في كتابه الأول عن دار الحافظ للكتاب بحلب تحت عنوان «الحاسة السادسة» تطرق الباحث السوري وليد عبد الله زريق إلى دراسة الحاسة السادسة كظاهرة ميتانفسية بين مناظري الباراسيكوليجيا والقرآن، محاولاً تعرية لغز هذه الحاسة والتعرف على طبيعتها وآلية عملها، وذلك بالبحث في قوانين الكون والطبيعة.

وليد عبد الله زريق مدرس سابق في معهد إعداد المدرسين في ادلب وهو متحصل على ماجستير في التربية وعلم النفس، و حالياً يعمل في دائرة التدريب المستمر الخاصة بالتوجيه النفسي، وقد اعتمد زريق في دراسته، المنهج العلمي الفيزيولوجي والنفسي الفلسفي، والديني، طارحاً عدة تساؤلات، منها: هل يوجد مصنع لإنتاج الحاسة السادسة معروفة خلاياه وأماكنها كما الحال بالبنكرياس ذاك المصنع المنتج للأنسولين؟

بدأ الكاتب دراسته التحليلية لهذه الظاهرة ـ الحاسة السادسة ـ بالرجوع إلى التاريخ، حيث أنها عُرفت منذ القدم بأسماء مختلفة تبدلت عبر العصور، ففي العصر الجاهلي سميت بالكهانة، القيافة والعرافة، وفي العصر الإسلامي لبست ثوب التصوف والفراسة والإلهام، أما في عصرنا الحديث سماها علماء النفس بالحاسة السادسة.

وعلى الرغم من اختلاف تسمياتها إلا أن معناها كان واحداً ألا وهو مهارة التعرف على خفايا الأمور وبواطنها من خلال ملامح ومظاهر قليلة وهي خاصية يمتلكها البعض من الناس دون البعض الآخر وقد عرفت في الجاهلية

واستخدمت في تغطية التخمينات والتكهنات، إلا أنها لم تنشط في عصر الإسلام بعد أن عم التصوف والمتصوفين وكانت معرفتهم إلهية ربانية وسميت بالفراسة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله».

ويرى المؤلف بأن الفراسة انتشرت في بلدان العالم أجمع بعد تأسيس مدرستين لها في كل من فرنسا وألمانيا، ثم جاءت نظرية لمبروزوا التي قالت بملامح إكلينيكية سريرية ظاهرة للمتخلف العقلي، وأخرى للسارق، وثالثة لمجرم القتل، ورابعة للمنحرف جنسياً.

وتم استبدال الفراسة بتسمية جديدة وهي «الحاسة السادسة»، وذلك من قبل عالم النفس الفرنسي تشارلز، ومما قاله في ذلك: «إن أناساً سريعي الإدراك ويمكن أن يصلوا إلى هدفهم بسرعة دون أن يستخدموا حواسهم المعروفة».

وتطرق زريق إلى طبيعة الحاسة السادسة التي سلكت فيها الدراسات منهجين: المنهج المادي من خلال طريق علمي فيزيولوجي.المنهج المعنوي من خلال طريق فلسفي نفسي. واستعرض الباحث آراء كل من المنهج المادي الذي يذهب إلى أن التواصل قد يحصل بين دماغين ينتهي بمعرفة يشارك في صياغتها الفكر والشعور،

وإن هذا الفكر والشعور وما يلحق بهما من عمليات معرفية إنما تنحصر داخل المجموع العصبي الدماغي للإنسان. أما أنصار المنهج المعنوي فيرون أن بإمكان الفكر أن يمتد في عالم لا محدود فيلتقط إحساسات بصرية وسمعية ولكن ليس عن طريق العين أو الأذن وهذا إن دلّ على شيء فيدل على جانب يكاد يكون غير معروف من أنفسنا ويدعم أو ينمي عالم «ما وراء النفس».

وسلط الكاتب الضوء على دراسة العالم الفرنسي مايرز الذي عاش بين 1843 ـ 1901 الذي أكد تسمية الحاسة السادسة، وحددها على أنها معرفة تحصل بطريق خارق لما هو مألوف ومعتاد ومخالف للقوانين الطبيعية وتم دون استخدام أي من الحواس الخمس المعروفة.

وحول تعريف الحاسة السادسة، يذهب مؤلف الكتاب إلى أنها: معرفة غير عادية تحصل من خلال انتقال التأثيرات من شخص لآخر ودون الاستعانة بأي من المسالك الحسية المعروفة كما وترافق بحركات ذرية داخل العقلين المشتركين فيها (المرسل والمستقبل) ويعتبر بأن الوجدانيات (مشاعر المحبة، الكره، والخوف) هي من أكثر الظواهر توارداً في مواضيع الحاسة السادسة.

وفي سياق آخر استعرض الكاتب تضمن وشمول الحاسة السادسة معتبراً إياها وسيلة معرفية كأي حاسة من الحواس الخمس ولكنها مجهولة الهوية وهي ظاهرة من ظواهر الإدراك الحسي، وظاهرة باراسيكولوجية من الظواهر الخارقة لما عرف من نواميس الطبيعة والحياة.

