يعمل ايان تايلور، مؤلف هذا الكتاب، أستاذا محاضرا في العلاقات الدولية. كما يقوم بتدريس مادة العلوم السياسية بجامعة ستيلنبوش في جمهورية جنوب إفريقيا وهو أستاذ محاضر في جامعة مبارارا بأوغندا. وكان قد بدأ مسيرته المهنية بتدريس السياسة الإفريقية في جامعة بتسوانا لمدة أربع سنوات. كما أمضى فترة من الزمن في المعهد الدولي للغات في القاهرة.
أولى ايان تايلور اهتمامه الرئيسي لدراسة الاقتصاد السياسي الدولي عامة والإفريقي خاصة، هذا إلى جانب اهتمامه بالمسائل المتعلقة بالأمن الإقليمي الإفريقي. وهذا الكتاب عن «الصين وإفريقيا» هو أحد ثمرات الاهتمامات «الإفريقية» لمؤلفه. له العديد من الدراسات من بينها: «إفريقيا في السياسة الدولية» بالاشتراك مع بول وليامز و«نحو التنمية أو نحو بداية خاطئة في إفريقيا؟» الخ.
ما يتفق عليه المعلقون والمحللون وتؤكده المقالات والتحقيقات في مختلف وسائل الإعلام، هو أن الحضور الصيني في القارة الإفريقية السوداء قد تعزز كثيرا خلال السنوات الأخيرة. وهذا ما ينمّ عنه أيضا عدد الكتب التي شهدتها رفوف المكتبات الغربية والتي تدور كلها حول موضوع واحد هو العلاقات الصينية-الإفريقية من منظورات مختلفة. وهذا الكتاب هو أحدها، وربما من بين الأكثر أهمية بينها بحكم المعرفة القديمة والعميقة لمؤلفه بالعالمين الإفريقي والصيني.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين عدة فصول يخص الأول منها السياسة الخارجية الصينية بشكل عام، ثم يقدم المؤلف ما يسميه «مدخلا تاريخيا» في مسيرة التوجه الصيني نحو القارة الإفريقية السوداء وينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن العلاقات الصينية مع مختلف مناطق إفريقيا وبعض بلدانها مثل الحديث عن «السياسة الخارجية للصين في إفريقيا الجنوبية» ثم «علاقات جمهورية الصين الشعبية مع انغولا ثم موزمبيق وزيمبابوي وجنوب إفريقيا وناميبيا وزامبيا وبتسوانا، الخ.
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يؤكد على وجود علاقات «تاريخية» بين الصين، ومنذ عهد ماوتسي تونغ، مع عدد من البلدان الإفريقية، خاصة تلك التي كانت قد شهدت توجهات «ثورية» مثل انغولا والموزمبيق، فإنه يؤكد بنفس الوقت على أن التوجه الصيني نحو القارة الإفريقية قد أخذ أبعادا كبيرة خلال السنوات الأخيرة المنصرمة.
ويشير منذ البداية أن مثل هذا التوجه لم يكن بعيدا عن حالة الازدهار الاقتصادي الكبيرة التي عرفتها الصين منذ أكثر من عقدين من الزمن. وحيث ترافق هذا الازدهار مع تعاظم حاجة الصين لمصادر الطاقة وسعيها للحصول عليها حيثما وُجدت في العالم.
ويحلل المؤلف في إطار سياسة الطاقة الصينية الأسباب القريبة والبعيدة الكامنة وراء التوجه الصيني نحو القارة السوداء. ويرى أن حجم التجارة الصينية باتجاه إفريقيا سوف يصل خلال السنوات الخمس القادمة إلى حوالي مائة مليار دولار سنويا.
ويشير إلى أن مثل هذه الدبلوماسية ترمي في واقع الأمر إلى تحقيق هدفين أساسيين، أحدهما مباشر وفوري ويرمي إلى تأمين الحاجة المتزايدة للاستهلاك الداخلي الصيني من المحروقات، وهدف آخر أبعد ويتمثل في تأكيد موقع الصين على المستوى العالمي كأحد العناصر الأساسية الفاعلة في أسواق الطاقة.
والبعد الثاني الذي يؤكد عليه المؤلف فيما يخص التوجه الصيني نحو إفريقيا هو أن القادة الصينيين اتبعوا نهجا واضحا حيال مختلف الأنظمة القائمة في إفريقيا ومهما كانت طبيعتها. ويتمثل هذا النهج في عدم التدخل بالشؤون الداخلية للبلدان المعنية،
ولعلّ هذا يمثل أحد العوامل الأساسية التي تشجع السلطات المحلية الإفريقية للترحيب بـ «الشريك التجاري» الصيني القوي والذي ليس له أي تاريخ «استعماري» في القارة. وهكذا يحرص الصينيون على عدم الحديث إطلاقا في مسائل تخص حقوق الإنسان أو «الشفافية» فيما يخص مآل أموال تجارة الطاقة.
وبالتالي لا تولي بكين أي اهتمام لسيل الاتهامات الصادرة من جهات رسمية وإعلامية غربية عديدة والتي تصب في خانة القول أن الصين تساعد «الاستبداد» و«الفساد» في القارة الإفريقية. بل وهذا يرد عليه الصينيون بالقول أن السياسة الأميركية والعلاقات التي تقيمها واشنطن مع العديد من البلدان الإفريقية «لا تسترشد بمبادئ الديمقراطية الغربية»،
وإنما بالمصالح وحدها، ثم ليس هناك من يقول أن السياسة الفرنسية حيال إفريقيا، وخاصة حيال مستعمراتها القديمة، تقوم على أساس مبادئ «الحرية والمساواة والإخاء» التي جعلتها الجمهورية الفرنسية عنوانا لسياستها.
