مؤلف هذا الكتاب هو الباحث ريان س. هندريكسون المختص بالشؤون الإستراتيجية لحلف الأطلسي، وهو يقدم في هذا الكتاب لمحة تاريخية عامة عن أشهر حلف سياسي وعسكري في التاريخ المعاصر. ويقول منذ البداية بما معناه: إن حلف الأطلسي هو عبارة عن منظمة سياسية عسكرية أسست بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة الاتحاد السوفييتي والشيوعية.

وقد جاء تأسيس الحلف على اثر المفاوضات التي جرت في بروكسل بين الدول الأوروبية والدول الأميركية الشمالية، نذكر من بينها: بلجيكا، وفرنسا، واللوكسمبورغ، وهولندا، وانجلترا، والولايات المتحدة وكندا. هذا بالإضافة إلى الدنمارك، وإيطاليا، وايسلندا، والنرويج، والبرتغال. وقد اتفقت هذه الدول المتحالفة على أن يكون مقر الحلف الدائم في بروكسيل عاصمة بلجيكا. كما واتفقت على أن يكون مركز قيادته العسكرية في بلجيكا أيضا ولكن في مدينة أخرى هي: مونس.

وبعد تأسيسه سارع الاتحاد السوفييتي إلى تشكيل حلف مضاد هو حلف وارسو الذي يجمع بين الاتحاد السوفييتي وبقية دول أوروبا الشرقية الاشتراكية. ولكن هذا الحلف انهار بالطبع بعد زوال الشيوعية ولم يبق في الساحة إلا حلف الأطلسي.

ثم يردف المؤلف قائلا: يبدو أن حلف الأطلسي ولد بعد أن لاحظ قادة الغرب أن الأمم المتحدة عاجزة عن تحقيق السلام في العالم بوسائلها الدبلوماسية الخاصة. ويعود السبب في ذلك إلى أن الاتحاد السوفييتي كان يعطل قراراتها بواسطة حق الفيتو الذي يستخدمه مرارا وتكرارا.

ولذلك قرر الغرب الأوروبي ـ الأميركي تشكيل حلف دفاعي يؤمن استقراره ويعطيه حق التدخل في العالم دون إذن الأمم المتحدة إذا لزم الأمر. وقد أصبح حلف الأطلسي رسميا ودستوريا في 11 يونيو من عام 1948، وذلك بشرط أن يكون متوافقا مع ميثاق الأمم المتحدة.

وقد سجل الحلف في مادته الخامسة أنه إذا ما حصل عدوان ما على أي عضو من أعضائه فإن الرد عليه لا يكون إلزاميا من قبل بقية الأعضاء وإنما يترك حرا، فكل عضو يتخذ الموقف الذي يريده عندئذ طبقا لرغبته وسيادته القومية ولا يحق للحلف أن يفرض عليه المشاركة الإجبارية في الرد العسكري.

والواقع أن أميركا فرضت هذا الشرط لكيلا يجبر الكونغرس على اتخاذ قرار الحرب دون إرادته. فالواقع أن الطرف القومي في الحلف كان أميركا وليس أوروبا. وكانت أميركا تريد أن نبقى مطلقة اليدين فيما يخص اتخاذ قرار الحرب أو السلم.

ثم يردف المؤلف قائلا: ويمكن القول بأن معاهدة حلف الأطلسي لم تكتمل ولم توقع رسميا إلا في واشنطن وبتاريخ 4 أبريل من عام 1949. وقد وقعت عليه الدول التالية: الولايات المتحدة، كندا، بلجيكا، الدنمارك، فرنسا، هولندا، ايسلندا، إيطاليا، اللوكسمبورغ، النرويج، بريطانيا، البرتغال.

وعن طريق هذا التحالف الكبير قطعت أميركا مع تاريخها الانعزالي السابق وربطت مصيرها بمصير القارة الأوروبية وحققت مقولة ديغول: أميركا هي بنت أوروبا ولا شيء آخر. وقد فعل الأوروبيون المستحيل لكي يربطوا مصيرهم بمصير الولايات المتحدة التي أصبحت أقوى منهم بكثير.

وحتى لو كانت المادة الخامسة من ميثاق الحلف تقول بأنها ليست مجبرة على دخول الحرب إذا ما تعرضت دولة أوروبية ما للاعتداء السوفييتي، فإنها كانت عاجزة عن أن تبقى مكتوفة اليدين في مثل هذه الحالة. وبالتالي فانخراطها في الدفاع عن أوروبا كان إجباريا في كل الحالات.

ومنذ البداية هاجم الاتحاد السوفييتي حلف الأطلسي واعتبره أداة في يد الإمبريالية الأميركية. والواقع أن الحلف قام على قاعدة التبادل الاقتصادي الحر بين أميركا وأوروبا، وهو التبادل الذي أرادته أميركا لربط اقتصادها باقتصاد أوروبا. ويمكن القول بأن الحلف تحول تدريجيا إلى أداة فعالة للهيمنة الأميركية على المعسكر الغربي. وبالتالي فموسكو لم تكن مخطئة.

ثم يردف المؤلف قائلا: في البداية كان مقر الحلف في لندن ثم انتقل إلى باريس عام 1952، ولكنه ترك العاصمة الفرنسية عام 1966 بعد أن أعلن الجنرال ديغول الانسحاب من القيادة العسكرية للحلف في لحظة غضب مشهورة ضد واشنطن.

