ألّف هذا الكتاب «جان بيير ريّو»، مدير مجلّة «القرن العشرين» الفرنسية، مع عدد من الاختصاصيين في مختلف المجالات العلمية.دل صعود «جان ـ ماري لوبن» زعيم الجبهة القومية الفرنسية، وصولا بذلك إلى الدورة الثانية في الانتخابات الرئاسية عام 2002، على أن النزعة الشعبية والمدعوة بالشعبوية إنما هي متجذرة في فرنسا.والواقع أن النزعة الشعبوية ليست جديدة فهي مرتبطة بأوضاع مختلفة في الماضي كما في الحاضر، وهي تعلن عن نفسها في نظم ديمقراطية كانت أم ديكتاتورية.

وأخيرا فإنها تتواجد لدى الأحزاب السياسية اليمينية منها واليسارية، في الوقت الذي تكرس نفسها في أكثر من منطقة في العالم. ولهذا فإن المؤلفين يتعرضون لها عبر فصول أساسية: «الشعبوية والعلم السياسي»، «الشعبوية والقومية»، «الشعبويات الفرنسية»، «الدعوة للشعب البسيط حسب ستالين»، «وجوه الشعبوية في البرازيل وأميركا اللاتينية»، «الخطاب الشعبوي في الولايات المتحدة الأميركية»، «الشعبوية في آسيا الجنوبية ـ الشرقية»، الحركات الإسلامية والشعبوية».

وفي الوقت الذي يصعب فيه تحديد مفهوم تام ونهائي للشعبوية، فإن الاختصاصيين في العلم السياسي يقيمون التمييز بين عدة أنماط لها: الشعبوية كنمط في التعبئة للطبقات الوسطى والشعبية، والتي تأخذ طابعا احتجاجيا وقوميا للدفاع عن عامة الشعب ضد ما يعيشونه من استياء وخوف ومناهضة للأوضاع القائمة.

وهي بهذا إنما تعبر عن رغبة ومطلب في مزيد من العدالة والوحدة وصيانة الهوية. وغالبا ما ان هذا النمط يطبع المجتمعات الانتقالية (مثل المجتمعات العربية) التي تريد الخروج من أوضاعها التقليدية والمفككة باتجاه التقدم الاجتماعي والحداثة.

الشعبوية كنمط سياسي استبدادي يتوجه فيه الزعيم ـ البطل مباشرة نحو الجماهير، على أنه المجسد لإرادة الشعب والضامن لوحدته وأمنه وازدهاره مقيما بذلك شرعيته. إلا أن هذا النهج الشعبوي يمكن أن نجده أيضا في «ممارسة السلطة من قبل تحالف أو جبهة» حول زعيم لها داخل النظام الديمقراطي التعددي.

الشعبوية كطراز من التقاليد السياسية ـ الثقافية والتي يمكن التعرف عليها من خلال الصورة المثالية التي تعطيها للشعب على أنه «نقي»، و«أصيل» و«أخلاقي» و«مكتمل». وبهذا فإن الشعبوية الروسية أو الأميركية التي ولدت في القرن التاسع عشر تمثل هذا الطراز القائم على الاعتقاد بهذه الصورة الكمالية للشعب

وأن خلاصه يكمن به طبقا لقيمه وفضائله وتقاليده.الشعبوية كخطاب تبسيطي أو غوغائي سواء في النظام الديمقراطي أم غيره، الخطاب الذي يتوجه نحو تملّق الرأي العام والتلاعب به أو اقتفاء ردود الفعل فيه. وتشكل وسائل الإعلام الحديثة منبر هذا الخطاب إذ تحول الخطاب السياسي فيها إلى نوع من تقنيات اتصالية على شاكلة «التسويق التجاري» للبضائع الاستهلاكية مستهدفا توجيه «التذمر الشعبي» ضد «الأجانب»، وضد «النخب المثقفة» وضد الطبقة السياسية.

والنتيجة أن الشعبوية ليست مقولة سياسية بحد ذاتها بقدر ما أنها نهج وخطاب سياسي. كما أنها ليست إيديولوجية واضحة ومتجانسة بقدر ما أنها مزيج لعناصر مختلطة متضاربة مثل الاشتراكية ـ الريفية (روسيا) والقومية ـ الشعبية (بيرون في الأرجنتين) والقومية الليبرالية (برلسكوني في إيطاليا)، والقومية ـ اللاتينية (ميلوسيفيتش في صربيا).

ويتعرض الباحثون إلى ظهور شعبوية جديدة تتسم بها الأنظمة التي جاءت على أعقاب انتهاء الأنظمة الاستبدادية أو الشمولية (التوتاليتارية) خاصة في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية. وتتجسد هذه الشعبوية بنمط من «الديمقراطية التوكيلية» القائمة على مسلمة أولية هي: «من يفوز بالانتخابات الرئاسية، يحصل على سلطة قيادة البلاد التي يتصرف بها كما يرى ذلك مناسبا».

