عبلة الرويني صحافية وناقدة مسرحية مصرية صدر لها: الشعراء الخوارج، وحكي الطائر سعد الله ونوس. في كتابها( الجنوبي) وهو عنوان آخر قصيدة كتبها أمل دنقل داخل الغرفة «8» حيث كان يعالج من مرض السرطان الذي أودى بحياته، ترصد عبلة جانباً مهماً من حياتها معه،
والذي تأخذ محاولة العثور على مدخل حقيقي لشخصيته؛ شكل الصعوبة حين تصطدم فيه بعالم متناقض تماماً، بعكس ثنائية حادة كل من طرفيها يدمر الآخر. انه الشيء ونقيضه في لحظة نفسية واحدة يصعب الإمساك بها؛ والعثور عليه فيها. فوضوي يحكمه المنطق، بسيط في تركيبية شديدة، صريح وخفي في آن واحد، انفعالي متطرف بجرأة ووضوح، وكتوم لاتدرك ما بداخله أبداً.
يملأ الأماكن ضجيجاً وصخباً وسخرية وضحكاً ومزاحاً، صامت إلى حد الشرود، يفكر مرتين وثلاثاً في ردود أفعاله وأفعال الآخرين، حزين حزنا لا ينتهي. استعراضي يتيه بنفسه في كبرياء لافت للأنظار، بسيط بساطة طبيعية يخجل معها إذا أطريته وأطريت شعره، وربما يمتد على مديحك خوفا من اكتشاف منطقة الخجل فيه، قلق لا يحمل يقينا،
تاريخ معتقداته حافل بالعصيان، لكنه غير ملحد، صعيدي محافظ، عنيد لا يتزحزح عما في رأسه، وقضيته دائما هي الحرية، عاشق للحياة، ووحده الشعر، هو التماسك العقلي والنفسي القوي، الذي حقق لأمل إعادة خلق العالم المفروض حوله من جديد لحسابه الخاص. لا يوجد له عنوان محدد: مقهى ريش، أتيلييه القاهرة، دار الأدباء.
تلك كانت صناديق بريده، وأماكن العثور عليه. يقاسم أصدقاءه غرفاتهم وأسرتهم، ورغيف خبزهم وكتبهم، ثم يمضي تاركا ذكرياته وأوراقه وشعره وكتبه وملابسه، بعدما حفر كل شيء في عقله بدقة متناهية وذاكرة حديدية. في مقهى(ريش) التقت عبلة الرويني بأمل دنقل، وكان ذلك في أكتوبر 1975 في بداية عملها في جريدة الأخبار كي تعمل (خبطة ) صحافية؛
خاصة بعد أن حذّرها أحد المحررين السياسيين في الجريدة من أنها ستجد صعوبة في نشر اللقاء معه، لأن أمل شاعر يساري، ولن تسمح الجريدة نشر حوار معه. لكن ربما يسمح بنشره في طبعة أخبار اليوم العربية إذ من الممكن تصدير أمل دنقل عربيا، لكنه كما قال المحرر السياسي: غير مسموح باستهلاكه داخل مصر.
تقول عبلة: الحوار نشر بتدخّل (رشدي صالح) المشرف الأدبي بالأخبار حيث قام بكتابة تقديم مما جاء فيه: حتى لا يظن شاعر أن الملحق الأدبي يقف له بالمرصاد فإنه يقدم الحوار للنقاد والشعراء الآخرين أن يقفوا على نفس المنصة وأن يقولوا آراءهم. بعد ذلك ـ تقول عبلة: صرنا أنا وأمل صديقين ،
وقد قال لها: يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر من صديقة إلا أن أمل ظل يبحث دائما عن تأكيد لحبي له ـ دون أن يمنحني نفسه هذا التأكيد- كان شعوره الدائم بالوحدة، وعدم الأمان، يطالبني بالمزيد من المشاعر، وهو الواثق أن مشاعري ليست فقط أضعاف مشاعره، وإنما انتماء كامل له.