أما عن شمول مفهومها، فيعتبره المؤلف مندرجا في كل ظاهرة أو حادثة تولد معرفة غير محددة الهوية وتنتمي إلى الحقل الباراسيكولوجي، وقسمها إلى: وينقلنا زريق في فصل آخر له، إلى رؤى وافتراضات في تفسير الحاسة السادسة، مشيراً إلى الافتراض كون الحاسة السادسة هي تخاطر أو معارف تحصل من خلال التخاطر وأن هذا التخاطر يمكن أن يحصل بشكل عفوي ويمكن أن يحصل بشكل موجه

وأنه في كلتا الحالتين يحصل على الوظائف النفسية السوية للعقل البشري والتي يصعب تحديدها في حتى الآن، وأضاف إليها رؤية الاستبصار واكتشاف مخبآت الأرض الموجودة ولكن لدى بعض الناس دون بعضهم الآخر وأنها تولد معرفة مجهولة الهوية فيما يخص باعثها والطريق الذي سلكته وكذلك فيما يخص دور العقل في تحصيل هذه المعرفة وأن المعرفة المتشكلة عن هذا الطريق هي مما يطلق عليه الآن حاسة سادسة.

ويرى أن الحاسة أوجدها وبعثها الله فيمن يشاء من عباده لحكمة يريدها هو، وقد يكون المنح بطريقتين، مباشرة وغير مباشرة، كما استعرض المؤلف الرؤية البيولوجية طاقة الدماغ في تفسير الحاسة السادسة مؤكداً على وجود أساس بيولوجي لإنتاج الفكر والمعرفة والشعور والتي منها معارف الحاسة السادسة

والذي أثبتته الدراسات الأخيرة التي أجريت حول طاقات الدماغ والعقل البشري، بحيث يرسل الدماغ موجات كهربائية ساكنة وموجات مغناطيسية تجمع خصائص من هذه وتلك وأنه يستقبل مثل هذه الموجات ومتعامل معها ويترجم معطياتها إلى شعور معرفة مباشرة.

كذلك فقد ثبت أيضاً أن الدماغ يرسل ويستقبل موجات إشعاعية ثم يقوم بترجمة معطياتها. من جهة أخرى، يسلط الكاتب الضوء على جانب آخر وهو رؤية الموجات الكهراطيسية في تفسير الحاسة السادسة، ذلك لأنه يخص الدور الذي تؤديه موجات الدماغ وذبذبات المخ في نقل معارف الحاسة السادسة والتي تنبعث خلال الانفعالات النفسية، وتتسبب في تبادل تخاطري بين شخصين مستخدمة في ذلك حقول القوة التي تلف كل شخص.

ويؤكد زريق على أن هناك معارف تنتج عن موجات وذبذبات يرسلها ويستقبلها الدماغ البشري إلى ومن دماغ بشري آخر يكون قد ولّف على نفس التردد.وبخصوص كيفية حصول عملية التواصل، يجيبنا المؤلف موضحاً: يجلس الشخص المرسل مرتاحاً ويركز انتباهه ويستجمع قواه النفسية موجهاً إياها نحو الشخص المرسل إليه

ثم يستحضر صورته ويبدأ الحديث معه وكأن الأمر شاهد شاخص أمام عينيه آنذاك وبالاستناد لمعطيات جهاز رسام الدماغ الكهربائي، تنطلق موجات كهراطيسية محملة على تردد معين إلى دماغ المرسل إليه فتدخله وتحدث اهتزازات فيه منبهة بذلك دائرة الانتخاب في هذا الدماغ، عندئذ تقوم هذه الأخيرة بتصنيف هذه الاهتزازات

وترجمتها إلى حالات شعورية تخص نفس المعنى الذي حملته وتضع الشخص المتلقي في صورة أحداث ووقائع يتفاعل معها ويستجيب لها ويقوم بدوره بإرسال مماثل ـ وهو واثق من المصدر الذي أتت منه وإخلاصه ـ وفي مكان من الفضاء الخارجي

يحصل تداخل وتفاعل بين الموجات المرسلة من كلا الشخصين فتنصهران على تردد واحد ووفق معنى واحد وحول فكرة مركزية واحدة تستخدم فيها مفاهيم محددة يتجاوب معها كلا الطرفين وقد تترك تواصلاً يسمى «كنتيجة» معارف الحاسة السادسة.

الكتاب يجيب على أسئلة كثيرة لمحاولة الكشف عن الأسرار والألغاز المحيطة بهذه الظاهرة التي عجز العلم عن إيجاد تفسيرات لها على الرغم من الدراسات والتجارب التي أجريت لتفسيرها، ومعرفة مصدرها لتبقى الحاسة السادسة من معلومات الغيب النسبي ـ التي يطلع الله من يشاء من خلقه عليهاـ

تخبأ في طياتها لغز لا يدري فك رموزه إلا الله، وقد سلم علماء الباراسيكولوجيا الذين نهجوا المنهج المادي الفيزيولوجي بوجود قوة داخل النفس البشرية لا تزال التكنولوجيا المعاصرة تجهلها إلى اليوم ولا يمكن تحديد طبيعتها أو قوتها أو اتجاهها.

مما يثبت وجود إعجاز علمي إلهي رباني علوي يكمن في هذه النقطة، مبرهناً عليها القرآن في إبقاء الكثير من الآيات والحجج والبراهين قائمة في النفس البشرية، فقال تعالى: «سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق».

ناهد رضوان

*الكتاب: الحاسة السادسة

بين مناظري الباراسيكولوجيا والقرآن

*الناشر:دار الحافظ ـ حلب 2006

*الصفحات:160 صفحة من القطع المتوسط