مايكل بولان صحافي أميركي معروف بمساهماته في «النيويورك تايمز»، لكن شهرته الكبيرة في الولايات المتحدة الأميركية بل وخارجها ترجع إلى الكتب التي قدّمها في ميدان علم اجتماع التغذية والعلاقة مع الطبيعة والتي وجدت مكانها في عداد قائمة الكتب الأكثر مبيعا في أميركا مثل علم نبات الرغبة: هذه النباتات التي تسحرنا ومعركة الغذاء» الخ.
هذا الكتاب الجديد «معضلة النهم» حظي أيضا منذ صدوره بإقبال كبير من طرف القرّاء الأميركيين، ذلك أنه يعالج مسألة حيوية تمثلها ظاهرة السمنة المتفشية في بلاد العم سام. إنه كتاب إذن عن النظام الغذائي الأميركي، أو بالأصح حسب تعبير المؤلف نفسه الفوضى الأميركية القومية في الطعام.
والمسألة أبعد من مجرد وجبات عشاء وغداء، إذ أنها مسألة مصانع ومجموعات ضغط وحقول ذرة «مهيمنة».هذا الكتاب يخص إذن العادات الغذائية لدى الأميركية، ولكن أيضا عن «الاقتصاد الغذائي» الأميركي والأعباء الكبيرة التي يحمّلها على كاهل الميزانية العامة للبلاد.
ويبدأ المؤلف حديثه عن معضلة النهم والنهمين في أميركا بالتأكيد على مفارقة غريبة وعميقة، تقول أن الأميركيين يمثلون الشعب الذي يتناول غذاءه بأسوأ طريقة في العالم رغم الوفرة الكبيرة التي يتمتع لها، بل وإلى حد كبير بسبب هذه الوفرة،
بينما أن الفرنسيين لا يزالون يحافظون على موهبتهم الكبيرة في «تذوق الطعام» والتلذذ بحوالي أربعمائة صنف من الأجبان دون أن تظهر بينهم نسبة كبيرة من أولئك الذين يعانون من السمنة المفرطة مع ما يترتب عليها من أمراض وآفات تصيب تصيب القلب والبدن كله.
المسألة لا تتعلق بمجرد »فهم» و«شره» حيال الأطباق الشهية، وإنما هي في عمقها مسألة ثقافية تصنع الفرق بين الفرنسيين، والأوروبيين عامة، الذين يملكون «معارف» تكدّست عبر الزمن من خلال العلاقة التي أقاموها مع الطبيعة المحيطة بهم
بينما أن الأميركيين يفتقرون إلى مثل تلك المعارف، لاسيما وأن الوسط الطبيعي المحيط بهم لا ينتمون له تاريخيا. أي بهذا المعنى يرى المؤلف أن المشكلة هي ذات طبيعة «بنيوية» إذ أن المهاجرين الأوائل والسلالات التي أعقبتهم تصرّفت بقدر كبير من اللاعقلانية حيال الطبيعة واستغلال مصادرها.
ويحدد مؤلف هذا الكتاب القول إن الأميركي المعاصر أصبح اليوم يعيش وسط صراعات و«إغراءات» متناقضة. فمن جهة تزداد كمية «المعروضات» من منتوجات الصناعات الغذائية المتنوعة، ويتم تقديمها أجمل تغليفا وتعليبا مما يزيد من شهيتها.
هذا فضلا عن أن المنافسة في الأسواق أدّت إلى تخفيض الأسعار أكثر فأكثر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك التحذيرات التي يصدرها الأطباء من أخطار البدانة والسمنة وما يترتب عليها من أمراض القلب والسكري وحتى الأمراض المستعصية. هكذا يجد الفرد الأميركي نفسه أمام وضع جديد لم تعرفه البشرية عمليا طيلة تاريخها الطويل. هذا الوضع يسميه المؤلف بـ «معضلة النهم» المرتبطة بالوفرة.
ويشير المؤلف إلى أن نمط الحياة الأميركية القائم على مفهوم الوصول بالإنتاج، وبالتالي بالكسب، إلى أقصى درجة ممكنة، ولّد الظاهرة المعروفة جدا في أميركا والتي انتشرت منها إلى العديد من أصقاع العالم، أي مطاعم الوجبات السريعة والتي تمثل سلسلة مكدونالد أشهر رموزها.
