الملاحظة الأولى التي لابد للقارئ أن يتوقف عندها طويلاً لدى المصافحة الأولى لمجموعة «لقاءات قصيرة وغير متوقعة مع تشي غيفارا» هي أن مؤلفها بن فاونتين المحامي التكساسي السابق المقيم في دالاس يتجاوز الاهتمامات الشهيرة المرتبطة تقليدياً بالولاية التي ينتمي إليها ليحلق إلى آفاق كوزموبوليتانية مدهشة،

فالقصص الثماني التي تضمها المجموعة ليست من بينها قصة واحدة تدور أحداثها في تكساس، ونورث كارولينا هي أقرب ساحة للأحداث يصل إليها، وحتى تلك القصة تدور حول ما هو عجائبي وغريب ومدهش، حيث نلتقي بضابط شاب يعانق معتقدات الفودو الهاييتية.

تنبع هذه الملاحظة من أن المؤلف يهتم في المقام الأول بالأبرياء في الخارج، حيث يلتقي بأميركيين من ذوي النوايا الحسنة ولكنهم لا يدركون أسرار ما يواجهونه في مناطق معزولة يجتاحها العنف، بما في ذلك هاييتي، سيراليون، بورما، وأدغال كولومبيا، حيث يتعثرون في تيارات أخلاقية وسياسية ونفسية لا يفهمونها إلا بالكاد.

غير أن تشبيه قصص بن فاونتين بأعمال غراهام غرين لن يبدو شيئاً يواكبه التوفيق، فأبطال القاص الأميركي لا يشكلون خطراً على أحد خلافاً للقاعدة الراسخة في أعمال جرين، وأفضل القصص التي تضمها مجموعته تتناول شخصيات تبذل قصارى ما في وسعها عبر كل من السخرية اللطيفة والتعاطف للمضي قدماً بجهودها المتعثرة لفعل الشيء الصحيح.

تقدم لنا القصة الاستهلالية في المجموعة، التي تحمل عنوان «طيور الجبال الوسطى الموشكة على الانقراض»، موضوعات تتخلل الكتاب بكامله. حيث نلتقي جون بلير طالب الدراسات العليا الذي يكدح للحصول على درجة الدكتوراه عبر جهد يوشك أن يكون عبودية حقيقية،

وتتمثل فكرته عن المال الطائل في ورقة النقد ذات العشرين دولاراً، والذي يتجه إلى كولومبيا التي يسيطر عليها رجال حرب العصابات، للقيام بدراسة ميدانية في تخصصه الأكاديمي، أي الببغاوات الصغيرة، وهو واثق من أنه ما من مجموعة من المتمردين الساعين إلى الابتزاز سوف ترغب في اختطافه.

لكن هذا هو على وجه الدقة ما يحدث، حيث تتهمه مجموعة الخاطفين بأنه جاسوس، وتقتاده إلى معقلها في الأدغال، وتتوالى الأسابيع التي يقضيها في الأسر، ويتوسل إلى خاطفيه أن يسمحوا له القيام بعمله الميداني تحت إشرافهم. وعندما يسمحون له بذلك فإن الصدفة تقوده إلى الوصول إلى مجموعة من الببغاوات التي كان من المعتقد في السابق أنها قد انقرضت، وهو اكتشاف من شأنه أن يحلق عالياً بحياته العملية إذا تمكن من الإفلات بجلده والعودة إلى بلاده.

غير أن بلير وطيوره الحبيبة يبرهنون على أنهم لاعبون صغار في دراما أكبر وأوسع نطاقاً، حيث يقبل فريق من رجال الأعمال الأميركيين للتفاهم مع رجال حرب العصابات اليساريين، وسرعان ما يتضح أن الأميركيين لم يقبلوا إلى كولومبيا لإنقاذ مواطنهم التعس، وإنما لإبرام صفقة،

فلديهم المال ورجال حرب العصابات المتلهفون إلى السيولة النقدية يسيطرون على مساحات ممتدة من أراضي الغابات الغنية بالأشجار ذات الأخشاب الثمينة. ويصاب بلير بالفزع، عندما يعلم بالأمر، فالأشجار موضع المساومة هي البيئة التي تعيش فيها طيوره الحبيبة.

