في أحدث روايات جيم كريس، تبدو أميركا مستعصية على الإدراك، فلم يعد للبيت الأبيض وجود، وتمثال الحرية لا تقع العين عليه، ولافتة هوليوود اختفت من الوجود، وغابت ناطحات السحاب عن الأفق، ومضت إلى غير رجعة مراكز التسوق وسلاسل المقاهي الشهيرة.
وحلت محل هذا كله طبيعة وحشية تجتاحها الأمراض ومؤشرات ما بعد الكارثة، لا يكاد يوجد فيها سكان ، ويحكمها قطاع الطرق، حيث يبدو المستقبل مظلماً شأن ماض عائد للقرون الوسطى. ورؤية جيم كريس لأميركا الغد قد يغيب عنها سفاحو الأمواس والخناجر والغرباء المتنقلون بين الكواكب، ولكنها حافلة بالنذر تماماً.
على امتداد رواية «مستشفى الأمراض العصبية»، يبدو أن كريس يطلق إنذارا بالغ الوضوح، قوامه أن أميركا إذا استمرت في الانطلاق بطرقها الوحشية، المتنمرة، القائمة على الاستهلاك والافراط في استخدام النفط، فإن هناك احتمالاً لأن تكون حياة ساكنيها في المستقبل حياة كريهة. يقول كريس عبر نثرة الضاري، الخشن: «هذه كانت أميركا، هذا الامتداد من البحر إلى البحر، هذه الأرض التي يستغرق عبورها شهوراً طويلة، كانت في العادة أكثر الأماكن أمناً على سطح الأرض».
وعلى نحو بارع، يتركنا المؤلف في الظلام فيما يتعلق بالسبب في أن أميركا قد تم التدني بها إلى أرض تسيطر عليها الفوضى وسلالة من وباء يخشاه الجميع أكثر من أي شيء آخر في هذه البلاد التي غاب عنها القانون، وكل ما بقي لذكرنا بتاريخ كان يمكن أن نتعرفه هو كيانات هائلة من المعدن التي طالها الصدأ.
وقد يكون السبب فيما حدث هو تغير المناخ، أو الحرب، أو وباء أو أي من هذه الأسباب كلها التي أسفرت عن مثل هذا القدر الهائل من الدمار. على الرغم من ذلك، فإن هذه الرواية هي أيضاً قصة حب، ومن شأن الحبكة الكاسحة أن تكون مادة رائعة بالنسبة لهوليوود.
وبطلة كريس هي مرجريت، وهي امرأة جميلة، روحانية، احتجزت في كوخ ناء ـ هو مستشفى الأمراض العصبية المشار إليه في العنوان ـ يموت أبوها في الكارثة. يقوم على رعاية مرجريت، التي مضت تهذي بفعل مرضها وقد قص شعرها الأحمر تماماً، فرانكلين لوبيز، عامل قطع الأشجار الذي يمر بالمستشفى مصادفة إلى أن تسترد صحتها، وهو شأن معظم الأحياء من أبناء البلاد يتجه شرقاً نحو الساحل الأطلسي مع أخيه على أمل أن يعيش حياة أفضل.
يقلب كريس تاريخ أميركا رأساً على عقب من خلال عكس اتجاه الهجرة الرائدة، لتمضي هذه المرة من الغرب إلى الشرق، مما يغير مسار التاريخ، مسار درب أوريغون، درب رحلات شتاينبك وكل الأساطير الحدودية الأميركية وروايات الغرب الأميركي.
مادة هذه الرواية ملحمية، تأخذ بالألباب، فعندما يفقد البطلان أهلهما في غمار المرض يستبد بهما الاغتراب والحزن الغامر، فيخلصان أحدهما للآخر بعد أيام فحسب من أول لقاء لهما، ويرحلان معاً، من دون أي مقتنيات تقريباً، ويخسران سريعاً القليل الذي يمتلكانه، ويصادفان الخطر الذي يطل عليهما عبر سادة العبيد وقطاع الطريق والرحالة اليائسين.
ومقصدهما هو الساحل، الذي يمضيان إليه عبر «الطريق الرئيسي الحالم»، وعندما يبدو لهما البحر، الذي لم يكن أي منهما قد رآه من قبل، فإنه يوصف عبر نثر يأخذ بالألباب، حيث نقرأ: «رفع نفسه عالياً في طيات وأخاديد من الماء الذي يتكسر على الشاطئ، منيراً ملابسهما البيضاء.. كان البحر مثل رئة هائلة».
يوصف العالم فيما وراء أميركا بأنه في آن أرض ذات وعد عظيم ومكان مظلم ومجهول معاً. وغالباً ما يتكرر القول: «وحدهم المجانين يفلحون في الوصول إلى الساحل»، ويحرص كريس على التأكد من أننا نعرف أنه مثل معظم الأحلام ستوجد خيبات أمل كذلك.