وشيئا فشيئا أقنعني أمل بالتخلي عن منطقي البرجوازي،إذ كان مقهى ريش هو مكان اللقاء دائما ـ إذ ليس هناك من مكان نحبه، وآخر نكرهه، هنالك فقط شخص يسعدنا الجلوس معه أولا يسعدنا. فبدا ريش معه أجمل وأرق الأماكن التي تصلح للقاء عاشقين. إذ كان ريش ضرورة لابد منها، حيث كان أمل يؤجل دفع الحساب لحين تتوافر معه نقود،
وحينها لم أكن أدرك أن هناك فقرا يصل بشاعر إلى حد الاستدانة، أو أن هناك رجلا لا يستطيع امتلاك ثمن كوب من الشاي، أو فنجان من القهوة. لقد كان العالم البرجوازي الذي قدمت منه يحكم عيوني ـ كنت أنتمي إلى منزل هادئ، كما كانت طفولتي قادمة من أيدي الراهبات الفرنسيات ـ لكنه أبدا لم يسكن قلبي، فلقد كنت منذ البداية أمتلك قلبا مستعدا لأن يبيع العالم كله من أجل هذا الشاعر الذي يملك بنطلونا واحدا أسود ممزقا.
تستمر عبلة الرويني في روايتها؛ كنت أمتلك الكثير من الأشياء، والكثير من التدليل للابنة الوحيدة بالأسرة. وكان أمل ينتمي للريح والاضطراب، فرغم عزوة عائلته، وقوتها وثرائها، إلا أنه كان دائما لا ينتمي إلا لنفسه. كان والده عالما من علماء الأزهر ـ وقد فقده أمل حين كان في العاشرة من عمره فصار ـ بحق ـ رجل البيت في هذه السن الصغيرة بعدما صار الأهل غرباء يسرقون الأرض من بين عينيه،
وبعدما تخلى الجميع عنهم سلعة لمن يملكون الثمن. لقد كان أمل ينتمي إلى الشوارع، والأزقة، والطرقات، حتى أنه ذكر يوما أن تاريخ الأرصفة هو تاريخه الشخصي. وأنا منذ معرفتي بأمل سقط عندي كل الزيف البرجوازي، ولم أعد أرى سوى عالم واحد هو عالم أمل دنقل الذي خاصمني الكثير من الأصدقاء لعلاقتي به، بل حذّرني الكثيرون من أصدقائه وأصدقائي من الاستمرار في هذه العلاقة خوفا على سمعتي مع رجل لا سمعة له.
فلقد سار ورائي رجلان من الجريدة، وراحا يغنيان بصوت عال أغنية عزيز عثمان (الغراب خطف اليمامة). كان الارتباط بأمل يشكل في أذهان الناس علاقة خطيرة، وخاصمت العالم من أجله، من أجل نبالته الشديدة، وقلبه النقي. الحرية كانت هي الملح المهم والمميز لشخصية أمل،
وهي جزء أساسي في تكوينه الفكري والسلوكي، إنها مطلب وجودي وحياتي وقومي ملح. أمل كان نسيج وحده، انه نفسه دائما. وليس ما يريده الآخرون، ولهذا رفض الانضمام إلى مجموعة أو اتجاه، أو حزب معين- لكنه بقي مؤمنا بحريته الفكرية والسياسية والتي شكلت الأفكار الماركسية والوجودية الكثير من خطوطها.
ولقد أتيحت له العديد من الفرص، كان من الممكن أن يكون بسببها(نجما ثوريا) ككثيرين، لكن الأحزاب المصرية في ممارساتها، ورؤاها السياسية والفكرية، كان لأمل موقف صريح منها. بل إن الأمر كان أبعد من ذلك، انه فهم أمل لدوره كشاعر يتحقق كيانه الحقيقي داخل القصيدة من حيث هي قصيدة فنية تخدم قضايا هذا المجتمع،
فلقد كانت لحظة كتابتها هي اللحظة التي لا يسمح أمل لأحد بدخولها سواه حتى تكتمل، وكان عندما يسألني عن أمنياتي أجيبه: قصيدة جديدة. ولم تكن هذه أمنيتي وحدي، إنها أمنية وحلم وطموح أمل الوحيد، إن القصيدة هي الغد والمستقبل الذي نحلم بتحقيقه. كان مشروعه المضاد يشكل هدفا حتميا لا بديل عنه في الزمان المختلف،
وهو بطبيعته وحركته الواعية، ورغبته الأصيلة في التحول من الذاتية إلى العمومية، وفي سعيه الدائم للخروج من المساحات الضيقة إلى المساحات المطلقة الرحبة، بل وفي إصراره على تحويل كل مستحيل إلى ممكن لابد وأن يصطدم مع واقع مغلق داخل ذاته. وكان أمل متصادما دائما حتى الموت.