وكما يمكن للقارئ أن يتوقع فإن الأميركيين والكولومبيين على السواء يتجاهلون ابتهالات عاشق الطيور الصغيرة النحيل والذي يبدو كأنما يوشك على فقدان عقله.في هذه القصة، كما في قصص المجموعة الأخرى، يتعرض أبطال فاونتين للضغط من قبل آخرين أكثر قوة، وأعظم شراهة، وأشد ضراوة.

في قصة «نمر آسيوي»، يعمل سوني جروس في وظيفة لاعب غولف محترف مقيم في ملعب للجولف في بورما التي يحكمها جنرالات فاسدون ومحبون للغولف بقبضة حديدية. ويتلقى سعي سوني إلى حياة لها معناها ضربات صغيرة، حيث يتم إقناعه بإجراء مباريات لإرضاء ذوي النفوذ، ثم يتلقى ضربات أكبر، حيث يجتذبه أميركي ثرثار إلى صفقة نفطية يحيطها الفساد من كل جانب.

يتوق سوني جروس إلى صفاء كهنة بورما البوذيين وسكينتهم، ولكنه: «أميركي، يحمل القدر السيئ معه فيما يتناوله من لحم وبطاطا. وملعب الغولف هو المكان الذي ينتمي إليه، حيث يبرم رجال الأعمال صفقاتهم التي تقدر بمليارات الدولارات، ويلعب الدكتاتوريون مبارياتهم التي تستهدف التسلية، ويسترخون بعد يوم حافل بسحق الجماهير». ويمتد تناوله للحوافز السياسية والاقتصادية، مثل خيط أحمر، عبر هذه القصص المفعمة بالكوميديا السوداء.

يتناول فاونتين أبطاله وبطلاته تناولاً بارعاً بصورة متساوية. وفي قصة «الجيدون تم أخذهم بالفعل» يدفع ميليسا العروس ذات الأربعة وعشرين ربيعاً التي لم يمض إلا 15 شهراً على زواجها من كابتن في القوات الخاصة الأميركية إلى مواجهة مع الآخر في إطار إحدى أفضل قصص المجموعة،

حيث يعلن زوجها الذي عاد لتوه من مهمة استغرقت ثمانية أشهر في هاييتي أنه دخل إلى رحب زواج روحي من إرزولي، وهي ربة من ربات الفودو في هاييتي. ويقول لميليسا التي تستمع إليه في ذهول: «إنني أعرف أن هذا عبء كبير عليك، ولكن ثقي بي، فهذا أمر لا بأس به، نحن ما زلنا متزوجين، وأنا مازلت أحبك. إنني لا أزال ديرك نفسه».

الأمر كذلك، باستثناء أن ديرك لا يمكنه أداء واجباته الزوجية نحو ميليسا في أيام الثلاثاء والسبت، لأنه سيؤدي هذه الواجبات، روحياً، نحو إرزولي، وهو يقول في هذا الصدد: «هذا أمر يصعب شرحه على نحو ما». في نهاية المطاف، نجد ميليسا طريقة للتلاعب بكل من العالم الروحي الغريب الذي أدخله زوجها إلى حياتيهما وواقع هذا العالم الخاص بالرجل الذي تزوجته.

وهذه القصة تمثل فاونتين في أصفى وأرق حالاته. تقع أحداث قصة «فم الأسد» في سيراليون التي تهيمن عليها الحرب الأهلية، وتدور حول شابة أميركية أذهلها العنف والفساد، وهي تعد القصة الأكثر مراوغة وتعقيداً في المجموعة بكاملها.

