كل سنة تجوب مجموعة من الشعراء العرب أصقاع أوروبا متنقلين من مهرجان إلى مهرجان، تارة يحملون إرثهم من بضعة كتب طبعت على عجل وبنسخ محدودة في مطابع مجهولة، وتارة يحملون أوراقهم بحثا عن قرية اسكندنافية أو أبرشية سويدية تساعدهم في طباعة كتاب يترسمون بعدها أدباء تقام لهم الندوات وتحشد حولهم الناس في القارة العجوز ثم يترجمون إلى لغات ما أنزل الله بها من سلطان.

جوقة شعراء مهرجانات أوروبا، جاءوا هكذا من اللا مكان، نبتوا فجأة في مدينة على خارطة أوروبا، مدينة سكانها من المتقاعدين أو كبار السن الذين يمضغون صمتهم وهم يصغون إلى ترجمات لقصائد لا شيء يربطها بالعربية سوى رسمها الإملائي، ولا شيء يحيل مضمونها إلى الضاد سوى أسماء كتابها الذين زاد انتشارهم هناك بمعدل التضخم السكاني لبلدين كمصر أو الهند،

حيث بدأت تلك المهرجانات بشاعرين أو ثلاثة ثم تحولت إلى دستة شعراء تقدمهم الأكاديميات المحلية، أو المجالس البلدية، لجمهور من عجائز أوروبا الذين يمضون تقاعدهم في بلدات نائية يتلقون علاجا صحيا جيدا وغذاء مفيدا وتسلية مناسبة يتخللها أشخاص بسحنة سمراء يقرأون قصائدهم في المقاهي تحت مسميات مهرجان الشعر العربي في بافاريا أو زيوريخ أو لوكارنو.

شعراء يحتلون الذاكرة في أوروبا لأنهم يترجمون أعمالهم إلى السويدية والألمانية والفنلندية والإيطالية وطريقهم على ذلك وسيط نشط يقرب المسافات بينهم وبين دار نشر محلية أو يترجم أحدهم كتابه إلى الدانماركية ثم يهديه لعمدة المدينة باعتباره إرثاً من الشرق،

فيشتهرون هناك شهرة تغذيها الصحافة المحلية وتزيدها مدونات الإنترنيت بريقاً فيصبح من كان مجهولا في لغته ،علما خارجها، وهذا يفسر جهل شعوب أوروبا بعمالقة من أمثال الجواهري وأبو ريشة وبدوي الجبل، لكنهم يعرفون غيرهم ممن لا نعرفهم هنا.

جوقة من الشباب العرب تجوب قرى القارة الباردة لا هَم لها سوى تقديم نفسها للآخرين كنتاج حضاري للشرق، فهم لجهة يرفضونه، ولجهة أخرى يكتبون بلغة الضاد، ولجهة ثالثة، وهي الأخطر، أنهم ناقدون لشرقهم الذي هربوا منه، واكتفوا بمعونات تقدمها لهم منظمات مجهولة ترأف بحالهم،

أو تساهم في تغريبهم دون انتباه لما قد يخسرونه من ميزة الشرق الذي صَدر للغرب ألف ليلة وليلة والذين يقارنون بين شعر هؤلاء الشباب وبين خيال الشرق الشهواني الجامع فلا يجدون سوى برودة مفتعلة، أو عبارات ثلجية لا أصالة فيها.

لقد انتشر هذا النمط من المهرجانات في أوروبا انتشارا شديدا وبمعدل مهرجان على الأقل شهريا في إحدى البلدات أو القرى النائية ومن خلالها تصدرت إلى الغرب ثقافة جديدة لجيل أراد أن يقلد مشية الغراب فلم يستطع... لكنه نسي مشية العصفور أيضا.

hussain@albayan.ae