تدور هذه الرواية القصيرة، الأقرب في قالبها الفني إلى «النوفيللا»، حول لقاءات تتم في طوكيو خلال الساعات المفعمة بالسحر الممتدة من منتصف الليل حتى الفجر، وهي تأخذ بلب القارئ بالقوة نفسها التي نجدها في أبرز روائع مورا كامي، وفي مقدمتها «الغابة النرويجية» و«كافكا على الشاطئ».

في صميم الرواية نجد أختين، هما «إيري»، وهي عارضة أزياء تشق طريقها إلى النسيان عبر الاغفاء و«ماري» وهي طالبة شابة تقاد من العكوف في عزلة على القراءة إلى أناس تعد حياتهم غريبة تماماً عن حياتها، وهناك أيضاً عازف على الترومبون، يزعم أنهم قد التقوا من قبل، وهناك مديرة لـ «فندق للعشاق» وطاقم العاملين لديها، بالإضافة إلى غانية صينية تلقى معاملة بالغة السوء من أحد رجال الأعمال.

«أهل الليل» هؤلاء تطاردهم أسرار واحتياجات تجتذبهم سوياً بقوة أكبر من الظروف التي تفرق بينهم، وسرعان ما يتضح أن اغفاء ««إيري» الذي يربطها على نحو غامض برجل الأعمال الذي تفرض جرائمه نفسها عليه سوف يعيدها إلى تألقها أو يقضي عليها.

تنتقل رواية «بعد الظلام» من الدراما الساحرة إلى التكهن الميتافيزيقي، محققة التداخل في نسيجها بين الزمان والمكان والذاكرة والمنظور، ومحولة هذا كله إلى استكشاف لدور الإنسان وإلى تمازج بين التعبير عن الذات والتقمص العاطفي، بين قوة الملاحظة ونطاق التعاطف والحب. وما يقدمه موراكامي عادة من مرح وبصيرة نفسية وقوة الروح والأخلاق يتم تقطيره هنا باقتدار فذ ومتناغم.

وشأن كل كتب موراكامي السابقة، حظيت رواية «بعد الظلام» باهتمام كبير من جانب الصحف والمجلات الغربية بعامة والمطبوعات المتخصصة على وجه التحديد. في هذا الإطار، أشارت مجلة «ببلشرز ويكلي» إلى أن رواية موراكامي الثانية عشرة مسلية على نحو سوداوي،

وتقع أحداثها على امتداد سبع سنوات من إحدى ليالي طوكيو، وتحقق تداخل ثلاث قصص مترابطة على نحو بعيد، تجمعها معاً مصادفات موراكامي العبثية ذات الطابع الواقعي السحري، فعندما يدخل عازف الترومبون الذي سيغدو لاحقاً طالب الحقوق تتسويا تاكاهاشي إلى مشرب دينيز، يصادف ماري اساي ذات التسعة عشر ربيعاً جالسة بمفردها، وهكذا يتعارفان.

وقد كان تتسويا مهتماً في وقت من الأوقات بإيري، الأخت الكبرى الحسناء لماري، بينما هذه الأخيرة عادية المظهر، وكان قد خطب ودها بشكل من الأشكال قبل صيفين، ثم ينتقل موراكامي بالقارئ إلى إيري الغافية فيما يتبين أنه نوع من العالم السفلي الحافل بالنذر.

ويغادر تتسويا للتدريب مع فرقة موسيقية، ولكن سرعان ما تحضر كاورو، وهي امرأة في الثلاثينيات من عمرها، إلى مشرب دينيز لتسأل عن ماري، لأن ماري تتحدث اللغة الصينية، وهذه المرأة كاورو تحتاج إلى الحديث مع الغانية الصينية التي تعرضت لتوها للضرب المبرح في «فندق عشاق» قريب تديره كاورو.

وتشير «ببلشرز ويكلي» أيضا إلى أن القارئ لابد له من التوقف طويلاً عند النظرات التي يلقيها موراكامي على حياة إيري الغافية ومهاجم الغانية، ويتواصل الحوار بين تتسويا وكاورو وأحد العاملين في الفندق ويدعى كوروجي على امتداد الكتاب حتى حل العقدة الغامض والملتبس والسعيد إجمالاً.

أما مجلة «لايبراري جورنال» فإنها تشير ـ في إيجاز ـ إلى أن موراكامي يرسم صورة لطوكيو عبر أهل الليل فيها، وفي مقدمتهم عارضة الازياء إيري وأختها الجادة ماري وعازف ترومبون وغانية صينية وغيرهم كثير.