جاءت جيل، وهي مديرة مشروع تابع لمنظمة إغاثة غربية، إلى سيراليون مندفعة بحماسة المثالية. ولكنها تتهاوى أمام فظائع الحرب، وبصفة خاصة ما درج عليه المتمردون من بتر أذرع الرجال والنساء والأطفال، وهي تخلص إلى أنها ليست من الصلابة بحيث تواجه ما يجري.

هكذا نقرأ: «لقد جاءت إلى سيراليون عاقدة العزم على أن تحيا حياة أصيلة، وبدلاً من ذلك اكتشفت كل الكليشيهات في نفسها. أرادت أن تكون بلهاء، أن تكون غنية، أرادت أن تكون كسولاً، ينفق أحدهم عليها، ويدللها». وهي تمضي ساعات فراغها في مشارب الفنادق، بصحبة رجل أكبر منها سناً، هو تاجر الماس.

وتجارة الألماس هي التجارة البشعة التي تمول الحرب الأهلية التي تدمر البلاد. ولكن جيل تكتشف في نفسها قوة داخلية لم تكن تعرف أنها تحظى بها. وفي عمل يعكس نوعاً من الحل الوسط الأخلاقي، تقترح على صديقها أن تهرب حمولة من الماس في إحدى قوافل الإغاثة التي تشرف عليها.

ونصيبها من هذه العملية سيؤول إلى الجمعية التعاونية للحياكة التي كانت قد أنشأتها للنسوة من المشوهات في الحرب، والتي كادت تشرف على الإفلاس. تسوء عاقبة عملية التهريب عندما تقع جيل والقافلة اللتان لا يحميهما إلا عدد محدود من رجال الحفاظ على السلام التابعين للأمم المتحدة بين المتمردين وبين قرويين مسالمين عقد المتمردون العزم على القضاء عليهم.

وتفصح جيل عن الشجاعة العفوية التي نأمل جميعاً أن نظهرها في مثل هذه الظروف، ولكن فاونتين يقطع الطريق على أي نزوع للانتصار في جرعة بالصفحة الأخيرة من الواقعية الباردة. وقد يميل الكثير من القراء إلى الاعتقاد بأن هذه القصة هي الأفضل في المجموعة بكاملها.

في الأدغال

«لا، على الإطلاق، هكذا قال بلير مصراً لكل من سأله، ما من مجموعة من المتمردين الابتزازيين سترغب في اختطافه أبداً، فهو أفقر الفقراء، أفقر حتى من جوابي الآفاق الذين يضربون في الدروب الجبلية للوصول إلى أكوام خبث البراكين، إنه جون بلير طالب الدراسات العليا الذي يعمل كالعبد باحثا مساعداً والمتطلع إلى نيل درجة الدكتوراه، الذي تتمثل فكرته عن المال الوفير في الورقة المالية ذات العشرين دولاراً.

وتحسباً لوقوع متاعب كانت لديه رسائل تقديم من من جامعة ديوك ومعهد فون هامبولت ومعهد الجغرافيا في بوجوتا، والذي اشتهر عميده بأن له صلات مع الحركة الثورية الموحدة لكولومبيا، التي تسيطر على امتدادات هائلة من الجبال الجنوبية الغربية.

وعلى امتداد ثلاثة أسابيع يضرب بلير في أرجاء الغابة الباقية التي تطال عنان السحاب، ثم يعود إلى ديوك، ويجمع ما يكفي من المنح لقضاء العام التالي في مقاطعة هويلا، حيث يدرس تأثير تجزئة البيئة الطبيعية على نوعيات محلية نادرة من الببغاوات الصغيرة».

*الكتاب: لقاءات قصيرة وغير متوقعة مع تشي غيفارا

*الناشر: هاربر كولينز نيويورك 2007

*الصفحات:229 صفحة من القطع المتوسط

Brief Encounters With Che Guevara

Harper Collins- N.Y 2007

p.229