جان دانييل، مؤلف هذا الكتاب هو مؤسس ومدير مجلة «لونوفيل اوبسرفاتور» الفرنسية الشهيرة عام 1964. من مواليد بلدة «البليدة» في الجزائر وأحد أهم الشخصيات السياسية والثقافية والفكرية الفرنسية خلال نصف القرن الأخيرة. ويتميّز «جان دانييل» بمواقفه المؤيّدة لاستقلال الجزائر وللسلام في الشرق الأوسط مع وجود دولتين فلسطينية وإسرائيلية.
قدّم جان دانييل حوالي عشرين كتابا للمكتبة الفرنسية من بينها: «ديغول والجزائر: المأسلة والبطل الشاهد» و«رحلة إلى عمق الأمة» و«شموس الشتاء يوميات 1998 ـ 2000» و«الحرب والسلام: إسرائيل ـ فلسطين، يوميات 1956 ـ 2003» و«السجن اليهودي: تأملات شاهد».
«مع كامو» ليس كتابا في سيرة حياة الأديب والفيلسوف الفرنسي الكبير ألبير كامو صاحب رواية «الغريب» التي جرت طباعتها بملايين النسخ وتحتل موقعها في صدارة قائمة الكتب التي قرأها الفرنسيون بعد الحرب العالمية الثانية، وأيضا صاحب مسرحيات مثل «كاليغولا» و«الطاعون»، وكتابات فلسفية ليس أقلها شهرة «أسطورة سيزيف» و«الإنسان المتمرد» التي شرح فيها فلسفة «العبث» التي قال بها.
هذا الكتاب «مع كامو» هو في واقع الأمر عن «المعارك» التي خاضها ألبير كامو ضد المقولات السائدة في عصره، وذلك تحديدا من موقع الصحفي الذي تمسّك دائما ب«منظومة أخلاقية حقيقية لا بد من التحلّي بها بالنسبة للصحفي إذا أراد أن ينجو من سطوة الحقبة التي يعيش فيها».
والمؤلف يكتب هنا من موقع «الصحفي الملتزم» أيضا، وبالتالي بأتي كتابه نوعا من التأمل حول «فلسفة المهنة». وتجدر الإشارة هنا إلى أن جان دانييل ـ المؤلف ـ كان على صلات صداقة حميمة مع ألبير كامو، ويجمع بينهما «أصل المولد الجزائري». هكذا تختلط السيرة الذاتية للمؤلف وللكاتب ـ موضوع الكتاب ـ والتاريخ ومعركة استقلال الجزائر خاصة والمواقف الفكرية حيال جميع القضايا.
إن الجانب الرئيسي الذي يؤكد عليه كثيرا مؤلف هذا الكتاب في حديثه عن ألبير كامو هو ممارسته للصحافة. ذلك أن «كامو» كان مديرا لمجلة «كومبا» أي «المعركة» ثم ساهم في الكتابة بمجلة «الاكسبريس» التي عمل فيها أيضا جان دانييل قبل أن يؤسس مجلته «لونوفيل اوبسرفاتور» التي لا تزال تصدر حتى اليوم.
وقد كان «كامو» كما يقدمه جان دانييل، المؤلف، صحفي يسبح ضد التيار «ليؤكد أنه غير مستعد لإلغاء عقله وضميره. ويصف المؤلف جان دانييل، المؤلف، بطله «كامو» أنه «كان بالتأكيد أول من تنبأ في القرن العشرين بحلول فترة لن يكون بمقدور المرء فيها أن يجد نفسه عبر مشاريع مستقبلية،
وكذلك لن يكون بمقدوره أن يستند على أنماط الماضي، وحيث سيكون مرغما على أن يعيش في حالة توثب مستمرة حول مصير قد يتقرر كل لحظة». ويناقش جان دانييل المواقف الفكرية والسياسية والفلسفية التي اتخذها ألبير كامو حيال قضايا عصره.
وفي مقدمة هذه المواقف ذلك الذي أثار، ولا يزال يثير الكثير من التساؤلات، أي الموقف من ثورة التحرير الجزائرية التي انطلقت في الأول من نوفمبر عام 1954. ما يؤكده جان دانييل هو أن ألبير كامو لم يكن من دعاة إجراء مفاوضات بين السلطة الاستعمارية الفرنسية وجبهة التحرير الجزائرية
وإنما كان يطالب، بالأحرى، بضرورة الوصول إلى «هدنة» تسمح بالتعايش بين جميع مكونات المجتمع الجزائري، أي الفرنسيين والجزائريين. بنفس الوقت يؤكد جان دانييل أن كامو لم يكن أبدا من أنصار «الجزائر الفرنسية، خاصة بعد أحداث مدينة سطيف» أي الأحداث التي قمعت خلالها القوات الفرنسية المواطنين الجزائريين بشدة وقتلت العشرات منهم.
وما يؤكده جان دانييل بالنسبة لموقف كامو من حرب التحرير الجزائرية أنه كان ملتزما باستمرار بما تمليه عليه قناعاته. يقول: «كان ألبير كامو يبحث، بكثير من القلق، عن موقف عادل حيال المأساة الجزائرية». ثم يدقق القول في مكان آخر أن كامو «كان يريد أن تتوقف الحرب، وأن يتم التوصل إلى حل يؤمن استمرار العلاقات الوثيقة».
وكان جان دانييل قد طرح سؤالا جوهريا مفاده: لماذا توقف ألبير كامو عن الكتابة الصحفية بشكل مباشر بعد تعاونه مع مجلة «الاكسبريس» خلال عامي 1955 و1956، أي في الوقت الذي كانت تدور فيه رحى الحرب في الجزائر؟
ما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن ألبير كامو يرى في مهنة الصحافة مهنة نبيلة نبل الكتابة الروائية والمسرحية، بل وينقل عنه كتابته: «الصحافة هي أجمل مهنة في العالم».ويصف المؤلف طريقة ممارسة كامو للصحافة بأنها كانت تتسم بالبحث عن الحقيقة وأنها كانت ذات طابع نقدي من أجل دفع القارئ إلى التفكير.