انه سبتمبر 1979، وبالتحديد بعد مضي تسعة أشهر على زواجنا، ورم صغير في جسد أمل يتزايد يوما بعد يوم. قال الطبيب بعد ثلاثة أيام فقط من ظهور الورم هو(السرطان). ظللنا صامتين نخشى من ترديد اسم المرض، وانتابتني حالة من الرقة البالغة في التعامل مع أمل ربما هو الخوف. نهرني أمل عن تلك الرومانتيكية في التعامل مؤكدا أن أمامنا موقفا صعبا، وراح يفكر في مواجهة الغد. حدد الطبيب موعدا لإجراء الجراحة.
فنسينا السرطان. إذ لم نكن نملك مليما واحدا وأجر الطبيب (300) ثلاثمئة جنيه هذا إلى جانب أجرة حجز المشفى وثمن الدواء وأشياء أخرى. إنها المرة الأولى التي نعرف فيها حقيقة قسوة الفقر. تمت العملية. لكن في مارس 1980 وبعد خمسة أشهر من الجراحة الأولى ظهر ورم سرطاني آخر،
وكان ذلك إيذانا بالخطر، حتى جاء فبراير 1982 ليقول الطبيب الجراح لأمل في حدة قاسية: المرض منتشر في جسدك منذ أكثر من سنة وأنت لا تأتي لمتابعة الكشف، تذكر أنك مريض بالسرطان وأن الأمر أكثر خطورة من أن تتعامل معه بمنطق الشاعر. لقد تجاوز المرض الجراحة فلا بد من ذهابك في الغد إلى معهد السرطان.
وانفجرت باكية بينما ظل أمل صامتا يقتله الحزن الشديد حتى فاجأني بسؤال غير متوقع: لماذا لا يريدني الطبيب أن أتعامل مع السرطان كشاعر؟ كانت الغرفة(8) بالدور السابع على موعد معنا، فقد صارت منذ اليوم سكننا الدائم، بل هي أول منزل حقيقي تمتد فيه إقامتنا لأكثر من سنة ونصف السنة.
مرت الأسابيع الأولى مفزعة، كان مجرد كشف الطبيب يفزعني، حقنة الغلوكوز، مصل الدماء، أجهزة الأشعة الضخمة تصيبني بالرعب، جثث مرض السرطان التي تتساقط يوما بعد يوم، ولا أحد يدري. أكثر من ثلاثة أشهر ولم يتذكر وزير الثقافة أن أمل مريض في معهد السرطان متناسيا إرسال باقة ورد أو زهرة وحيدة،
هكذا كشف يوسف إدريس بمقالته كيفية التعامل مع شعرائنا في زمان النثر الرديء. فأرسل الوزير باقة ورد كبيرة وخطابا مملوءا بالود والدعوات بالشفاء لأمل، وامتلأت على الفور الغرفة بباقات الزهور التي كان يفوح من معظمها رائحة وأحاسيس السلطة ـ الأحاسيس الرسمية غير الدافئة.
ويسأل أمل دنقل عبلة: ما الذي تفعلينه بعد موتي؟ وتجيبه: لا شيء مثلما تفعله أنت بعد موتي. ويبدأ الدواء يفقد أمل أعصابه ويحوله إلى مريض مزعج للغاية، لا يحتمل حتى ذاته، يخشاه المرضى، وتخشاه الممرضات. ازدادت حالة أمل سوءا، وبدأت أجهزته تتوقف عضوا عضوا ـ فلقد أصيب أيضاً بالفشل الكلوي.
ولم يعد يقدر يتقلب من جنب إلى جنب، كانت يداه الممدودتان المرفوعتان تطلبان أن أحركه ـ حين عجز عن الكلام ـ وكانت هذه هي أقصى درجات العذاب التي يمكن أن أراها. يوم السبت 21 مايو 1983 سألته: هل أنت حزين؟ فأشار وهو عاجز عن الكلام تماما بأن: نعم.
يتوقف هذا المشهد كثيرا أمام عيني، كأنه ينقل سره إلي، فأقتنع معه بقرار الموت، وميراث الحزن الذي لا ينتهي. في الثالثة صباحا حاول نزع حقنة الغلوكوز من يده، رفضت الممرضة وشقيقه نزعها، فنظر إلي وكانت عيناه تطلبان مني الراحة. فنزعت الحقنة من يده، أغمض عينيه في هدوء ودخل في غيبوبة أخيرة. لقد كان وجهه هادئا وهم يغلقون عينيه، وكان هدوئي مستحيلا وأنا أفتح عيني. وحده السرطان كان يصرخ، ووحده الموت كان يبكي قسوته، قسوة الجنوبي.
أنور محمد
الكتاب : الجنوبي
الناشر دار ممدوح عدوان - دمشق 2006
الصفحات 188 صفحة من القطع الوسط