مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور ايفان سترينسكي أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية. وهو يتحدث في هذا الكتاب عن واحد من أكبر مؤسسي علم الاجتماع في التاريخ: اميل دوركهايم. ويرى أن الأسئلة التي طرحها والتحليلات السوسيولوجية التي قدمها في أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين لا تزال صالحة الآن إذا ما عرفنا كيف نقرؤها من جديد ونطبقها على أوضاعنا الراهنة.
وبالتالي فهناك دوكهايم جديد بهذا المعنى، ولكن من هو هذا العالم الذي يجمع الباحثون على القول بأنه أحد الثلاثة الكبار في علم الاجتماع: ماركس، ماكس فيبر، دوركهايم؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا بما معناه: ولد دوركهايم في فرنسا عام 1858 في عائلة يهودية. وكان أبوه موسى دوركهايم حاخاما وقد أراد أن يفرض على ولده أن يصبح رجل دين مثله ولكن رفض رفضا قاطعا. فقد كان يحب الفلسفة والفكر العلماني منذ البداية ويريد أن يبتعد عن الدين بأي شكل. وقد آلم ذلك والده وعائلته كثيرا ولكنهم رضخوا للأمر الواقع في نهاية المطاف. وبعد أن تخرج من مدرسة المعلمين العليا عام 1882 أصبح أستاذا في جامعة بوردو عام 1887 حيث راح يدرس العلوم التربوية والاجتماعية. وفي بوردو ابتدأ بكتابة مؤلفاته الأولى في علم الاجتماع. نذكر من بينها: قواعد المنهجية السوسيولوجية حيث بلور لأول مرة المبادئ الأساسية لعلم الاجتماع. كما ونذكر كتابه الشهير عن الانتحار. وفيه قال بأننا لا نستطيع أن نفهم هذه الظاهرة الخطيرة إلا إذا درسنا المجتمع في كليته. فانتحار الفرد له علاقة بالمجتمع الذي يحيط به ولا يمكن أن ندرسه بمعزل عن ذلك.
وإذا ما طبقنا نظريته على ظاهرة الكاميكاز الحالية قلنا بأن الشخص الذي يفجر نفسه يشعر بأنه قام بمهمة عظيمة لصالح طائفته أو مجتمعه، من هنا إقباله على الانتحار بكل رباطة جأش. فالمجتمع سوف يمجده كبطل ولن يذهب انتحاره سدى.
وفي عام 1902، أي في بداية القرن العشرين عُيّن دوركهايم أستاذا في السوربون، وعندئذ فرض علم الاجتماع لأول مرة كعلم مستقل بذاته في فرنسا. ومعلوم أنه كان قبل ذلك ملحقا بعلم التاريخ أو الفلسفة. وقال دوركهايم: لا يمكننا أن نفهم المجتمع وظواهره إلا إذا كرسنا علما كاملا لذلك هو السوسيولوجيا، أو علم الاجتماع. ثم بلور القواعد المنهجية الأساسية لهذا العلم كما قلنا، وأسس بعدئذ أول مجلة خاصة بهذا العلم الجديد تحت عنوان: الحوليات السوسيولوجية.
ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه:أما من الناحية السياسية فقد ظل دور دوركهايم حياديا إلى أقصى حد ممكن لأنه كان مشغولا بدراساته العلمية والأكاديمية ولا وقت لديه للسياسة. ولكن هذا لا يعني أنه لم تكن له آراء سياسية. فالواقع أنه كان أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في فرنسا. وكان صديقا لجان جوريس زعيم اليسار الاشتراكي الفرنسي في تلك الفترة.
وبالتالي فقد راح دوركهايم يدافع أحيانا عن مواقف وأطروحات اشتراكية-إصلاحية للمجتمع. وهذا شيء مفهوم لأن الرجل كان في أعماقه تقدميا معاديا لرجال الدين من يهود أو مسيحيين. كما وكان معاديا للنظرة الغيبية للمجتمع.
وعندما ابتدأت بشائر الحرب العالمية الأولى تلوح في الأفق كان دوركهايم من أنصار السلام لا الحرب تماما كالزعيم الاشتراكي جان جوريس. ولكن ذلك لم يمنعه من الدفاع عن فرنسا عندما اندلعت الحرب. فقد انخرط في عدة لجان كانت تعمل للتعبئة الفكرية داخل فرنسا وخارجها ضد ألمانيا.
هذا وقد مات ابنه في هذه الحرب الضارية ضد الألمان. وقد بكاه بكاءً مرا، ويقال ان هذا الموت عجل في نهايته فمات عام 1917 وهو في التاسعة والخمسين من العمر. وكان في عز عطائه وإنتاجه الفكري.
وينبغي القول بأن دوركهايم كان واقعا تحت تأثير الفلسفة الوضعية التي أسسها أوغست كونت في القرن التاسع عشر، وهي فلسفة لا تؤمن إلا بالوقائع المحسوسة والمنهج التجريبي. وكانت تدعو لدراسة المجتمع كما يدرس علم الفيزياء المادة. كانت تدعو إلى تطبيق قوانين أو منهجيات العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية والاجتماعية. عندئذ تشكل علم الإنسان كعلم حقيقي يدرس الإنسان والمجتمع على ضوء النظريات الحديثة. وأصبح يهدف إلى استخلاص القوانين التي تتحكم بسلوك الفرد والمجتمع في آن معا.
ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن دوركهايم كان من أتباع التيار الجمهوري العلماني الحديث المضاد للتيار المسيحي الكاثوليكي القديم. وكان يعتقد أن مبادئ فلسفة التنوير هي مبادئ كونية وينبغي أن تنطبق على جميع البشر بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم.وقد دعا دوركهايم إلى تأسيس المدرسة العلمانية في فرنسا. وهي المدرسة التي ناضل من أجلها الزعيم السياسي الشهير، جول فيري.
وقال ان هذه المدرسة هي وحدها القادرة على أن تصنع من الأطفال مواطنين حقيقيين خالين من العصبيات الضيقة سواء أكانت ذات طبيعة عرقية أم طائفية أم مذهبية. أما المدارس الدينية الخاصة فتخرج طلابا طائفيين بالضرورة سواء أكان تقدميا، تنويريا، كونيا. وبهذا المعنى أيضا فإنه يساعدنا على فهم العالم المعاصر وحل مشاكله بعد أن تفاقمت فيه الأصوليات من كل الأنواع: مسيحية، يهودية، إسلامية، كاثوليكية، بروتستانتية، سنية، شيعية، الخ.
إن فلسفة دوركهايم أو علم الاجتماع الذي أسسه يساعدنا على تجاوز كل ذلك وبناء وطن حر، سعيد، موحد، يجمع بين كل مواطنيه على قدم المساواة ولا يفرق بينهم بناء على أسس ومعايير طائفية أو عرقية. يضاف إلى ذلك أن دوركهايم كان من أكبر دعاة المذهب العقلاني في تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية وكل شيء.
وكان يقول بما معناه: لا شيء يستعصي على العقل. فبالعقل نستطيع أن نفهم كل الظواهر الموجودة في المجتمع. والعقل البشري قادر على شرح أصعب القضايا والمشاكل. ولكن هذا لا يعني أن العقل قادر على استنفاذ الواقع كله.
وهذا يعني أنه تظل هناك زوايا مخبوءة في الواقع ولم يصل إليها العقل أو لم يحللها بعد. ولهذا السبب فإن العلم لا ينتهي أو لا يتوقف عند حد. ولا يمكن لأي نظرية علمية مهما عظمت عبقريتها أن تشرح الواقع كله أو أن تحلل كل عناصره المتشابكة والمعقدة.
ولهذا السبب فإن النظريات العلمية والفلسفية تظل تتوالى وراء بعضها البعض. وكل نظرية تكتشف عناصر جديدة في الواقع أو قوانين جديدة لم تنتبه إليها النظرية السابقة، وهكذا دواليك.
هذا وقد قدم دوركهايم أعمق تحليل للظاهرة الدينية في عصره. وكان يشرح ذلك وهو يفكر بالمسيحية أساسا في مذهبها الكاثوليكي. وهو مذهب الأغلبية في فرنسا. كان يقول بأن الدين هو المجتمع، والمجتمع هو الدين. بمعنى أنه إذا ما آمنت أغلبية المجتمع بعقائد معينة فإنها تصبح مقدسة ومفروضة على المجتمع ككل. ولذلك قال بأن الدين فقط نظاما من الأفكار وإنما هو أيضا نظام من القوى.
فالدين يفرض نفسه كقوة هائلة، كقوة مقدسة على المجتمع ككل. وهذا يعني أن المجتمع إذا ما آمن بمجموعة عقائد فإنها تصبح فورا ذات طابع مقدس ويتعرض للعقاب الصارم كل من يخالفها أو يعترض عليها. وبالتالي فالفرد خاضع للمجتمع في نهاية المطاف شاء أم أبى.
وعندما آمن المجتمع الأوروبي طيلة القرون الوسطى بأن الشمس هي التي تدور حول الأرض فإن الناس كلهم تبنوا هذه القناعة الخاطئة وكأنها حقيقة مقدسة لا تقبل النقاش. وإذا عشت في مجتمع مسيحي فإن المسيحية تصبح حقيقة مطلقة بالنسبة لك وإذا ما عشت في مجتمع يهودي فإنك مضطر لمراعاة العقائد اليهودية وإلا دفعت الثمن باهظا، وهلم جرا. وبالتالي فالمجتمع هو الأساس والفرد ليس إلا ذرة من ذرات المجتمع.
وحده المجتمع العلماني الحديث يسمح بتعددية الآراء والمعتقدات ويتيح للفرد أن يتنفس ويشكل قناعاته بناءً على ميوله وأفكاره الشخصية. أما المجتمع التقليدي المتدين بشكل أصولي فلا يسمح بذلك. من هنا الفرق بين مجتمعات الحداثة ومجتمعات ما قبل الحداثة: أي المجتمعات التقليدية.
كل هذه الأشياء والنظريات شرحها اميل دوركهايم في كتبه الكبرى وبخاصة كتابه الأساسي التالي الذي يوضح فيه نظريته عن الدين: الأشكال البدائية للحياة الدينية. وفيه يقول ان التصورات الدينية هي أولا وقبل كل شيء تصورات جماعية. فإذا ما آمن المجتمع بشيء ما بأنه مقدس فإنه يفرض قداسته على الأفراد كلهم كما ذكرنا.
*الكتاب: دوركهايم الجديد
*الناشر:روتجيرز ـ نيويورك 2006
*الصفحات: 376 صفحة من القطع المتوسط
The new Durkheim
Ivan Strenski
6002 kroY weN -sregtuR
673.p