مؤلفة هذا الكتاب هي السيدة ايرا بروس ناديل أستاذة اللغة والآداب الانجليزية في جامعة كولومبيا البريطانية. وهي تقدم هنا سيرة واحد من أكبر الشعراء الذين أنجبتهم اللغة الانجليزية: عزرا باوند. كما وتدرس التأثير الذي مارسه على كبار الشعراء والكتاب الآخرين من أمثال: جويس وايليوت.
ولد عزرا باوند في الولايات المتحدة عام 1885 ومات في البندقية بإيطاليا عام 1972، أي أنه عاش عمرا مديدا يتجاوز السابعة والثمانين. وكان شاعرا وموسيقارا وناقدا أدبيا من أعلى طراز. وقد انضم إلى الحركة الحداثية للشعر الأميركي في العشرينات من القرن الماضي،
وكان لا يزال في بدايات حياته الأدبية. وغالبا ما صنفه النقاد آنذاك في خانة الجيل الضائع. ثم أصبح باوند زعيم عدة حركات فنية وأدبية كالتصويرية وهي حركة شعرية حديثة وكالحركة «الدوّامية» وهي حركة فنية تجريدية معاصرة.
وقد التقى به آنذاك الناقد هوف كبينير وخرج بالانطباع التالي: لقد شعرت فجأة بأني في حضرة الحداثة أو مركز الحداثة الشعرية والفنية.ولكن مشكلة عزرا باوند هي أنه كان من أنصار القائد الفاشي الإيطالي موسوليني أثناء الحرب العالمية الثانية. كما وتميز بعدائه لليهود أو ما يدعى بمعاداة السامية. وقد دفع ثمن ذلك باهظا فيما بعد.
ثم تقول المؤلفة بما معناه: بين عامي 1900-1905 درس عزرا باوند الأدب المقارن في جامعة بنسلفانيا في نيويورك. ولكنه غادر أميركا إلى أوروبا عام 1908 وعمره لا يتجاوز الثالثة والعشرين. وعاش في البندقية أولا،
وقد اهتم آنذاك بأدب الشعراء الجوالين أو ما يدعى بالتروبادور: أي الشعر الغنائي الذي اشتهر في جنوب فرنسا وشمال إيطاليا والذي كان متأثرا بالموشحات الأندلسية على ما يبدو. وقد انتشر آنذاك منذ القرن الحادي عشر إلى نهاية القرن الثالث عشر.
والواقع أنه لم يبق إلا فترة قصيرة في البندقية انتقل بعدها إلى لندن عاصمة الآداب الانجليزية ومحجة كل شعراء أميركا وأدبائها في ذلك الزمان. وهناك التقى بكبار الكتاب الانكليز من أمثال: جيمس جويس، فورد مادوكس فورد، ويندهام لويس. وكان لا يزال ينتمي آنذاك إلى الحركة التصويرية، وهي حركة أدبية انخرطت في التجريب الشعري عن طريق استخدام لغة غنائية.
وكانت متأثرة بآداب الشرق الأقصى والشعر الياباني على وجه الخصوص. وكانت المجموعة التي تنتمي إلى هذه الحركة تنشر أعمالها في جريدة تدعى: الأناني. وبعد أن التقى عزرا باوند بالنحات هنري غودييه برزيسكا، تشكلت الحركة الدوامية في الشعر الانجليزي، وهي حركة تجريبية أيضا وقريبة من التيار المستقبلي في الشعر وآخر صرعة.
ثم التقى عزرا باوند أثناء الحرب العالمية الأولى بالشاعر الكبير ويليام بتلر ييتس في ايرلندا. وأصبح سكرتيرا له مثلما أن صموئيل بيكيت أصبح سكرتيرا لجيمس جويس لاحقا. وفي عام 1914 تزوج باوند من الفنانة دورثي شكسبير. وبعدئذ تعلم اللغة اليابانية وراح يهتم بالشعر الغنائي السائد في الشرق الأقصى. وفي عام 1915 ابتدأ بكتابة رائعته الأدبية «كانتوس»: أي أناشيد. وقد اشتغل عليها طيلة عمره كله.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وبعدئذ جاءت المرحلة الباريسية من حياة عزرا باوند. ففي عام 1920 وصل إلى باريس وانضم بسرعة إلى جماعة الأدباء والفنانين الباريسيين وكانت تضم الرسامين أو الموسيقاريين، والأدباء والشعراء. وهي التي ولدت الحركة الدادائية أولا، فالسوريالية ثانيا. وقد استأجر شقة باريسية متواضعة وكان يستقبل فيها أهم الكتاب الفرنسيين من جان كوكتو، إلى أندريه بريتون، وبقية السورياليين.
وقد شاءت الصدفة أن يكون همنغواي في باريس أيضا، وقد زاره في شقته المفتوحة للجميع أيضا. وكان عزرا باوند مشهورا بكرمه على الرغم من فقره. ولكنه كان يعتمد على ثروة زوجته التي أنقذته. ثم تردف المؤلفة قائلة: وقد أثر عزرا باوند على ارنست همنغواي من الناحية الأدبية، فتحسن أسلوبه بفضل النصائح التي أسداها له، وهي نصائح لم يكن يلتزم هو بها دائما.
وبفضل باوند اكتشف همنغواي أعمال الكتاب الجدد من أمثال ت. س. ايليوت وجيمس جويس، هذا بالإضافة إلى الكلاسيكيين من أمثال فلوبير، وستندال، وهنري جيمس، الخ. ومقابل هذه الخدمات الأدبية راح همنغواي يعطي عزرا باوند دروسا في المصارعة لتقوية عضلاته. وكان عزرا باوند يقول: الكتاب الجيدون هم أولئك الذين يستخدمون لغة فعالة، أي واضحة ودقيقة.