وما يتم تأكيده، بالاعتماد على تحقيقات دقيقة للمأكولات التي يتم استهلاكها في هذه المطاعم انطلاقا من المخابر التي وصولا إلى مواقع الاستهلاك. النتيجة التي يتم التوصل إليها هي التأكيد على أن الوجبات السريعة المعنية تفتقر إلى التوازن الغذائي المطلوب حسب القواعد الصحيّة المدروسة.
لكن الخطورة في السلوك الغذائي السيئ، لاسيما التهام كميّات كبيرة من النشويات والدهون، كما هي الحالة بالنسبة لشرائح واسعة من الأميركيين تتمثل في تجاوز المسألة الفردية كي تغدو بمثابة تهديد حقيقي بالنسبة للمجتمع ككل. وتدل الإحصائيات الصادرة عن المعاهد
والمراكز المختصة أن خمس الأميركيين يعانون من السمنة المفرطة التي لها تأثيرات مباشرة على نشاطهم وعلى إنتاجيتهم مع ما يترتب على هذا من نتائج اجتماعية واقتصادية وثقافية وعلى البيئة. باختصار إنها، وكما يتم تقديمها، أزمة وطنية أميركية حقيقية تتطلب مواجهتها من أعلى دوائر القرار السياسي، حسبما يؤكد المؤلف.
إن القارئ يكتشف عبر صفحات هذا الكتاب، وخلال رحلة ممتعة يدعوها إليها المؤلف، عالما جديدا، هو عالم حقول الذرة في العديد من الولايات الأميركية. ومن المعروف أن الذرة تدخل في تكوين قسم كبير من الأطعمة في المطبخ الأميركي، لكن الصورة تغيّرت الآن كثيرا إذ أصبحت الحيوانات المكرّسة لاستهلاك لحومها من مواش وطيور وغيرها تستهلك نسبة 60 بالمئة من الإنتاج الأميركي للذرة.
وهنا يبدأ، حسب رأي المؤلف، أحد جذور المشكلة، ذلك أن الحيوانات تتغذى عادة بالأعشاب عامة وعملية علفها بكميات كبيرة من الذرة، اي بما لا يتناسب مع مسيرة حياتها الطبيعية، تجعلها قليلة المقاومة. والحل الذي يتم اللجوء إليه هو زرقها بكميات كبيرة من المضادات الحيوية بقصد تعزيز حصانتها الصحية في مواجهة الأمراض. لكن هذه الدورة كلها مخالفة إلى حد كبير للطبيعة، والمستهلك الأميركي هو الهدف الأخير منها، وهو أيضا الذي يدفع الثمن من صحته.
ويحتوي هذا الكتاب على صفحات عديدة يقدم المؤلف فيها تحقيقا مفصلا ودقيقا و«مرعبا» من داخل المسالخ، أي تلك الأمكنة التي يتم ذبح الحيوانات فيها. وهنا يتم التعرف على حقيقة مفادها أن «صناعة اللحوم» تستفيد من كل شيء فبالإضافة إلى اللحوم التي يتم طرحها في الأسواق أو توجيهها إلى حيث يتم استهلاكها من قبل البشر،
فإن ما بقي من دهون ودم وعظام وغيرها مما هو غير مكرّس للاستهلاك الإنساني يجري «تحويله» إلى غذاء لحيوانات أخرى مثل الأسماك أو الطيور في المداجن. هنا يشير المؤلف إلى أن الهيئات الصحية المعنية بالصحّة العامة في أميركا قد أصدرت في عام 1990 تعليمات صارمة تقضي بمنع تغذية الحيوانات بمنتوجات ذات مصدر حيواني، وذلك إثر انتشار مرض «جنون البقر»المعروف.
وفيما يخص الوجبات الأربع التي تجد مكانها في عنوان هذا الكتاب، يحدد المؤلف أربعة خيارات أساسية أمام المواطن الأميركي فيما يتعلق بوجباته. ومن خلال عملية تقصّي دقيقة وعميقة، وكأن الأمر يتعلق بتحقيق جنائي لفهم الأصول البعيدة لجريمة ما، يبرهن المؤلف على أن كل وجبة من الوجبات الأربع ترتبط عضويا، بمصادر إنتاجها، وذلك مهما تباعدت المسافات بينهما ومهما كانت دورة تصنيعها طويلة.
