هذه المقابلة النادرة أجراها موقع دار هاربر كولينز للنشر مع القاص الأميركي بن فاونتين بمناسبة صدور مجموعته القصصية «لقاءات قصيرة وغير متوقعة مع تشي غيفارا»، حيث ألقى فيها الضوء على عالمه القصصي والصلة بين الخيال والواقع في نسج مكونات هذا العالم،
والصلة بين البحث والخيال في القصص التي يقدمها والكتاب الذين أثروا فيه والهموه ورؤيته للعلاقة المعقدة بين الجمال والمتعة والأشياء المفيدة وبصفة خاصة على نحو ما تبرز في القصة التي منحت المجموعة عنوانها. وفيما يلي نص المقابلة:
* هل أمضيت وقتاً في أماكن قصص مجموعتك «لقاءات قصيرة وغير متوقعة مع تشي غيفارا»؟
ـ أمضيت الكثير من الوقت في هاييتي، وقمت بثلاثين رحلة على الأقل منذ بدأت الذهاب إلى هناك في عام 1993. ولايزال دافعي للذهاب إلى هناك لأول مرة غامضاً بعض الشيء بالنسبة لي. وكنت أتابع الموقف هناك على امتداد عامين، من دون أن يجتذبني أي مشروع حقيقي، ولكن اتضح لي تدريجياً أن أموراً تجري هناك أنا بحاجة إلى استكشافها، أمور تتعلق بالسلطة، المال، التاريخ، العرق وأكثر أنواع الحياة السياسية الدموية وحشية،
فقررت محاولة كتابة رواية عن ذلك كله، وبعد شهرين من محاولتي إقناع نفسي بأن بمقدوري إنجاز هذه الرواية من دون الاضطرار للسفر إلى هناك ـ حيث ساورني الشعور بالخوف ـ أقررت في نهاية المطاف لنفسي بأنني أريد إنجاز كتاب من النوعية التي أفكر فيها، وأن عليَّ الذهاب إلى هناك حقاً. وهكذا سافرت. ولم أكن أعرف أحداً في هاييتي على الإطلاق.
وكل ما هنالك أنني وصلت هناك ذات يوم. وهو مدهش ذلك الذي يحدث عندما تستقر في مكان ما وتدع الأشياء تأخذ مسارها الطبيعي بشكل أو بآخر. وواصلت الذهاب إلى هناك خلال عكوفي على كتابة هذه الرواية التي لم أتعاقد على نشرها قط، وبحلول وقت فراغي منها كانت لي صلات عديدة للغاية في هاييتي بحيث لا يمكنني الانقطاع عن زيارتها، ولم أرغب في هجرانها، بل لم أستطع تخيل ذلك.
هكذا، إذن، هذا هو التفسير العقلاني الذي يمكن طرحه. وعلى مستوى آخر، فإنني أعتقد أنني كنت أتطلع بصورة شبه واعية إلى صدمة تخرجني من نظامي، وبدا أن هاييتي تتيح لي العديد من الفرص لذلك. ولكن في نهاية المطاف لا أعتقد أنني أرضيت نفسي حتماً فيما يتعلق بالكيفية التي حدث بها ذلك كله أو السر في هذا.
ربما كانت هذه النوعية من الأمور تختارك بأكثر مما تختارها أنت، وعندما أعود إلى تأمل ما جرى فإنه يبدو أنه كان هناك نوع من الحتمية فيما جرى. عندما فكرت في القصص التي تقع أحداثها في كولومبيا، وبورما، أردت كثيراً أن أمضي إلى هذين البلدين، لكن زوجتي وضعت حداً فاصلاً عند هذا المنعطف،
فليس بمقدوري القول إنني ألومها، فلم يكن أحد يدفع لي للقيام بهذه الرحلات، وكان لدينا ابنان صغيران في الدار، وكانت هناك قضية ما إذا كنت أضع نفسي في موقف سيبدو حافلاً بالغباء والإهمال على نحو لا يصدق،
بل اني لم أكترث بأن أذكر لها أنني أردت الذهاب إلى سيراليون. ولذا فإنني لكتابة هذه القصة قمت بما سيقوم به أي كاتب، أي القراءة كثيراً، والارتحال بالخيال كثيراً، والاعتماد على الخيال، وهي أمور أحسب أنها مقبولة من حيث قيام الكاتب لها.