ولكن من الناحية الفكرية كان الرجل من أتباع الحركات الباطنية الآتية من الشرق الأقصى. وكان يمارس «اليوغا» مثل الهنود. ولم يكن يحب المسيحية التي اعتبرها دين الضعفاء والعبيد. وكان يعتقد أنها أذلّت الإنسان الروماني عندما نقلته من مرحلة الوثنية إلى المرحلة اللاهوتية. وكان يقول بأن المسيحية السائدة في أوروبا وأميركا لا علاقة لها بالمسيحية الأصلية التي كانت سائدة في فلسطين. وبهذا المعنى فإن المسيح قد مات بالفعل مرة ثانية.
وكان يعتقد أن الأموال الضخمة التي جمعتها الكنائس المسيحية ينبغي أن توزع على الفنانين والشعراء والفلاسفة والعلماء الذين يكتشفون قوانين العالم.ويمكن القول بأن عزرا باوند كان من أتباع الفيلسوف الصيني كونفوشيوس الذي علمنا مبادئ الدين المدني الذي حدد جيدا الواجبات الاجتماعية لكل شخص بدءًا من الامبراطور وانتهاءً بأصغر فلاح في البلاد.
وقد ارتكب عزرا باوند أكبر خطيئة في حياته عندما اعتقد بأن الدولة الفاشية التي أسسها موسوليني في إيطاليا هي تجسيد لهذه الدولة المدنية التي حلم بها كونفوشيوس. ودفع ثمن هذه الخطيئة باهظا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فقد حاكموه عام 1945 واعتبروه مريضا من الناحية العقلية. فسجنوه في مستشفى المجانين لمدة عشر سنوات أو أكثر.
ثم تردف المؤلفة قائلة:والواقع أن تعلقه بالنظريات السحرية والباطنية الآتية من الشرق الأقصى دفعه دفعا نحو الإعجاب بالحركات الفاشية واحتقار الأنظمة الليبرالية الديمقراطية. وربما كانت عدوى الحركات الإيديولوجية الجديدة قد وصلت إليه. ومعلوم أن هذه الحركات كانت تجيش الناس بالملايين في تلك الفترة. ولم يكن هو الوحيد الذي وقع في شباكها.
مهما يكن من أمر فينبغي التفريق بين عزرا باوند كشاعر وعزرا باوند كسياسي ركب موجة الفاشية لبضع سنوات ثم تخلى عنها. والواقع أننا لا يمكن أن ندينه بالكامل لأن شعره كان من أجمل ما يكون ومستقلا عن أفكاره الإيديولوجية أو السياسية إلى حد كبير.
ويرى بعض النقاد أنه واحد من أهم شعراء الغرب في القرن العشرين إن لم يكن أهمهم. فالكثيرون يضعونه في المرتبة الشعرية فوق ت. س. ايليوت. وقليلون هم شعراء الحداثة الذين كانوا يمتلكون طاقته الشعرية الخلاقة. فمن شعره تفوح رائحة الحرية كأقوى ما يكون.
ومنذ وصوله إلى لندن في بدايات القرن العشرين كان واضحا أنه يتمتع بحس نقدي وموهبة شعرية قل أن يتمتع بهما شاعر أوروبي أو أميركي في ذلك العصر. كان واضحا أنه رائد الحداثة الشعرية في القرن العشرين مثلما أن بودلير أو رامبو كان رائدها في القرن التاسع عشر.
وبالتالي فكفانا حديثا عن فاشيته، فهي لم تؤثر على شعره أبدا مثلما أن الفاصل النازي القصير لم يؤثر على فلسفة هيدغر. فالعباقرة الكبار يتجاوزون سقطاتهم وزلاتهم الشخصية في إبداعهم وبواسطة هذا الإبداع بالذات.ثم تردف المؤلفة قائلة: لقد ترجم عزرا باوند كل أنواع الشعر من الشرق الأقصى إلى أوروبا.
وكان يبحث من خلال ذلك عن لغة شعرية كونية. ولذلك تعلم عدة لغات، وكان يعتقد أن شعر اليابان والصين والهند أقرب إلى الطبيعة ويعبر عنها بشكل أفضل ولذلك اهتم به كل الاهتمام. كان يبحث عما هو بدائي، عفوي في شعر هذه الأمم التي لم تفسدها الحداثة الصناعية بعد كما حصل لأوروبا وأميركا. كان يبحث عن البراءات المطلقة في الشعر، وما نفع الشعر إن لم يكن تعبيرا عن البراءات الأولى؟
في الواقع أن عزرا باوند كان يبحث عن انبعاث ثقافي جديد، بل وعن نهضة أميركا. وتشاء مصادفات الأقدار أن يهرب من أميركا لكي يحقق لها هذه النهضة. والفكرة الأساسية لدى عزرا باوند هي أن العلاقات الكائنة بين الأشياء أهم من هذه الأشياء بالذات. ولكن ليس كل الناس يرونها. وحده الشاعر الكبير يراها.
*الكتاب: عزرا باوند حياة الأدبية
*الناشر:بالغريف ماكميلان - لندن 2007
*الصفحات: 232 صفحة من القطع المتوسط
Ezra Pound : a literary life
Palgrave Macmillan - London 2007
P.232