أي باختصار يقدم جان دانييل، الصحفي الكبير أيضا، رؤيته هو نفسه لمهنة الصحافة والصحفي في الإعلام وفي المشاركة في الحياة الفكرية والسياسية للفترة التي يعيش فيها، والتمسك في قيم الحرية والديمقراطية. وهو يرمي أيضا، وربما أساسا، إلى حث المعنيين على التأمل في مهنتهم، أي مهنة الصحفي، في زمن تواجه فيه الصحافة المكتوبة منافسة شديدة من قبل الصحافة الالكترونية، وتسود فيه «الشهية إلى المال واللامبالاة حيال العظمة».
بكل الحالات يشير جان دانييل بصورة صريحة، أو مواربة، أن ألبير كامو، الذي توفي عام 1960 في حادث سيارة «عبثي» مثل فلسفته، لم يفارقه أبدا طيلة مسيرته اللاحقة، خاصة فيما يتعلق بالنظرة إلى التاريخ والسلطة ومهنة الصحافة. ويؤكد أن «صداقة» كامو و«حمايته» وقبل كل شيء أعماله كانت «حاسمة» في تحديد مسيرته الفكرية والصحفية.
ومن السمات التي يؤكد عليها جان دانييل في حديثه عن ألبير كامو، الصحفي، هو أن بعض النصوص الصحفية التي كتبها لم تفقد راهنيتها حتى الآن، إذ أنها تعالج قضايا «ساخنة» تواجهها مجتمعات اليوم وفي مقدمتها «التزمت والإرهاب والعنف». ولم يكن «كامو»، كما يتم تقديمه، من النوع الذي يبرر استخدام كل الوسائل من أجل تحقيق كل الغايات، إذ «هناك فرق كبير بين الكذب وقول الحقيقة».
ولكن مؤلف هذا الكتاب يشير بنفس الوقت إلى صعوبة تحقيق جميع المتطلبات التي فرضها ألبير كامو على صعيد ممارسة مهنة الصحافة، ذلك أن الشروط الراهنة تجعل ذلك مستحيلا. وكان الأمر مختلفا في السابق إذ يرى دانييل أن «النقطة الحاسمة» تتمثل في أن كامو كان ينتمي إلى ذلك الجيل الذي لم يكن يفرّق بين الصحافة والأدب والالتزام السياسي.
ويقارن المؤلف بين ألبير كامو وجان بول سارتر، أي الفيلسوفين اللذين جمعتهما سنوات الصداقة الشخصية والانتماء إلى النزعة الوجودية بشكل عام، وإنما اللذين اختلفا فيما بعد حول مفهوم الحرية، إذ رآه سارتر في «الالتزام» بينما وجده كامو في «العبث».
أما فيما يتعلق بالصحافة فقد واجهها سارتر ب«نظرة من الشك والتشكيك»، بل وأظهر بعض «الازدراء» للصحفيين بينما أن كامو أكّد على أن دور الصحفي هو «مرافقة» التاريخ وليس تحمّل نتائجه فقط، أي أن يكون «عنصرا فاعلا» في أحداث زمنه وليس مجرد «مراقب» لها.
بكل الحالات يرفض جان دانييل بشكل قاطع الأحكام «القاسية» التي أصدرها جان بول سارتر على ألبير كامو «المتمرّد» والذي أكّد على أهمية «التمرّد» باعتباره المحرك الأساسي للتاريخ الإنساني. و«التمرد» ضد كل أشكال الظلم كي يحقق الإنسان إنسانيته. «أنا أتمرّد إذن نحن موجودون» مثلما قال كامو في كتابه «الإنسان المتمرّد».
ويؤكد جان دانييل أن ألبير كامو كان في ممارسته لمهنة الصحافة «مؤرخا يوما بعد يوم حيث كان همّه الأول هو البحث عن الحقيقة». وهذا ما كان قد عبّر عنه ألبير كامو نفسه عندما أراد أن يلخص محصلة الفشل والنجاح التي حققها خلال عمله كمدير لمجلة «كومبا» ـ المعركة ـ إذ قال الجملة التالية: «إننا على الأقل لم نكذب».
المطلوب إذن أولا من الصحفي هو أن يثور ضد الكذب وأن لا يعرّف نفسه بالقياس إلى حقيقة هي نفسها «غائمة وتحتاج إلى من يبحث عنها». ومن الواضح أن جان دانييل يؤكد على «صدق» كامو في اتخاذ المواقف أمام الأوضاع الصعبة ولذلك يتساءل: «ماذا كان سيقول كامو؟»
حيال قضايا راهنة مثل حرب العراق أو دارفور أو أزمة الصحافة اليوم. ثم إن ألبير كامو هو الذي عرّف المثقف بأنه «يقاوم الأفكار السائدة في عصره»، ومن هنا جاء العنوان الفرعي لهذا الكتاب. ينقل جان دانييل عن ألبير كامو قوله عن صحافة فرنسا في زمنه: «إن القسم الأكبر من الصحافة الفرنسية، وبعيدا عن أن تعكس ما يفكر به الجمهور إنما تعكس ما يفكر به أصحابها». فهل تغيّر الوضع الآن؟!
*الكتاب: كيفية مقاومة الأفكار السائدة (مع كامو)
*الناشر:غاليمار ـ باريس 2006
*الصفحات : 158 صفحة من القطع المتوسط
Avec Camus, comment résister à l'air du temps
Gallimard - Paris 2006
P.158