وما يؤكده المؤلف هو أن دورة عالم التغذية في أميركا تبدأ من المصانع الكبرى وتنتهي لدى المستهلك. إنه يكرّس العديد من الصفحات لدراسة تاريخ وجبة المكدونالد التي يلتهمها عادة مع أطفاله داخل سيارتهم. والمفاجأة التي ينتهي إليها هي أن «أصل»
هذه الوجبة يعود إلى مزارع الذرة في ولاية «ايوا» ذلك أن حبوب الذرة هي التي تغذي الثيران التي ستتحول إلى اللحم المستخدم في الهامبرغر، وحبوب الذرة نفسها هي التي تعطي الزيوت التي تقلى بها شرائح البطاطس ـ الفريت، ومنها أيضا يتم إنتاج المواد السائلة المستخدمة في المرق.
ويكتشف القارئ أنه من خلال عملية الجرد التي تمّت على 45 الف منتوج غذائي في سوبر ماركت أميركي هناك ربعها على الأقل يأتي، بصورة ما، من زراعة الذرة. هذا ما يدفع المؤلف إلى القول، على اعتبار أن الجسد الإنساني يتغذى ويحافظ على وجوده عبر تحويل الأغذية إلى ما يؤمن قوت الجسد والعقل، أن الصناعة الغذائية ـ الزراعية تجعل من مستهلكها منتوجا من الذرة.
الزيوت مصدرها الذرة، والحيوانات يجري تسمينها بواسطة حبوب الذرة. ومشتقات الحليب فيها إذن مكونات من الذرة وكذلك البيض. فالذرة هي العنصر الأساسي في تغذية الدجاج. ثم إن مشتقات زيت الذرة يدخل في سلسلة لا تنتهي من المنتوجات ابتداء من العصائر وحتى صلصة الكاتشاب وعلى السؤال الذي طرحه أخصائي التغذية الفرنسي انتيلم بريات سافاران: قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت يجيب مايكل بولان مؤلف هذا الكتاب: «نحن ذرة».
لكن المفاجأة التي قد لا ينتظرها القارئ تتمثل في كون أن المؤلف لا يوجه أبدا أصابع الاتهام إلى مجموعات الصناعات الزراعية-الغذائية الأميركية، التي تتنامى قوتها مع تزايد «سيطرة الذرة على العالم» وعبر الروابط التي تقيمها مع مجموعات الضغط النشيطة في واشنطن.
مع ذلك يؤكد المؤلف على وجود كلفة اجتماعية وسياسية وبيئية كبيرة للنمط الرئيسي لتغذية الأميركيين. يكفي للبرهان على ذلك أن خمس استهلاك النفط في الولايات المتحدة يعود للصناعة الغذائية- الزراعية، وأن جندي من كل خمسة جنود أميركيين يُقتلون في العراق يفقد حياته من أجل تفوّق الذرة، كما يصل المؤلف في نتيجة تحليلاته.
الخيارات الثلاثة الأخرى التي تبتعد عن «الأميركي- منتوج الذرة» يحددها المؤلف بـ «الوجبة الطبيعية-البيولوجية» التي تقدمها شركات تصنيع الأغذية نفسها وهي ذات كلفة عالية وتستهلك كميات أكبر من الموارد الطبيعية، و«وجبة ثالثة» تقوم على أساس استهلاك المنتوجات المحلية حصرا
كما كان الأمر منذ عشرة آلاف سنة من الزراعة التقليدية وهذا النمط لا يتماشى مع إنسان العصر. أما الوجبة الرابعة فتعتمد على الصيد والقطف على الطريقة البدائية، ما قبل التاريخ. بكل الحالات لا تزال هذه الوجبات الثلاث الأخيرة هامشية، وشبه عدم موجودة، بالقياس إلى مملكة الذرة والزيوت «الظافرة». وإذن ماذا ينبغي أن نأكل؟ يجيب المؤلف: ما هو جيد، ويضيف: ما هو جيّد يجمع بين ما هو لذيذ ومفيد للصحة وحسن للطبيعة التي تحيط بنا.
*الكتاب: معضلة النهم تاريخ طبيعي لوجبات أربع
*الناشر: بنغوين برس ـ لندن 2006
*الصفحات: 450 صفحة من القطع المتوسط
The omnivore's dilemma : a natural history of four meals
The Penguin Press - London 2006
P.450