يعمل مؤلف هذا الكتاب رئيسا لتحرير مجلة السياسة الخارجية ـ فورين بوليسي ـ الأميركية. كان وزيراً للصناعة والتجارة في فنزويلا عام 1989، كما شغل لفترة من الزمن منصب المدير التنفيذي للبنك الدولي، وهو أحد الأخصائيين المعروفين في الشؤون الاقتصادية والسياسية الدولية والعولمة.
سبق له وقدم ما يزيد على عشرة كتب ومئات الدراسات والمقالات. ومن كتبه: «دروس في التجربة الفنزويلية» و«المنافسة السياسية والفوضى والتحديث في أميركا اللاتينية» و«مكسيكو 1994»، الخ. في هذا الكتاب الجديد «التجارة غير المشروعة: كيف يخطف المهرّبون والمتاجرون والمزورون الاقتصاد العالمي» يتحدث المؤلف، كما يدل عنوان الكتاب، عن النشاطات التجارية غير المشروعة، أو ما يسمى بـ «الاقتصاد الجوفي»، والتي تخص مليارات الدولارات المتأتية من الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات وتجارة الأعضاء البشرية والدعارة وصناعة المنتوجات المزيّفة نقلا عن «الماركات» الكبرى وتبييض العملات من قبل بنوك تنتشر في العديد من أرجاء العالم وغير ذلك من نشاطات تمتد من الأكثر «بساطة» مثل «قرصنة» أشرطة التسجيل والأغاني وغيرها وحتى الأكثر بشاعة مثل تجارة الأعضاء البشرية.
وما يؤكد عليه المؤلف على مدى تحليلاته هو أن هذه التجارة «غير المشروعة» قد ازدهرت كثيرا خلال السنوات الأخيرة. وانها تقوم في أغلب الأحيان على نوع من العبودية الجديدة واستغلال حاجات الناس وبؤسهم. والأمثلة المضروبة على ذلك عديدة ومتنوعة
مثل «نقل عدة كيلوغرامات من المخدرات من بوغوتا إلى واشنطن في معدة أحدهم المملوءة بأكياس بلاستيكية صغيرة محشوّة بالكوكايين، وذلك مقابل حفنة من الدولارات». كما يكتب المؤلف، أو مثل «بيع رشاشات الكلاشنكوف والقنابل الكيميائية في سوق منطقة ترانسنيتريا في أوروبا الشرقية،
وذلك في وضح النهار» أو أيضا مثل «خطف الأطفال من اذربيجان إلى البرازيل ومرورا بموزمبيق من أجل انتزاع الكلى من أجسادهم وبيعها عبر شبكات الانترنت». ويركّز المؤلف ضمن هذا السياق على خطورة ظاهرة الهجرة السرّية من مختلف أنحاء العالم الفقير،
وخاصة من القارة الإفريقية السوداء، وحيث تصل كل يوم حشودا من «القطعان البشرية»، حسب تعبيره، إلى الشواطئ الأوروبية دون أن تعرف مصيرها. وأغلبية هؤلاء هم من الشباب الذين تركوا بلدانهم هربا من حالة البؤس وغياب أي منظور مستقبلي.
ويتحدث المؤلف طويلا أيضا عن شبكات «الجريمة المنظمة» التي يحركها هاجس واحد هو الربح المادي بعيدا عن أية مشاعر إنسانية. هذه الشبكات كانت هي «المستفيد الأول» من الواقع الذي فرضته العولمة فيما يخص «الزوال التدريجي للحدود»، هذا فضلا عن أنها، أي الشبكات، تستخدم «آخر صيحات» التكنولوجيات الحديثة المتقدمة من أجل «تسيير أعمالها».
ولا يتردد المؤلف في الحديث عمّا يسميه «العبودية الحديثة»، وذلك على أساس أن العبودية قد مورست منذ الأزمنة الغابرة القديمة، وكان «الرجل الأبيض» صاحب خبرة كبيرة في هذا المضمار تحت مسميات كثيرة ليس أقلها إثارة للغرابة، ممارستها باسم الديمقراطية والحرية.
