مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب المغربي محمد سبيلا والذي يساهم بقدر وافر من المقالات في الصحف العربية في مجالات الفلسفة والفكر العربي المعاصرين. وفي كتابه الذي نعرض له يتطرق سبيلا إلى واحد من الموضوعات الهامة التي أصبحت تفرض نفسها علينا فرضا لاسيما أن كل ما حولنا أصبح يحاكي العولمة في كل مجالات الحياة وكل مظاهرها.

وينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام رئيسية يتناول المؤلف من خلالها مجموعة من القضايا التي تتمحور حول موقعنا كعرب ومسلمين مما يجري في واقعنا المعاصر في ظل التطورات التقنية التي يشهدها العالم وتجعل منه بمثابة قرية صغيرة .

يبدأ محمد سبيلا مؤلفه بالتطرق إلى قضايا المغرب الحديث. وفي هذا السياق يستعرض «النهضة المغربية» مشيرا إلى البوادر الأولى لهذه النهضة وأبرز أعلامها ومنهم الشيخ شعيب الدكالي الذي يمثل الصدى المباشر للسلفية في المشرق،

والشيخ محمد بن العربي العلوي أحد رواد الحركة السلفية المستنيرة الذي ساهم في إنشاء أول حزب تقدمي في مغرب الاستقلال «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» والشيخ محمد المكي الناصر الذي كان من أوائل المغاربة الذين انفتحوا على الفكر العربي حيث نشر منذ سبعين سنة في القاهرة كتابا عن حياة سقراط ينم عن إطلاع على مكونات الثقافة اليونانية القديمة.

كما يشير إلى أن من أبرز رواد الحركة الإصلاحية والنهضوية في المغرب بشقيها النظري والعملي الرائد علال الفاسي الذي كان منظرا ومجددا للحركة السلفية وأحد الذين طبعوا الفكر السياسي في المغرب بتجديداته وانفتاحه على الفكر السياسي العصري.

ويتطرق إلى ذكر عبد الله إبراهيم المثقف والسياسي والكاتب الذي كان من بين أوائل رجال النهضة المغربية المنفتحين على الفكر العصري حيث قرأ لهيجل وماركس وكان أول من بلور الفكرة اليسارية بالمغرب لدرجة أن نقول معها انه الأب الروحي لليسار المغربي.

وفي رؤية موجزة يشير إلى أنه على وجه العموم فإن الحركة الثقافية النهضوية توزعت إلى تيارات فكرية يوجزها على النحو التالي: تيار فكر تقليدي (محمد المكي الناصري)، تيار إصلاحي ليبرالي سلفي (علال الفاسي)، تيار إصلاحي ليبرالي سلفي (محمد بلحسن الوزاني وعبد الهادي أبو طالب).

وضمن ثنايا تناول قضية النهضة يتطرق المؤلف إلى الحديث عن النظام الشمولي وعما إذا كان له جذور في تاريخنا؟ هنا يرى المؤلف أن النظام الشمولي لم يتيسر له الظهور إلا بفضل التقدم التقني الذي كان المستفيد بل الحافز الأساسي له، فالمكتشفات الكبرى مرتبطة بالأمن وبمراقبة حياة الناس والإنترنت نشأت أول ما نشأت في وزارة الدفاع الأميركية كأداة حربية. وبعبارة موجزة فإن هناك علاقة وطيدة بين التقدم التقني والسيطرة السياسية، فالأنظمة الشمولية نشأت غالبا في دول متقدمة صناعيا.

وهنا يشير سبيلا إلى أن الفرضة التفسيرية المتداولة في العلوم الاجتماعية في الغرب هي ربط النظام الشمولي بتطور التقنية وبخاصة التقنية المفيدة في المراقبة، لكن يمكن توسيع دائرة هذه الفرضية بالقول ان لكل سلطة أساليبها في الهيمنة والشمولية فالمجتمعات التقليدية القديمة كانت على الرغم من التشتت وعدم ضبط المناطق البعيدة

بسبب تخلف المواصلات والاتصالات قادرة عن طريق الكتابة وإصدار الأوامر وتعيين الولاة والتفتيش وإقامة المحلات على ضبط مفاصل الجسم الاجتماعي وإن لم تكن قادرة كما هو الأمر اليوم بفضل التقدم التكنولوجي على قراءة ما في الصدور ومراقبة النفوس والتفتيش تحت الرموش حسب قوله.

