مؤلف كتاب «ختم الولاية» هو الفيلسوف «محيي الدين بن عربي ـ أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الطائي الخاتمي» المولود سنة 560 هجرية في مدينة «مرسيّة» حاضرة شرقي الأندلس آنذاك، حيث كانت ولادته في عهد الخليفة العباسي «المستنجد بالله» في كنف أسرة عريقة وغنية، عرفت بميولها الدينية والروحية.
أمضى «ابن عربي» سنواته الأولى في «مرسيّة» ولما بلغ الثامنة من عمره، انتقل إلى «اشبيلية» حيث تلقّى علومه الدينية والأدبية على يد أشهر علماء الأندلس. وقد هيأت له مواهبه الروحية والأدبية المبكرة، أن ينال وظيفة كاتب في هذه السن المبكرة، ثم ليتزوج من امرأة ذات ميول روحية،
والتي أسهمت في دفعه نحو المسلك الصوفي، ليجمعه والده بعد ذلك وفي «قرطبة» مع أعظم شارحي «أرسطو» الفيلسوف «ابن رشد» حيث مثّل هذا اللقاء ببعده المنهجي اخر لقاء بين طريقتين سينتهجان العالمين الشرقي والغربي. حين أصبح «ابن رشد» أعظم مفكري الإسلام في الغرب، فيما أصبح «ابن عربي» الشخصية اللامعة في الباطنية الإسلام قاطبة.
سطع نجم «ابن عربي» في الأندلس، وبحلول عام 598 هـ قرر الرحيل إلى المشرق بصورة نهائية، بحيث لم يعد بعدها إلى الأندلس، وقد اختار «دمشق» بعد زيارته لعدد من عواصم العالم الإسلامي لتكون مستقرة، إلى أن توفي فيها سنة 638 هجرية. بعد أن أنجز قرابة ستمئة كتاب ورسالة. وقد تعاظم الاهتمام بفكره بعد موته بفعل النتاج الإشكالي الكبير الذي خلفه وراءه.
لقد كانت فكرة ختم الولاية منتشرة في نصوص صوفية في القرنين الثاني والثالث الهجريين وبخاصة عند: «البسطامي ـ الجنيد ـ الحلاج»، ثم تكرّست عند «الحكيم الترمذي» ثم «الغزالي» في المقترح الأول الذي قدمه «ابن عربي» عن الختم، تعامل مع الفكرة بفهم أنها منزلة من منازل الاقتراب الإلهي،
وهذا الاقتراب في حقيقته اقتراب معرفي، وإن تعرض «ابن عربي» إلى تعيين هذا الختم من قبل الله سبحانه، لأنه هو الذي يصطفي الأولياء الأمر الذي يؤدي إلى أن الولاية في جوهرها منّة إلهية لا دخل للولي فيها من ناحية، ثم إثارة سؤال: هل من الممكن أن تكون الولاية اكتساباً معرفياً من ناحية ثانية.
من المراجعة الدقيقة للنصوص الصوفية المتعلقة بختم الأولياء، عند «ابن عربي» يمكن تحديد بؤرة مركزية تنشدّ إليها الفكرة قاطبة، وهي المعرفة، إذ يرى أن الولاية متاحة لكل إنسان طبقاً لامتلاكه لهذه المعرفة، وعن طريق هذه المعرفة فقط،
يمكن اختبار تلك العلاقة التي تربط بين الحقيقة والولاية. والحقيقة هنا احد التجليات الإلهية، ولذا استخدم «ابن عربي» اصطلاح الولي، للإشارة إلى الأنبياء والرسل «فالولاية هي النبوة الكبرى، والولي العارف مرتبته فوق مرتبة الرسول».
وهكذا تأخذ النبوة بعد المرتبة المعرفية، فلفظ النبوة في معجم «ابن عربي» يشير إلى مرتبة معرفية تشترك مع الولي وتكمن الإشكالية في القدرة على التمييز بين الولاية والنبوة التي جعلها «ابن عربي» مراتب وجودية ذات محددات مميزة تتحقق في الأنبياء المرسلين، والأنبياء غير المرسلين، وحتى الأتقياء من عامة المسلمين.
ومن هنا نرى أن الولاية هي الجذر لجميع المراحل الروحية، والأس الذي تشترك فيه جميع المقامات وفق الفهم الصوفي، ويرى «ابن عربي» أنها صفة إلهية في حقيقة الأمر، إذ أن الله سبحانه قد سمّى نفسه بالولي.
واستطاع «ابن عربي» من خلال ذلك طرح منظور الإرث الشمولي لأولياء الإسلام، الذين هم بالضرورة من تابعي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ولما كانت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ختام الشرائع ناسختها، فالمسلم مكلّف بتنفيذ نصوصها، والأولياء وحدهم القادرون على اكتشاف جوهر هذه الشريعة بسبب أنهم أتباع الرسول الكريم محمد في لغة الإسلام، بينما في قاموس الصوفية هم خلفاء الحق سبحانه.