هكذا جرى «بيع» أكثر من 12 مليون إفريقي من العبيد للخدمة في مزارع الأميركيين البيض على مدى أربعة قرون من الزمن. لكن إذا كانت هذه الممارسة قديمة فإنه قد جرت «عولمتها» كي تتعاظم إلى حد كبير، حيث يقدم المؤلف رقم «30» مليون شخص جرى إرغامهم على الانتقال قسرا خلال عشر سنوات فقط من مناطق جنوب شرق آسيا.
ويؤكد أيضا أن المستفيد الأكبر من هذه الهجرات الحديثة هم «التجار» الذين يحققون مكاسب كبيرة. وأصبح من المألوف أن يقوم المرشحون للهجرة من البلدان الفقيرة بدفع مبالغ مالية مقابل «توصيلهم سرا» إلى أحد البلدان الأوروبية الغنية. وينقل المؤلف عن إحصائيات منظمة الأمم المتحدة أن أرباح «تجارة الكائنات البشرية» قد ازدادت خلال سنوات التسعينات المنصرمة من مليوني دولار إلى 9 مليارات دولار.
ويقدّم المؤلف العديد من الإحصائيات الأخرى «المخيفة»، إذ يدل على أن حجم التجارة غير المشروعة تعادل 10 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي العالمي مقابل 1 بالمئة فقط منذ عشر سنوات. بل لا يتردد في القول ان النسبة الحقيقية لمثل هذه التجارة «غير المشروعة» هي أكثر من ذلك بكثير في واقع الأمر،
ويرى أن «تجارة البشر» وحدها بكل أشكالها أصبحت تقدّر إجمالا فيما بين 7 و10 مليارات دولار سنويا منذ بداية هذا القرن الحادي والعشرين. كما يشير إلى أن مصادرة المخدرات قد «تضاعفت» ما بين عام 1990 وعام 2002، أي ما يعاني «تضاعف» تجارتها.
هذا لاسيما مع بروز «أسواق جديدة» و«مورّدين جديد» و«أنواع جديدة» من المخدرات. ذلك بالإضافة إلى مناطق الإنتاج التقليدية وأسواقها. بكل الحالات تبقى القارة الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية من بين الأسواق التي تشهد «ازدهارا» كبيرا في هذا الميدان.
أما تجارة المنتوجات المزوّرة نقلا بصورة غير شرعية عن «الماركات» العالمية الكبرى من الساعات إلى الملابس الراقية وغيرها، فإن قيمة ما تعرضه في الأسواق سنويا يزيد على 1000 مليار دولار حسب التقديرات التي يقول بها المؤلف قبل أن يشير إلى أن نسبة المنتوجات «المصادرة» منها لا تمثل سوى نسبة ضئيلة جدا.
والأمر نفسه بالنسبة لتجارة الأعضاء البشرية والعملات المزوّرة والنفايات الصناعية وسوى ذلك مما تضمنه قائمة منتوجات التجارة غير المشروعة التي «تعولمت» هي الأخرى، وإضافة للأرقام السابقة المقدّمة تدل إحصائيات صندوق النقد الدولي أن كمية الأموال «القذرة» التي جرى «غسلها» و«تبييضها» قد تضاعفت عشر مرّات، بل أكثر من ذلك، منذ عام 1990 حتى اليوم.
وبالاعتماد على الإحصائيات المأخوذة من مصادر ومؤسسات وجهات رسمية، وعلى قراءتها ومدلولاتها، يصل المؤلف إلى القول أنه، ورغم عدم إمكانية التحقق من هذه الإحصائيات بدقة وأنها تقريبية إلى هذه الدرجة أو تلك، يمكن التأكيد أن «الأسواق العالمية السرية» قد تطورت وانتشرت حسب إيقاع أكبر بكثير من التجارة الدولية الرسمية.
كما يتم التأكيد أن الجهود التي بذلتها الحكومات و«نواياها الصادقة» في هذا الميدان، فإن الواقع يفرض نفسه و«الاقتصاد الموازي» يتطور ويزدهر منذ عقد من الزمن. ذلك أن ثورة المعلوماتية والاتصالات «قلّصت» أيضا من قدرة الدول على مراقبة الحدود. وفي الحالتين صبّ هذا «التقليص» في إطار «تسهيل» مهمة شبكات التجارة غير المشروعة، ثم أن شبكة الانترنت وما توفره من إمكانية التواصل والتبادل ذهبت في نفس الاتجاه.