من الحديث عن النهضة المغربية ينقلنا المؤلف بعد ذلك إلى قضية «الديمقراطية والثقافة السياسية» ويبدأ تناوله بقضية هامة تتركز حول أسلمة المعرفة وما إذا كانت مطلبا أيديولوجيا أم ضرورة معرفية. وباختصار يشير إلى أن الصحوة الإسلامية المعاصرة ترى أن جوهر التحرر السياسي والاقتصادي وعلته الأساسية في نظرها هو التحرر الثقافي والفكري والعودة إلى المنابع والأصول ومن ثم تكتسب مقولة أسلمة المعرفة بعدها الفكري والاستراتيجي.

وعلى ذلك يشير إلى أن هذه المقولة تتضمن بعدين فبعدها السالب يتمثل في تحرير أشكال المعرفة التي تقدمها العلوم الحديثة وتخليصها من مركزيتها الأوروبية الغربية وبخاصة في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية ما دام من الصعب اتخاذ نفس الموقف من العلوم والتقنيات الدقيقة لكن بعدها الآخر المتمثل في إقامة علوم إنسانية خاصة وهو الأمر الذي يتعين حسب المؤلف أن يكون محل نقاش.

وفي تفنيد لهذه الرؤية يشير سبيلا إلى أن الإنسانيات، أي جملة المعارف المتعلقة بالإنسان في الثقافة الغربية على الرغم من دقة أدواتها أو مناهجها ومفاهيمها تظل بدرجات متفاوتة وحسب نوع العلم الإنساني مطبوعة بمسحة أيديولوجية رفيعة من المركزية الغربية ويستعرض في ذلك ثلاثة أمثلة من ميدان الفلسفة تتضمن فلسفة هيجل وهوسرل وهيدجر،

ينتهي من خلالها إلى القول إن مطلب التحرر ينبغي ألا يدفع ثقافتنا إلى قذف الطفل مع ماء الحمام كما يقال، فالمفاهيم والنواة المعرفية في الفكر الغربي قوية وذات مشروعية عقلية ومصداقية معرفية ولا شك أن النواة المعرفية تسبح بدرجات متفاوتة في سياق أيديولوجي.

ومن هذه النقطة ينقلنا المؤلف إلى مجال آخر للنقاش يتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية فيشر إلى أن حقوق الإنسان مع الديمقراطية ترتبط بأكثر من وشيجة فهما معا مكونان أساسيان للفكر السياسي للحداثة، فهما أداتان لتحقيق التحديث السياسي أي أداتين لنقل أسلوب الحكم من الشرعية التقليدية إلى الشرعية التمثيلية وهما من ناحية ثانية تستهدفان وضع حد للسلطة

وخاصة لدى الاتجاهات الليبرالية التي ترى أن الوظيفة الأولى لحقوق الإنسان هي الحد من سلطة الدولة. وعلى ذلك فالديمقراطية تعد الترياق المؤسسي ضد أية نزعة سلطوية شمولية ومن ميزتها كذلك أنها آلية مؤسسية ترفض إرساء السلطة على أساس أيديولوجي ديني أو دنيوي فالمعيار الوحيد هو التمثيلية.

بعد ذلك يتناول المؤلف العديد من القضايا الراهنة في إطار ما يسميه «زمن العولمة» فيشير إلى أنه إذا كان ينظر للأرض حتى نهاية القرن السادس عشر على أنها مركز الكون فقد تلاحقت الأحداث فيما بعد وابتداء من القرن السابع عشر بدأ نوع مما يسميه الصخب الكوني يلف الأرض حيث تلاحقت الثورات التقنية والعلمية وتسارعت وتيرة الاكتشافات بما غير بالتالي صورة الأرض أساسا وصورة الكون.

لقد أصبحت الأرض كوكبا في حالة غليان، كوكبا مشتعلا تنبعث منه أبخرة ودخان ثاني أكسيد الكربون الذي اخذ يخترق الطبقات الجوية الخامية للأرض، كوكب تجوب فضاءه آلاف الطائرات المدنية والحربية وتحيط به عشرات من الأقمار الصناعية.

وإذا كانت الإنترنت هي أحد أسباب تغول العولمة فإن سبيلا يشير إلى أحد المشاكل الأساسية التي تواجه العرب في ذلك المجال حيث يذكر أن اللغة العربية ما تزال تصارع من أجل فهم وامتلاك وتسمية التحولات التقنية الجديدة التي أتت بها الثورة المعلوماتية التي تكتسح العالم اليوم.