وتلتقط مجلة «كيركوس» طرف الخيط هذا، على وجه الدقة، فتشير إلى أن الغرباء ومن تعارفوا بمحض الصدفة يلتقون على السواء ويتجاوز بعضهم بعض خلال الساعات المتأخرة من ليل طوكيو في رواية موراكامي الجديدة.

ومن منظور «كيركوس»، فإن شخصيات «بعد الظلام» هي بمثابة سفن مبحرة في الظلام تقل حمولات من الانفعال المقموع والرغبات التي لم تتحقق، ومن هنا فإن التفاعلات بين هذه الشخصيات تقدم نصاً روائياً مقتضباً مختلفاً تمام الاختلاف عن أعمال الروائي الياباني الملحمية الغريبة مثل «كافكا على الشاطئ» وأقرب إلى حكاياته عن الحب غير المتبادل والذي يضل طريقه، مثل «الغابة النرويجية».

هذه الرواية تبدأ في حوالي منتصف الليل مع قيام عازف الترومبون الشاب تاكاهاشي بفرض نفسه على الطالبة الجامعية ماري فيما هي عاكفة على الدراسة في مشرب دينيز الذي يفتح أبوابه طوال الليل. وعلى الرغم من أنه يتذكر أنه سبق له أن التقاها خلال تودده إلى أختها الحسناء إيري،

إلا أن ماري تبدو لا مبالية، إلى أن يقنعها تاكاهاشي الذي يدرك أنها تتحدث الصينية بمساعدة صديقته كاورو، التي تدير «فندق عشاق» يفتح أبوابه طوال الليل في مد يد العون إلى غانية صينية تعرضت لضرب وحشي من أحد زبائنها.

هذه الشخصيات التي تم تجميعها على هذا النحو لا تلبث أن تتفرق في وقت لاحق، مع تركيز رواية موراكامي الذي يتمتع بحضور كلي بالتبادل على شيراكاوا الذي ضرب الغانية الصينية وإيري التي تغفو في رقاد لا تفيق منه إلا عشوائياً ولوقت قصير والتي ترتبط حالتها على نحو غامض بشيراكاوا،

وهذا الارتباط لا يتم تفسيره بصورة كاملة قط، مع قيام الساعات الليلية الموغلة في مسيرتها بإدخال من يعانون من الأرق في محور حياة بعضهم البعض وإخراجهم منها، وتوالي التفاصيل الواقعية لحبكة موراكامي الملغزة والغامضة لتوحي لنا بأن حياة كل منا مرتبطة بحياة الآخرين أشد ما يكون الارتباط.

وتظل «بعد الظلام» رواية جديرة بالقراءة حقاً، باعتبارها عملاً درامياً يدور حول الانقطاع والاغتراب والجوع إلى التواصل بين البشر والاستراتيجيات التي نفلح جميعاً بمقتضاها في اجتياز مسيرة الليل، أياً كان مدى وحشيته وافتقاره للإنسانية.

عندما يعود الصمت

«يتناهى إليَّ من بعيد صوت سيارة تقترب. إنها شاحنة صغيرة من طراز داتسون ذات الدفع الرباعي، من النوع الذي له إطارات ضخمة وهيكله مرفوع إلى أعلى. وبدا أنها لم تغسل منذ نصف عام على الأقل. كانت هناك ألواح تزلج طويلة مستعملة جيداً. تمهلت الشاحنة في سيرها، حتى توقفت تماماً أمام الدار. عندما توقف المحرك عاد الصمت.

فتح الباب وترجل منها شاب طويل القامة، يرتدي قميصاً رياضياً أكبر من مقاسه، من طراز (نوفير)، ملطخ بالزيت، وسروالاً قصير كاكي اللون، وينتعل حذاء رياضياً، بلى، وقدم العهد به. بدا في حوالي الثلاثين من العمر، عريض المنكبين، وقد لوحته الشمس، وبدت لحيته لم تحلق منذ ثلاثة أيام، وكان شعره مسترسلاً بحيث يغطي أذنيه. وأحسب أن هذا هو شقيق أوشيما الأكبر، الذي يدير متجراً لأدوات التزلج على الماء في كوتشي».

*الكتاب:بعد الظلام

*الناشر: الفريد نوف ـ نيويورك 2007

*الصفحات: 208 صفحات من القطع المتوسط

After Dark

7002.Y.N -fponk.A

802.p