بول بيرمان هو أحد أشهر الكتّاب الأميركيين الذين ينضوون في إطار «اليسار الجديد». ساهم على مدى عدة سنوات في الكتابة عن السياسة والأدب في العديد من المطبوعات الأميركية مثل «النيويوركر» و«نيو ريبوبليكا» و«مجلة الكتب» لنيويورك تايمز. وهو أيضا مؤلف العديد من الكتب من بينها كتاب «الإرهاب واللبرالية» الذي نال شهرة كبيرة و«اليوتوبيتان الجديدتان: الرحلة السياسية لجيل 1968».
في هذا الكتاب «السلطة والمثاليون» يعود المؤلف إلى نقاش إرث جيل 1968، وهو يقصد بذلك جيل اليساريين الذين كانوا وراء، وكانوا أيضا محرك، الأحداث التي شهدتها فرنسا في شهر مايو من عام 1968 والمعروفة ب«ثورة الطلبة». تلك الأحداث لم تقتصر آثارها على أوروبا وإنّما شكلت في الواقع تيارا عريضا له امتداداته الأوروبية والعالمية.
لكن هؤلاء اليساريين «المتمردين» عادوا ودخلوا عمليا في آليات السلطات التي ينتمون لها. ومن أبرز هؤلاء دانييل كوهن بنديت، العضو في البرلمان الأوروبي حاليا، وبرنار كوشنر، الوزير الفرنسي السابق والمناضل في صفوف العديد من المنظمات الإنسانية غير الحكومية، والفيلسوف الفرنسي أندريه غلوكسمان، الذي كان ينادي في السياق «الثوري» لأحداث 1968 ب«القضاء» على الرأسمالية،
وإنما الذي كان من أشرس المؤيدين في فرنسا للحرب الأميركية ـ البريطانية على العراق عام 2003 ولم يتردد في الانضواء تحت راية جورج دبليو بوش، «عصابة الأربعة» هؤلاء يطلق عليهم المؤلف صفة «اليسار المناهض للتوتاليتارية».
وما يميّز مسيرة هؤلاء «المثاليين»، «الطوباويين» إنهم كانوا في بداياتهم «على يسار اليسار». ولم يكن أقلهم «تطرفا» غلوكسمان «الماوي» ـ نسبة إلى ماوتسي تونغ ـ ويوشكا فيشر، الذي كان لا يتردد في الاشتباك مع رجال الشرطة في شوارع فرانكفورت. لكنهم ابتعدوا جميعهم عن الأطروحات اليسارية المتطرفة ل«اليساريين الفاشيين»، حسب التسمية التي أطلقها الفيلسوف الألماني الشهير جورجن هابرماس على اليسار المتطرف.
ويشير المؤلف إلى أنه هو نفسه ابن مهاجر كان قد قدم إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل قرن من الزمن. وكان والده يعمل في قطاع صناعة النسيج كعامل بسيط. وكان نقابيا واشتراكيا. هكذا وجد الابن نفسه متجها «بشكل طبيعي» نحو اليسار الديمقراطي،
وساهم أثناء حياته الجامعية في صفوف «اليسار الجديد» الذي كان آنذاك أكثر «راديكالية» من اليسار «التقليدي». لكنه «سرعان ما تمرّد على المتمردين» حسب تعبيره، وذلك في إطار حركة ضمن اليسار الجديد لم تكن تبخل أبدا بأشكال نقدها ضد الشيوعية الماركسية ـ اللينينية. باختصار لقد جنح نحو الفوضوية.
هذا الكتاب هو في صميمه تأريخ للحركة التي قامت وتولدت وترعرعت حول أحداث 1968. كما أنه كتاب في السيرة الذاتية لمؤلفه. ولكن ب«الوساطة»، أي عبر كتابة «سيرة» أربع شخصيات أساسية في تلك الأحداث تنضوي كلها تاريخيا تحت لافتة «اليسار الجديد»،
أو ما يسميه المؤلف بحركة «مناهضة للتسلط». ويعتبران السمة الأساسية التي ميّزت هؤلاء عن غيرهم من أهل اليسار هو إصرارهم على الاختلاف بل و«الاستقلالية » حيال آراء الأغلبية الساحقة من المحيطين بهم. ولم يكن ذلك الموقف بعيدا في عمقه عن تبنّي قاعدة «خالف تُعرف».
إن الصورة التي يرسهما المؤلف ل«يوشكا فيشر»، الوزير الألماني السابق، على مدى أحد فصول هذا الكتاب، تقدمه كممثل وكرمز سياسي لجيل من الشباب الأوروبيين، وخلفهم الأميركيون، ممن تمرّدوا على قيم مجتمعاتهم. كما يبدو «فيشر» مثالا جليا لأبناء ذلك الجيل الذين انتقلوا من أقصى اليسار إلى الانخراط في آليات الدولة «اللبرالية» إلى هذا الحد أو ذاك.
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى صورة نشرتها مجلة ألمانية عام 2001 ويبدو فيها يوشكا فيشر وهو «يشن هجوما شرسا» على رجل بوليس. كان ذلك في عام 1973. لقد أثارت تلك الصورة ردود فعل كبيرة في ألمانيا، بل في أوروبا كلها، بسبب موقع المسؤولية الذي كان يتولاه صاحبها عندما نشرتها تلك المجلة الألمانية.
