وحماية المستهلك.
وينشغل مؤلفو الكتاب في الكيفية التي تجعل لبنان، ونهوض لبنان، أفقاً جماعياً للتفكير، وفي ماهية السبيل الذي يسعف أبنائه في دولة، تضمن العيش الكريم لمختلف ناسها. لكن اللبنانيين الذي ودعوا حرب تموز، ودخلوا مرحلة تداعياتها وإرهاصاتها، مازالت تسكن في وعيهم حرقة الأسئلة الأولى، فانتابتهم حيرة التفكير، وأعوزهم عسّر الاجتهاد في العمل والإنجاز، لعل أهمها: أسئلة الدولة، والنهوض، والعيش المشترك، والخلاص من الولاءات الطائفية.
ولا شك في أن أي مشروع اقتصادي واجتماعي شامل، يمكن أن ينجح حين يتحول إلى مشروع الدولة، ومشروع المجتمع، أي حين تتأمن مشاركة الجميع في بلورته، وفي الانخراط في تنفيذه، فالخصخصة، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وسوى ذلك، يحتاج وفاقاً جامعاً من القطاعين: العام والخاص، ومن المجتمع المدني، ذلك أن النهوض مسؤولية الجميع.
والملاحظ هو أن واضعي الكتاب، قدموا تصوراً شاملاً لآفاق نهوض لبنان، استناداً إلى رؤية اقتصادية واجتماعية، يمكنها أن تطلق العنان لحوار واسع حول القضايا والمشاكل العديدة التي تناولتها وطرحتها، ويبقى السؤال الملحّ في هذا المجال، هو كيفية جعل هذا المشروع مواكباً لمختلف الاستحقاقات التي تنتظر الحلّ والبتّ فيها، وتنتظر توافقاً وطنياً لبنانياً من أجل لبنان وناسه.
عمر كوش
*الكتاب: نهوض لبنان
*الناشر: دار النهار ـ بيروت 2007
*الصفحات:328 صفحة من القطع المتوسط