وإذا كان ميدان الطاقة هو الذي عرف تطورا هائلا في السنوات الأخيرة، فإن مجالات أخرى قد عرفت انتعاشات أيضا وليس أقلها قطاع البناء وتجارة المواد الأولية. وبشكل عام قفزت الصين إلى المرتبة الثالثة في قائمة الشركاء التجاريين للقارة الإفريقية بعد الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، وإنما قبل بريطانيا.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن «الورشات» الصينية أصبحت عنصرا مألوفا في المشهد الإفريقي. وبكل الحالات أصبح من الواضح والجلي أن المنافسة الصينية على إفريقيا قد دفعت القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، نحو «الاهتمام» أكثر بالقارة «المهملة».
لكن الحكومات الغربية التي تؤكد على أنها تنتهج سياسة تشجع الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة وتعيب بنفس الوقت على الصين عدم اهتمامها بذلك، قد لا تكون بعيدة، كما يشير المؤلف. بل وكانت بعض الأعمال العدائية قد استهدفت منشآت نفطية صينية في دلتا النيجر.
إن من أهم ميزات هذا الكتاب هو أنه يضع العلاقات الصينية ـ الإفريقية في سياقها التاريخي وصولا إلى تحليل الواقع الحالي القائم، بل ومحاولة استشفاف مستقبل هذه العلاقات. هكذا يرى أن «الجذر التاريخي» للعلاقات الوثيقة اليوم موجود في التوجه الذي خطّه ماوتسي تونغ بعد وصوله إلى السلطة في الصين عام 1949
وإقامة نظام شيوعي لا يزال هو المسيطر على السلطة ـ بواسطة الحزب ـ حتى اليوم رغم التبدلات الجوهرية التي عرفتها الصين منذ أن أصبح «دينغ هسياو بينغ» رجل الصين القوي إثر وفاة ماو. وكانت الصين «الشيوعية» قد حددت منذ البداية توجها دبلوماسيا نحو «العالم الثالث».
وهذا ما تمّت ترجمته واقعيا في مؤتمر باندونغ باندونيسيا عام 1955 عبر تبني نظرية «حرف الألف ثلاث مرات»، أي «إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية»، وذلك في فترة كانت الحرب الباردة على أشدّها وكان التنافس بين المعسكر الرأسمالي الغربي والمعسكر الاشتراكي الشرقي في ذروته.
ويومها كان مؤتمر باندونغ و«عدم الانحياز» منحازا في الواقع للمعسكر الاشتراكي». بكل الحالات من المؤكد أن الصين «الثورية» خلال تلك الفترة كانت تثير الكثير من «الأحلام الثورية» لدى العديد من مثقفي العالم الثالث، بما فيهم المثقفون الأفارقة، في أفق التحرير من الاستعمار.
ويتحدث المؤلف عن وجود كمّ كبير من المؤشرات التي تدل على عمق التواجد الصيني في القارة الإفريقية اعتبارا منذ سنوات قليلة خلت. ولا تتمثل هذه المؤشرات في المنشآت البترولية، من مصاف وغيرها، وإنما أيضا في الحضور «الكاسح» لعبارة «صنع في الصين» في مختلف الأسواق الإفريقية،
وذلك لمنتوجات تخص الاستهلاك اليومي للبشر ومن الأكثر بساطة منها حتى الأدوات الكهربائية المنزلية، بل ووصلت مبيعات الدرّاجات النارية المصنوعة في الصين إلى أعلى النسب في بعض الأسواق الإفريقية والتي كانت غائبة عنها تماما حتى سنوات قليلة خلت.
وبالاعتماد على الكثير من المؤشرات التي يسوقها يصل المؤلف إلى القول أن القارة الإفريقية السوداء التي كانت تتجه «تاريخيا» نحو الغرب أصبحت تتطلع صوب الصين، التي تتطلع هي الأخرى صوبها وتؤكد حضورها فيها خلال «هبة» سريعة فاجأت الكثيرين، ولتثبت الصين بذلك أيضا أنها قادرة على الدخول في آليات العولمة اللبرالية وتوظيفها لمصلحتها الاقتصادية.
وإذا كانت الصين حاضرة اليوم في كل ميادين النشاط الاقتصادي، فإن حضورها كان مقتصرا على مدى عقود كاملة على بناء بعض الملاعب الرياضية أو «قصور الشعب». وكانت العلاقات الدبلوماسية تقتصر في الواقع على نوع من الدعم المتبادل من قبل الصين ل«القضايا الإفريقية»
ومن قبل البلدان الإفريقية في المحافل الدولية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة. وتتم الإشارة إلى أن الصين قد استفادت كثيرا من أصوات الدول الإفريقية لدخولها إلى الأمم المتحدة ومجلس أمنها، وفي فترة غير بعيدة لانضمامها إلى منظمة التجارة الدولية.
وفي المحصلة يرى المؤلف أن القارة الإفريقية المهمّشة واقعيا على الأصعدة السياسية والاقتصادية العالمية قد تجد في «الشراكة» مع الصين عونا على استيقاظها وذلك بعد أن ورثت الفقر والبؤس عبر قرون من التاريخ والعلاقة مع الغرب. ويخلص المؤلف إلى القول إن من مصلحة الصين، ومصلحة العالم كله أيضا، أن تكون إفريقيا مستقرة ومزدهرة. ولذلك ينبغي «الالتزام الكبير» في العلاقات معها وليس «الحل الوسط».
*الكتاب:الصين وإفريقيا بين الالتزام القوي والحل الوسط
*الناشر:روتلدج ـ لندن2006
*الصفحات: 233 صفحة من القطع المتوسط
China and Africa: engagement and compromise
Routledge - London 2006
p.233