منذ أيام أقر الكنيست الإسرائيلي قانونا يقضي بإنشاء أكاديمية إسرائيلية لعلوم وأبحاث اللغة العربية. وفي فبراير الماضي احتفل العالم باليوم العالمي للغة الأم، وأحيت عشرات المؤسسات اللغوية حول العالم هذه المناسبة نظرا لما تمثله اللغة من انتماء وطني ووجداني يشعر من خلاله المرء بالفخر والعزة.
وذات يوم نبه اللغوي الفرنسي كلود هاجيج في كتابه «موت اللغات» إلى أن مئات اللغات تموت سنويا وخلال أعوام قليلة لن تكون هناك سوى لغات الأديان والتجارة المتداولة بين البشر، وغيرها ستموت أسوة بجميع اللغات التي لا قواعد لها أو مجرد أصوات شفوية ذات دلالات معينة يعرفها قليل من البشر.
عندما أقرت اليونسكو يوما للغة الأم أرادت أن تعزز دور الثقافات المحلية وإعطائها بعدا وطنيا للحفاظ على مخزونها الثقافي والمعرفي وما تحمله في تاريخها من أفكار وعلوم تفيد البشرية وتوسع مدارك الآخرين، ولفهم حياة أي مجموعة بشرية علينا أولا فك أبجديتهم حتى نصل إلى عمق المعنى في لغتهم، لذلك كان تخصيص هذا اليوم لنصرة اللغات الوطنية.
ولكن عندما تنشأ إسرائيل أكاديمية للغة العربية، فإن هدفها ليس تعزيز لغة العرب، بل تعزيز الثقافة داخل إسرائيل ليكون التواصل مع الجوار سلسا ومتاحا لعدد كبير من أبناء الدولة العبرية، ودور تلك الأكاديمية ليس العمل على تخريج متحدثين أو مدرسين للغة العربية فقط، بل إعداد القواميس لكل ما يتصل بشؤون الحياة عبر لغة العرب.
في العربية عدد قليل من القواميس، ويكاد ينحصر في بعض شؤون الدنيا حسب ما أنتجته النخبة ذات يوم وتوقفت لدى تلك المعرفة التي تجاوزها العالم بسنوات بعيدة، والقواميس حاجة ضرورية في كل لغة فهي تحفظ مسميات الزراعة والتجارة والماء والحيوان وتشرح الترادفات وتحلل المعنى وتعيده إلى أصله ليبقى حيا في ذاكرة الأجيال المتتالية.
واللغة الأم لا تأخذ بعدها الحقيقي إلا بالاشتغال عليها تطويرا وتطويعا للعلم والمعاصرة لتصبح بسيطة وسهلة وليست مقعرة ينتهي أمرها إلى كتب التاريخ أو إلى مكتبات يأكلها الغبار. ألا يحيلنا هذا إلى سؤال عن القواميس العربية، وكم أنتجنا منها خلال قرن من الزمان، بل خلال قرون؟ وبمثال بسيط نقول إن اللغة الفرنسية فيها قواميس عن: الموضة، الفضاء، المياه، النسيج، الصحراء، العمران،.. إلخ.
قواميس عن كل شؤون الحياة يشتغل عليها لغويون باحثون يعززون ثقافتهم ويصدرونها إلى العالم.. وفي المقابل نحن نقوم بإرسال بطاقات التهنئة باللغة الإنجليزية ونتبادل الرسائل بأبجدية الآخرين. ليتها كانت أبجدية شكسبير أو فيكتور هيجو. للأسف إنها أبجدية «موبايلي ما يكتب عربي»..!