ويكرّس المؤلف العديد من صفحات كتابه لما يسميه «تجارة النوويات غير المشروعة». ويؤكد أن البرامج النووية لدى الدول ذات الطموح في هذا الميدان قد وجدت التكنولوجيات والتجهيزات والمواد الأولية المطلوبة لدى أولئك الذين يبحثون عن الكسب المادي،
وأن الأمر لا علاقة له بأية اعتبارات جيوسياسية. ويتم التأكيد أيضا في هذا السياق أنه من المستحيل الفهم الكامل لما آلت إليه الأوضاع في العديد من مناطق العالم من الصين إلى أميركا اللاتينية دون أن يؤخذ بالاعتبار النفوذ الذي يمارسه «تجار» كبار يعملون في «السوق الموازية» على اقتصاد وسياسات الدول.
واستطرادا في نفس النهج من التحليل يرى المؤلف أن المهاجرين «السريين» يغيّرون كثيرا في بنى المدن والمجتمعات التي يقصدونها. كما يؤكد أن التزوير والقرصنة في ميدان الصناعة خاصة، وتجار الأسلحة يساهمون في إثارة، وإطالة، الحروب في العديد من المناطق العالم وعلى رأسها القارة الإفريقية.
ثم إن عمليات تبييض العملات أصبحت أحد مكونات «المشهد المالي» العالمي. كما أن اقتصاد بعض البلدان، التي من بينها أفغانستان وبوليفيا، متعلق إلى درجة كبيرة ب«التجارة غير المشروعة». في الصفحات الأخيرة من الكتاب يبحث المؤلف في الآليات الممكنة من أجل كبح مثل هذه الظاهرة الجديدة والخطيرة المتمثلة في انتشار كل أشكال التجارات غير المشروعة.
وإذا كان يشير إلى الجهود الكبيرة التي تبذلها الدول من أجل وقف «المد الخطير» للاقتصاد الموازي «الجوفي». فإنه يؤكد على «تواضع» النتائج المحققة، الأمر الذي يجعل من الضروري البحث عن طرق جديدة، وهو يقدم عدة «وصفات»، إذا أمكن القول، لمجابهة الظاهرة، وفي مقدمتها القول بضرورة التخلّي عن توزيع المهمات بين عدة هيئات كثيرا ما تتردد فيما يخص التعاون بينها.
ويرى أن المطلوب هو «مركزة» الجهود وعدم توزيعها بين إدارات مكافحة المخدرات أو تجارة البشر. فهذه النشاطات تتداخل كلها فيما بينها، وبالتالي تنبغي مواجهتها على هذا الأساس. وهنا يفتح المؤلف قوسين ليشير إلى خطورة تشكل نوع من «البيروقراطية الخطيرة.
كذلك يرى المؤلف أنه ينبغي على الدول القيام بعملية «انتقائية» لما تريد أن تمنعه من نشاطات، إذ لا يرى أن هناك جدوى من مطاردة الشباب الذين يقومون بـ «تسجيل الموسيقى» بصورة غير شرعية وإنما ينبغي تركيز الجهود على نشاطات الجريمة المنظمة الحقيقية مثل دعارة القاصرين وتجارة التجهيزات النووية.
ويشرح المؤلف أن التجارة السرية مرتبطة، مثل السوق بقانون العرض والطلب، وزيادة الطلب هي التي تزيد العرض، وبالتالي ينبغي «الاهتمام» بالشراة وليس بالبائعين فقط. وكل بائع «مجرم» يقابله شخص «محترم» يشتري.
*الكتاب:التجارة غير المشروعة
كيف يخطف المهرّبون والمتاجرون والمزورون الاقتصاد العالمي
*الناشر:انشورـ وودستون 2006
*الصفحات:340 صفحة من القطع المتوسط
Illicit how smuggler,
traffickers and copycats are hijacking
the global economy
Moises Naim
Anchor Books - Woodston 2006
p.340