* كيف تقوم بإنجاز البحث لكتاباتك؟ أي نوعية من التداخل تحدث بين الحياة الواقعية والأخبار والحياة السياسية على سبيل المثال وخيالك؟
ـ البحث يتم إنجازه بطريقة التشبع، فأنا أحاول أن أضع يدي على كل ما هو موجود، ومع نهاية هذه العملية فإنني عادة يكون لدي ملف سميك ونصف رف مليء بالكتب. وعلى الدوام تقريباً أصل إلى موضع تبدو الأمور عنده مستعصية على التحكم فيها، فلديَّ معلومات كثيرة للغاية وقدرة محدودة للغاية على التعامل معها،
ولكنني تعلمت مع مرور الوقت أن هذا بدوره جزء من العملية، اليأس الذي يجيء من «الإفراط في التشبع»، إذا شئت استخدام هذا التعبير، حيث تعتقد أنك قد أصبت بالشلل. وهكذا فإن هذا المنهاج هو بصفة أساسية أنني أضع نفسي في ركن من خلال البحث، ثم أحاول الخروج من هذا الركن بالاستعانة بالقصة التي وضعتني فيه في المقام الأول.
وقد بدأ عدد من هذه القصص بشيء في الأخبار، حيث تستهل قصة «الطيور القريبة من الانقراض» بقصة زيارة رئيس مجلس إدارة بورصة نيويورك إلى كولومبيا، وقد خطرت لي هذه الصورة للمتمردين وهم يغرقون في الضحك حيال عرضه السير على أرضية البورصة معهم، وبدأت العمل إنطلاقاً من هذا الموضع.
وفي حالية قصة «نمر آسيوي»، كان هناك إعلان في صفحة الرياضة عن جولة غامضة، في ماليزيا، فيما أحسب، في أرجاء سيراليون، والرعب النابع مما جرى هناك في ذاته وتداخل ذلك مع تجارة الألماس. وربما كان ما أحاول القيام به في كل هذا هو السيطرة على الكيفية التي تمضي بها الأمور، الآليات الإنسانية للأمر كله،
كيف يبدأ المال أو الكوكايين أو محترفو الغولف عند النقطة «أ» وينتهي عند النقطة «ب»، والحياة اليومية لما يندرج في ذلك. هذه القصص لها مزيج بديع ولا تشوبه شائبة من الحبكة والمغامرة والغموض والأفكار المهمة.
* هل من الصعب عليك ألا تدع الأفكار تكون لها اليد العليا؟
ـ الآن، وفيما أفكر في الأمر، فإن الاجابة هي: ليس حقاً. وأحسب أنني أكثر اهتماماً بما يفعله الناس بالأفكار، أو ما تفعله الأفكار بهم، من الأفكار نفسها، فأنا لست بالمفكر التجريدي.
* هناك نسيج لا ينفصل في قصصك بين الحياة السياسية العالمية وواقع شخص يشبه الحلم. هل هناك كتاب آخرون ألهموك في هذا السياق المحدد؟
ـ نعم، بالتأكيد. روبرت ستون، جوان ديديون، نورمان ميلر، غورفيدال. وكتاب أميركا اللاتينية، وبصفة خاصة غابرييل غارسيا ماركيز وفارغاس لوسا. وفي سياق مختلف تماماً ووكر بيرس. وأنا أحب كثيراً القصص التي كتبها مارتن اميس مؤخراً.
* كيف ترد على طرح البرتو الشهير عن الجمال والمتعة في مواجهة (الأشياء النافعة)؟
ـ حسناً. أعتقد أنني سأقول إن الشخص الذي يحرم من الجمال والمتعة سيكون لديه الكثير من الأمور المشتركة مع مفهوم أبناء هاييتي عن الزومبي، أي الشخص المنفصل عن روحه، الشخص الذي يعمل من أجل صالح الآخرين وليس من أجل صالحه، شخص يحيا في ضباب عاطفي وذهني. وهكذا فإنني أقول إنه إذا كان شخص يريد أن يكون ذا فائدة لنفسه، فخير له أن يصر على الحصول على نصيبه العادل من الجمال والمتعة.
محطات في مسيرة فاونتين
* قدم القاص الأميركي بن فاونتين دفقاً غزيراً من القصص، بعد تخليه عن عمله كمحام في دالاس وتفرغه للكتابة، ونشرت قصصه في مجلات عالمية متميزة أبرزها «هاربرز» و«باريس ريفيو» و«زويتروب» و«أول ستوري».
* تعد «لقاءات قصيرة وغير متوقعة مع تشي غيفارا» مجموعته الأولى، وقد حظيت فور صدورها على اهتمام كبير من النقاد والقراء على السواء.
* حصل فاونتين على العديد من الجوائز الأدبية، وفي مقدمتها جائزة أو هنري، وجائزة بوشكارت، وغيرهما من الجوائز.
* يعمل حالياً محرراً للقصص والروايات في مجلة «ساوثويست ريفيو» الأدبية المتخصصة.