تتناغم على نحو جميل قصة الحب والمغامرة الأسطورية في الرواية، وبعد أن يفترق فرانكلين ومرجريت عقب تعرضه للاختطاف فإن الفقدان يتم الشعور به بصورة بالغة العمق على الرغم من أن لقاءهما لم تمض عليه إلا أيام معدودات.
وتبدو لنا مرجريت امرأة جريئة تقدر لها النجاة، فهي تفلت من الاغتصاب، وتقتل الكلاب الجريحة لتنقذها من بؤسها، وتفلح في جمع الحطب لمواجهة غائلة البرد على الرغم من هزالها، ولكنها لها نقاط ضعفها كذلك، وهي قادرة على القيام بالأعمال الجريئة والتي تستحق اللوم والتوبيخ أيضاً.
ويمضي كريس قدماً ليتأمل أدوار الجنسين، ويبدو لنا هذا واضحاً لدى الوصول إلى الساحل، حيث تلتقي مرجريت بكل النسوة اللواتي تعرضن للتخلي عنهن، فتردت حالهن إلى احتراف الدعارة، حيث نظر إليهن على انهن لا جدوى منهن بحيث حرمن من سكني الأراضي الجديدة، فيما أزواجهن وأبناؤهن يغادرون للمضي عبر البحار. وتقول امرأة لمرجريت «حاولي مرة أخرى عندما تكونين رجلاً».
وتبدو مهارة كريس وقدرته على شحن حكاية ملحمية تتجاوز الزمن بالمعنى السياسي جلية كالعهد به في كل أعماله. وليس من فراغ أن تصفه الروائية والناقدة أ.س. بايات بأنه الكاتب الأكثر بروزاً في الرواية الانجليزية في السنوات العشر الماضية. وهو في روايته الجديدة هذه يواصل تشييد عوالمه الإبداعية بطرق نقدية وبارعة تعكس بصيرة شاملة على نحو مدهش.
وقد واصل الانطلاق عبر أرضه على امتداد عشرين عاماً، منذ كتابه الأول الذي حمل عنوان «القارة» والذي تجرى أحداثه في قارة سابعة متخيلة. ومنذ ذلك الحين رشح مرتين لنيل جائزة بوكر، المرة الأولى عن رواية «الحجر الصحي» والمرة الثانية عن «الاحتضار». وقد وضع كريس موضع المقارنة مع مؤلفين كبار مثل ويليام جولدن وجابرييل جارسيا ماركيز.
ويبدو أن هناك اهتماماً متجدداً وبالغ الظلمة في تصور مستقبل القوة الوحيدة العظمى في العالم الآن، فرواية «مستشفى الأمراض العصبية» تحذو حذو رواية «الطريق» لكورماك مكارثي التي تصور الرحلة المرعبة التي يقوم بها أب وابنه عبر يوتوبيا أميركية مرتكسة.
وقد كان كريس نفسه هو الذي قال إن أحدث رواياته ليست إلا تحقيقياً في علاقة الحب ـ الكراهية التي تربط الكثيرين بالولايات المتحدة الأميركية. ولابد أن حبه لها هو الذي أسفر عن النهاية غير المتوقعة للرواية، التي تشهد عكساً للرحلة واحتفاء بأميركا.
ولعل علاقة الحب ـ الكراهية هذه التي تربط الكثيرين في العالم العربي بأميركا هي ذاتها التي تجعل هذه الرواية جديرة حقاً بالقراءة برؤية نقدية تتوازى مع الجهد الهائل الذي بذله المؤلف في إبداعها.
الهرب إلى الوادي
«ما الذي يتعين على فرانكلين ومرجريت القيام به بخلاف الهرب إلى الوادي بأسرع ما يسمح لهما جسماهما؟ إنهما لا يجسران على إصدار أي صوت يدل على الشعور بالصدمة أو الإحساس بالحزن. وأي خاطرة قد تساور فرانكلين حول الاستقرار أو التأخر في فريتاون يمكن الآن ألا تصل إلي شيء. فهذه هي ساحة الموتى، وعلى الأحياء أن يديروا ظهرهم لها وأن ينطلقوا بعيداً».
كانا قد دخلا من البوابة الغربية، وابتعدا مسافة كبيرة عن جثة ناش قبل أن يكتشفا شكلاً بشرياً آخر أو حقاً أي مؤشرات بارزة إلى كارثة واسعة النطاق. وكانا قد مرا عند السياج الخارجي، غير بعيد عن الموضوع الذي مضى منه جاكسون حافياً، في منتصف الليل ليتبول للمرة الأولى،
وحيث كان جثمانه الهائل، وكان لا يزال مسجى بلا معطف ملتماً حول نفسه، وعاجزاً أخيراً عن الدفاع عن نفسه حتى في مواجهة منقار غراب. لكن جاكسون لم يتم اكتشافه. وفي حقيقة الأمر ان فرانكلين لم يكتشف جثمان أخيه قط.
*الكتاب:مستشفى الامراض العصبية
*الناشر:نان إي.تيلز ـ لندن 2007
*الصفحات:272 صفحة من القطع المتوسط
The Pesthouse
JimCrace
Nan E.Talese,London2007 0P.272