هذا وقد توسع الحلف بعدئذ لكي يشمل دولا أخرى كاليونان وتركيا وألمانيا الغربية وإسبانيا. وكان الهدف منه تطويق الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية برمتها. وقد لعب دورا فعالا أثناء الحرب الباردة وكان له دور هام في إسقاط الاتحاد السوفييتي.

ثم راحت الولايات المتحدة توسعه مرة أخرى بعد انتهاء الحرب الباردة عام 1990. وهكذا ضمت إليه معظم دول أوروبا الوسطى والشرقية التي كانت شيوعية سابقا ومنضوية تحت لواء حلف وارسو. والدول الجديدة التي انضمت إليه هي: هنغاريا، وبولندا، والجمهورية التشيكية كوجبة أولى عام 1999.

ثم انضمت إليه دول أخرى كوجبة ثانية عام 2004 هي دول بحر البلطيق بالإضافة إلى بلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا، هذا وقد عبرت دول أخرى عن رغبتها في الانضمام إلى حلف الأطلسي بعد أن أصبحت ديمقراطية، وهي التالية: مولدافيا، أوكرانيا، جورجيا.

وعلى هذا النحو أصبح حلف الأطلسي أكبر حلف عسكري في التاريخ. ولم تعد هناك أي قوة عظمى بقادرة على مواجهته. وقد خاض أول معاركه العسكرية الكبرى ضد نظام ميلوسيفيتش في يوغسلافيا من أجل إنقاذ إقليم كوسوفوالمسلم من براثنه وتطهيره العرقي والطائفي له.

وقد قصفت قوات حلف الأطلسي بلغراد وبقية المدن الصربية الأخرة لمدة أحد عشر أسبوعا حتى استسلم الدكتاتور وخضع لإرادة الغرب دون أن تتجرأ روسيا على أن تحرك ساكنا. نقول ذلك على الرغم من أنه تجمعها بصربيا وشائج تاريخية وثيقة كالعنصر السلافي والدين، الخ.

ثم يردف المؤلف قائلا: وبعد ضربة 11 سبتمبر التي أصابت أميركا على رأسها وأهانتها طالبت واشنطن الدول الأعضاء بالتضامن معها وخوض المعركة الكبرى ضد ما تدعوه بالإرهاب العالمي. وعلى هذا النحو انخرطت دول الحلف أو قسم كبير منها في المعارك ضد الطالبان في أفغانستان.

ولا يزال حلف الأطلسي يخوض المعارك هناك يوميا وفي مناطق عديدة. وهذا دليل على أن حلف الأطلسي ليس نمرا من ورق وإنما هو حقيقة واقعة. وقد استفادت الولايات المتحدة كثيرا من مشاركة القوات الألمانية والفرنسية والكندية وسواها في العمليات العسكرية التي لا تزال جارية هناك.

في الواقع أن حلف الأطلسي يستخدم أولا سلاح الدبلوماسية مع أعدائه قبل أن يلجأ إلى الحل العسكري. فإذا قبل الطرف المضاد بشروطه حلت المشكلة سلميا وإلا لجأ إلى التهديد بالقوة المسلحة فالضرب. وهذا ما فعله مع الديكتاتور ميلوسيفيتش.

ومن العمليات العسكرية الأساسية التي قام بها الحلف يمكن أن نذكر تدخله العسكري في البوسنة بين عامي 1995-2004. فقد قام هناك أيضا بعمليات قصف عسكرية لإجبار الصرب على التراجع عن سياسة المجازر والتطهير العرقي ضد السكان المسلمين.

وفي العراق يقوم حلف الأطلسي بتقديم المساعدات اللوجستية للقوات الدولية المتعددة الجنسيات. كما أنه يقوم بتدريب قوات الأمن العراقية. وأما في أفغانستان فإن قوات حلف الأطلسي تتدخل بشكل مباشر كما قلنا سابقا. وهي تبلغ الآن تسعة آلاف رجل،

ولكن يمكن أن تصل إلى عشرين ألف رجل إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك. وهدفها توسيع سيطرة الحكومة المركزية على مختلف أقاليم البلاد وليس فقط على كابول. ولكنها تصطدم بمقاومة شرسة من طرف قوات الطالبان وبخاصة في قندهار والجنوب.

ثم يردف المؤلف قائلا: هذا وقد اجتمعت قيادة حلف الأطلسي عام 2006 وقررت تحضير نفسها لخوض حربين كبيرتين في آن معا إذا لزم الأمر. وقررت تحضير نفسها لخوض حربين كبيرتين في آن معا إذا لزم الأمر. وقررت لهذا الغرض تشكيل فرق عسكرية تضم مائة وعشرين ألف رجل.

وبالتالي فقد أصبح حلف الأطلسي قادرا على التدخل في أي منطقة من مناطق العالم وعلى عدة جبهات مختلفة. هذا ويمكن أن يصل عدد القوات القابلة للاستنفار إلى ثلاثمائة ألف رجل دفعة واحدة. وهذا يعني أنه أصبح للحلف جيش خاص به يمكن أن يكون رديفا للجيش الأميركي في أي منطقة من مناطق العالم.

على هذا النحو استطاعت الولايات المتحدة أن تجمع الغرب كله حولها من أجل خوض ما تدعوه بمعركة المعارك بالنسبة للقرن الحادي والعشرين: أي الحرب ضد الحركات الراديكالية الأصولية على مدار العالم كله.

*الكتاب:الدبلوماسية والحرب لدى حلف الأطلسي

*الناشر: مطبوعات جامعة ميسوري 2007

*الصفحات: 172 صفحة من القطع الكبير

Diplomacy and war at NATO

University of Missouri Press2007

p.172