ومن ذلك التضارب حول مفهوم virtuel حيث يستعمل البعض المصطلح (افتراضي ) للتعبير عنه فيما يستعمل آخرون (ضمني) أو (مضمر) وثوالث يستعملون كلمة خائلي وخائلية اشتقاقا من فعل خال. لكن عيب هذا المصطلح هو أنه يتضمن بعد التخيل والتوهم أو التهيؤات

كما تسعفنا بذلك اللغة الدارجة المصرية في حين أن الواقع الافتراضي الذي تنشئه التكنولوجيات المعلوماتية هو واقع موجود وجودا فعليا فهو أقرب ما يكون إلى السراب أو الضباب، قائم وموجود لكنه فرّار ومع ذلك فإن المصطلح الغربي خائلي مصطلح معبر وييسر عملية الاشتقاق. إن الواقع الافتراضي حسب المؤلف هو واقع مواز للواقع الفيزيائي والتاريخي اليومي

لكنه ليس هو بالضبط فنحن نسمع اليوم عن معارك القرصنة المعلوماتية وحرب الفيروسات وعن المؤسسات الافتراضية والجماعات والتجارة وكأننا أمام عالم مواز مسكون هو أيضا من طرف كائنات جديدة. وهذا الواقع الافتراضي الجديد الذي تخلقه الثورة التقنية المعلوماتية هو أقرب ما يكون إلى صورة المرآة مع فارق بسيط يتمثل في أننا أمام وجود فعلي ضوئي أمام كائنات وكيانات ضوئية.

ومن الإنترنت إلى سحر الهاتف المحمول يتساءل المؤلف عن سر هذه القنبلة التواصلية التي انفجرت في مجتمعنا في السنوات الأخيرة على حين غرة باستثماراتها المالية الضخمة وشركاتها العملاقة وحوانيتها المنتشرة كالدود في الدروب والأزقة؟. يؤكد المؤلف على أن هذا الانفجار التواصلي الذي يعتبر الهاتف المحمول بطله الرئيسي يعتبر استجابة لحاجات تواصلية موضوعية تيسيرا للأعمال والخدمات والنشاط الاقتصادي وغيره.

غير أن المؤلف ينبهنا إلى ما يعتبره طابعا سحريا لهذه الأداة الألعوبة فهي بصغرها وبقدراتها السحرية الفعلية المتمثلة في استحضار أي شخص في أية بقعة قريبة أو نائية ومخاطبته أيا كان وفي أي وضع كان والإمساك به حيا في أي زمن وفي أي مكان يبدو أنها تنافس السحر بل ربما هي السحر عينه من حيث هو اختراق للأزمنة واختراق للأمكنة واستحضار للأجساد والأصوات والأرواح البعيدة.

غير أن المؤلف يشير إلى بعد آخر قائلا انه بالإضافة إلى بعد السحر هذا فإن هناك مفعولا آخر لا يقل قوة هو السحر بمعنى الفتنة والافتتان الذي يمارسه المحمول على النفوس. لقد قام العلم في الأصل على مناهضة السحر واعتباره شيئا أدخل في باب الخرافة وها هو العلم اليوم بما يتولد عنه من تطور تقني مذهل يعيد للسحر سحره ويجعل العلم التقني ذاته ضربا من السحر الساحر

وهكذا تتقلص كليا تقريبا المسافة المعهودة بين العلم والسحر .. فهل كان السحر القديم يأمل شيئا أكثر من تقليص الأزمنة واختزال الأمكنة والتحويل الكيميائي للمواد ومخاطبة الأشخاص حيثما كانوا كما تفعل اليوم هذه الأعجوبة التقنية الجديدة التي يضفي استعمالها مسحة لا عقلانية على منتوج هو نتيجة تطور عقلاني في الأصل؟

ويختتم المؤلف رحلته مع تطورات العولمة بالتطرق إلى قضية «الحداثة والتحديث» حيث يستعرض ضرورة التحديث الثقافي، ومنها يعرج إلى العلاقة بين الإسلام والغرب مقدما رؤية بشأن جذور المواجهة وآفاق الحوار

وفي هذا الصدد يشير إلى ما راكمته الثقافة الأوروبية الغربية بشقيها المسيحي والعلماني من تراث ضخم من الأحكام السلبية المكونة لصورة نمطية عدائية واضحة تجاه الإسلام والمسلمين دينا وثقافة وحضارة.. فهو عالم الوثنية والعدوانية والاستبداد السياسي والشبقية.

وفي المقابل كانت الصورة النمطية للغرب الأوروبي في الثقافة العالمة والعامية العربية الإسلامية هي أيضا صورة سلبية فهؤلاء كفار وأعاجم وعباد صلبان. وينتهي إلى حيوية إقامة جسور حوار وتفاهم بين الثقافتين الأمر الذي يتطلب حسبه التخلص من هذه الطبقات الرسوبية الكثيفة للأحكام الجاهزة والصورة النمطية السلبية الراسخة في الثقافتين معا.

ألفت عبد الله

* الكتاب: زمن العولمة .. فيما وراء الوهم

* الناشر:دار توبقال للنشر - المغرب 2006

* الصفحات:112 صفحة من القطع المتوسط