«فيشر» الشاب المتمرد الشرس، «تحوّل» من مواقع التطرف إلى الانخراط شيئا فشيئا في الحياة السياسية الألمانية. هكذا وجد نفسه في صفوف الخضر. ثم تولّى بعد فترة قصيرة مسؤوليات قيادية في الحركة. وكان هو نفسه الذي دعا إلى ضرورة تخليها عن مقولات «تبعدها» برأيه عن الفعل السياسي،
وفي مقدمتها المقولة التي تجعل من مناهضة النازية ومناهضة الإمبريالية» لا تكون بترك «الساحة» لها وحدها. وإنما بالأحرى عبر الانخراط في المعركة السياسية و«النضال» من داخل آليات السلطة. وعلى أساس هذه الأطروحات الجديدة، كان يوشكا فيشر هو العامل الأساسي في تحول حركة الخضر «أنصار البيئة» الألمانية إلى حزب داخل في ائتلاف حكومي مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في ظل المستشار «غيرهارد شرودر».
ويعود المؤلف في حديثه إلى مطلع سنوات التسعينات حيث كانت أحداث البلقان في أكبر مراحلها دموية. عندها أعلن «فيشر» أن تجربته ومسيرة حياته تدعيانه إلى المطالبة ب«الوقوف ضد الحرب، أية حرب» وعدم القبول بأي عنف يقوم على قاعدة الاختلاف الاثني أو العقائدي.
ولم يتردد في ذلك السياق بالدعوة إلى ممارسة «حق التدخل العسكري الإنساني» في يوغسلافيا السابقة، من أجل وضع حد لقتل المدنيين وحيث كانت عملية «التصفية الاثنية» تتبدّى ملامحها بوضوح في منطقة «كوسوفو»وتستهدف مواطنيها من المسلمين.
ولا يتردد «بول بيرمان»، مؤلف هذا الكتاب في القول ان العملية العسكرية التي قامت بها الدول الغربية تحت راية الحلف الأطلسي تمثل «ذروة» حقيقية في التحول «الراديكالي» لجيل 1968 الذي لم يكن قد دخل إلى آليات السلطة فحسب وإنما أصبح له موقعه «القوي» فيها.
كما أصبح يسعى للاعتراف بمكانته في إطار التراتبية الاجتماعية السائدة والتي كان قد رفضها، جملة وتفصيلا، في بداياته «الثورية». ومن المثير للانتباه، بل للدهشة، أن برنار كوشنر، الرمز «الثوري» الآخر السابق، هو الذي كلفته منظمة الأمم المتحدة كي يشرف على إعادة تعمير منطقة كوسوفو المخرّبة.
تجدر الإشارة أيضا إلى أن مؤلف هذا الكتاب كان قد أمضى عدة أشهر في برلين، حسبما يقول، قبل الشروع بتحريره. هكذا عايش عن قرب حالة حركة أنصار تيار 1968 الألمانية. وهو يدرس في هذا السياق آليات تطور موقف الشبيبة الألمانية كلها منذ الحرب العالمية الثانية. ويرى أن الجيل الأول منها، بعد تلك الحرب، قد تمرّد ضد جيل آبائه بسبب مشاركتهم في «المشروع الهتلري».
كذلك كان ذلك الجيل الأول، قلقا حيال منظور مستقبله الذي رآه غير واضح على خلفية الدمار الذي خلفته الحرب والضغوط الخارجية التي تحيط بالبلاد، لاسيما الأميركية منها. في مثل هذا السياق لاقت أفكار 1968 الثورية قبولا لدى الشبيبة الألمانية بغية الخروج نهائيا من حالة «الانسداد» التي كان يعتقد الشباب الألماني بوجودها.
وفي المحصلة يرى مؤلف هذا الكتاب، أن حركة 1968 الألمانية قد لعبت «دورا إيجابيا»، رغم ما رافقها من تجاوز وعنف أحيانا، في عملية التحول الديمقراطي الذي عرفته ألمانيا الغربية «الفدرالية» بعد التقسيم أثناء الحرب العالمية الثانية.
وحيث كان ذلك «التحول» أحد الأوراق الرابحة الرئيسية. في مسيرتها التطورية اللاحقة، وتقديم «نموذج» ناجح حلم به «الأشقاء» الألمانيون الشرقيون وصولا إلى تحقيقه وإعادة توحيد الأمة الألمانية. إن هذا الكتاب يركز بشكل خاص على دراسة «أهواء فيشر» ومن خلاله على العالم السياسي الألماني منذ عام 1968.
وهو ذو طابع «وصفي» غالبا ويقدم رؤية شاملة مفيدة جدا للقارئين الأميركيين وغيرهم، حول ألمانيا في نهاية عقدي الستينات والسبعينات الماضيين واللذين يعتبرهما المؤلف، «تأسيسيين» بالنسبة لما آلت إليه الأمور لاحقا. ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات لدراسة مواقف «فيشر» ورفاقه السابقين، حيال الحرب الأميركية ـ الانجليزية الأخيرة على العراق.
ويؤكد على رفضه لكل التبريرات التي قدمتها إدارة جورج دبليو بوش لتدخلها العسكري مما أثار ضده موجة من النقد العنيف في الصحافة الأميركية. واتخذ دانييل كوهن بنديت، موقفا قريبا. هذا عكس كل من اندريه غلوكسمان وبرنار كوشنر اللذين «دعما الإطاحة بالدكتاتور العراقي بواسطة السلاح».
حول هذه الحرب كان مفترق الطرق الحقيقي بين رفاق 1968 في الأمس، وهذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول: «إن تاريخ جيل 1968 انتهى بالتأكيد في بغداد عام 2003».
*الكتاب:السلطة والمثاليون
أهواء يوشكا فيشر ونتائجها
*الناشر:نورتون وشركاء ـ نيويورك 2006
*الصفحات:310 صفحات من القطع المتوسط
Power and the idealists the passion of Joschka Fischer and its aftermath
Nort nd Company - New York 2006
p.310