وإذا ما نظرنا في الأوضاع الحالية في البلدان الغربية نجد أن مشكلة الشعبوية أكثر تعقيدا في عملية التكيف مع التطورات العصرية. فحركة «جان ـ ماري لوبن» تؤكد على نفسه كحركة قومية في الوقت الذي تتغذى فيه من مسألة الهجرة التي «تهدد هوية الشعب الفرنسي» ومن مسألة «العولمة التي تهدد السيادة القومية». وإذا كانت كغيرها من الحركات الشعبوية تقدم على الزعيم المنقذ وعلاقته المباشرة مع الشعب،

فإن هذا الشعب هو مجرد «اثنية» أي «جماعة خالصة» ذات أصول وهوية وثقافة ثابتة. كما أنه شعب البسطاء والشرفاء ضد الفاسدين والمتسلطين. ولكن الشعبوية ليست أمرا يمينيا رجعيا يطرح نفسه منقذا للشعب، وإنما من شأنها أن تكون أمر اليسار التقدمي نفسه.

فهذه الشعبوية اليسارية إنما تجمع عددا من العناصر الأساسية: تقديم صورة مثلى وزاهية للشعب «المنتج» و«العامل» والعارف» و«الطيب» و«العادل» و«المتجانس». هذا المفهوم عن الشعب يقترن أيضا بعناصر أخرى من المفهوم الحديث للأمة حيث يتم الجمع بين «المعنى الاجتماعي: هيئة المواطنين أمام القانون، والمعنى الحقوقي: السلطة المؤسسة لغيرها من السلطات، والمعنى التاريخي: جماعة بشرية موحدة عبر الاستمرارية لها».

كما أن هذه الشعبوية تعبر عن حذر شديد إزاء المؤسسات البرلمانية التمثيلية طارحة بذلك ممارسة الديمقراطية مباشرة بحيث تمكن الشعب من الإشراف على الحياة السياسية وإدارتها، في الوقت الذي تجد في نخبة واعية أو زعيم «نابع من قلب الشعب»، موعدا مع حياة كريمة ومع سعادة مقبلة للجميع.

وبالنسبة لليسار (الذي نجده كما يشير المؤلفون في فرنسا وفي إيطاليا) فإن «التنافس» ليس مسألة علاقة تخضع لقواعد قانونية بقدر ما أنه صراع تشكل السلطة محركه الرئيسي. بل إن هذا الصراع هو دينامية التاريخ ومؤسس كل شرعية فيه بحيث أنه لا بدّ لهذا اليسار من أن «يفكر بعلاقة جديدة مع الديمقراطية ومع الشعب».

ويتعرض الكتاب أخيرا لكل من النزعة الإسلامية والشعبوية. فصعود الحركات الإسلامية لا يفسر إلا بنضوب الأنظمة التي قامت على أعقاب الاستقلال أو الثورات التي حدثت في بعض البلدان العربية، والتي لم تستطع الاستمرار في مشروعها ذي الطابع الشعبوي والتي وصلت إلى حالة الانسداد. كما أن هذا الصعود يترافق مع انتقال السكان من الحالة الريفية إلى الحالة المدينية بشكل متسارع وازدياد الحجم السكاني وتفشي البطالة في الأجيال الجديدة، والخوف من العولمة.

والحقيقة التي يشير إليها بعض الباحثين، أن الطبقات الحاكمة التي اعتقدت أنها مهددة من قبل التيارات الماركسية والتقدمية العربية، قامت «بتشجيع ودعم الحركات الإسلامية». غير أن شرعية هذه الطبقات قد اهتزت كليا، في حين أصبحت الحركات الإسلامية القوة الأساسية إن لم نقل «الوحيدة للمعارضة إزاء حكومات الفساد وفي وجه غرب يحتقر ويسحق العرب».

باختصار هناك «فراغ» تعمل الحركات الإسلامية على ملئه طارحة نفسها كمنقذة ومخلّصة، والعودة بالجماهير للعصر الذهبي ومعتمدة خطاب الهوية والأخلاق والتقاليد المثلى للشعب البسيط والطيب. ويرى التحليل المقدّم أن هذه الحركات كما قامت سابقا «بتسويات مع الأنظمة العربية» لكي تنمو وتزدهر، إنما تجد نفسها «مضطرة لإقامة تسويات مع الواقع الدولي» الجديد على شاكلة ما يجري في تركيا مع «أرباكان»، أي خلق علاقة جديدة مع الحداثة، الأمر الذي يشكل رهانا على مستقبلها.

لكن المشكلة تبقى قائمة. فالنقاشات حول الانفتاح الاقتصادي وحول التحول الديمقراطي مطروحة في معظم البلدان العربية. والمسألة الأساسية تدور حول إمكانية ظهور طبقة من المتعهدين والمقاولين والصناعيين ينشطون المبادرات الإنتاجية لدى المواطنين والعمل لتشكيل مجتمع مدني قادر على حماية التحولات الديمقراطية.

وبدون هذا المجتمع المدني الذي يقول بدمج الحركات الإسلامية فيه باتجاه نظام ديمقراطي تمثيلي تعددي، فإن مستقبل المجتمعات العربية ـ الإسلامية أمام مفترق طرق: إما تحولات تسلطية من نمط جديد، وإما فتح الأبواب أمام الانقلابات العسكرية التي تلجأ إلى دمج الحركات الشعبوية تحت سيطرتها في أوضاع من التذمر المتعاظم للطبقات الوسطى والشعبية.

*الكتاب:النزعات الشعبوية

*الناشر:بيران تومبوس باريس 2007

*الصفحات:436 صفحة من القطع المتوسط

Les populismes

Perrin/ Tempus - Paris 2007

p.436