مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والكاتب الفلسطيني عثمان العثمان، قدم من قبل العديد من الكتب التي تتركز على مناقشة القضايا العربية الراهنة ومنها كتاب «الحرب العراقية الإيرانية»، وكتاب «قواعد التفاوض»، و«الأردن وتحديات المستقبل»، و«مأزق التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي».
وأخيرا هذا الكتاب الذي يركز من خلاله على التأكيد على غياب خطة إستراتيجية لدى حركات الكفاح الفلسطيني المختلفة بدءا بفتح وإنتهاءا بحماس، وهو ما أسفر من وجهة نظره عن الحالة الراهنة التي تعيشها القضية الفلسطينية منذ بدء الكفاح المسلح منذ ما يزيد على 41 عاما قدم خلالها الشعب الفلسطيني من خلال المنظمات العسكرية التي ظهرت في الشتات ما يزيد على 300 ألف شهيد.
وحسبما يذهب المؤلف فإنه منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا فإن المحصلة السياسية لنتائج ممارسة أسلوب الكفاح المسلح القائم على الإنطلاق من الأردن ولبنان وسريا ضد مستوطنات يهودية حدودية لم يسفر عن تحرير شبر واحد من الأراضي الفلسطينية المحتلة وصولا إلى تحقيق هدف إقامة الدولة الفلسطينية.
في محاولة لتعزيز رؤيته التي يقدمها خلال الكتاب يقدم لنا المؤلف دراسة وثائقية تحدد ما يراه أخطاء إستراتيجية ارتكبتها حركة فتح منذ ظهرت عام 1965 حتى الأن بهدف تجنب تكرار هذه الأخطاء المأساوية. ومن خلال قسم خاص لإستعراض هذه الأخطاء يشير المؤلف إلى نحو 39 خطأ استراتيجيا ارتكبتها حركة فتح بقيادة عرفات.
من الأخطاء التي يعرض لها المؤلف الخطأ في الإنحياز إلى المحاور العربية المتصارعة والتبعية لها وتنفيذ خططها، والخطأ في التوجه نحو الكفاح المسلح دون إستراتيجية تحررية واضحة ومتكاملة، وإختيار مكان انطلاق الكفاح المسلح وساحته، وكذا إتباع سياسة التوريط لكل من الأردن وسوريا ومصرا في حرب مع إسرائيل دون إستعداد هذه الدول للدفاع عن أراضيها.
وضمن الأخطاء التي يعددها المؤلف، ونعرض لنماذج منها، الخطأ في دعم مشروع السلطة الوطنية الوهمي، والتدخل في الشأن اللبناني الداخلي ومحاربة سوريا لحساب الرئيس السادات، والخطأ في إفشال محادثات واشنطن الفلسطينية الإسرائيلية عام 1993 برئاسة فيصل الحسيني والدكتور حيدر عبد الشافي، والخطأ في إختيار المفاوضات السرية مع اسرائيل في أوسلو دون تفويض الشعب الفلسطيني وخروجا على الإجماع الوطني.
وضمن تعديده لما يراه أخطاء وقع الرئيس الراحل عرفات فيها خلال إدارته لمسيرة الصراع مع إسرائيل يذكر المؤلف أن القبول الفلسطيني بخارطة الطريق الأمريكية بديلا عن إنهاء الإحتلال الإسرائيلي والشرعية الدولية كان من بين الأخطاء الرئيسية وهو خطأ تدعم بقبول وثيقة جنيف في أول ديسمبر 2003 أساسا للتسوية النهائية للصراع على الساحة الفلسطينية.
ثم يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى خصائص الأسلوب التفاوضي الإسرائيلي التي يجهلها الجانب العربي عموما والفريق الفتحاوي خصوصا الذي فاوض إسرائيل في اتفاق اوسلو عام 1993. ومن الخصائص التي يشير اليها عثمان العثمان التفاوض ضمن يافطة السلام المزعوم أولا وجعل الإنسحاب نتيجة للقبول بالسلام الإسرائيلي ولاحقا له،
إخضاع حدود الإنسحاب الإسرائيلي في العملية التفاوضية إلى معايير عسكرية وأمنية وسياسية وإستيطانية، إعطاء الاولوية للتطبيع مع الطرف العربي قبل المفاوضات والإنسحاب وقبل توقيع إتفاق السلام، التطرف في المطالبات، إلى جانب إستخدام ضغوط الدول الحليفة لها ذات الهيمنة العالمية،
التصعيد العسكري والسياسي والإستيطاني، فضلا عن التنكر للشرعية الدولية والمساومة التجارية والإبتزاز المالي، ورفض عودة اللاجئين إلى ديارهم مع التمسك بأولوية الأمن الإسرائيلي والقدرة على الحرب الإستباقية ضد العرب باعتبارها أساس العقيدة العسكرية لإسرائيل.
كما يشير المؤلف إلى أن من خصائص الأسلوب التفاوضي الإسرائيلي فتح قناة تفاوضية سرية موازية للتفاوض الرسمي، مع التلاعب بالوقت لإرهاق المفاوض العربي، وكذا الخداع الإستراتيجي، فضلا عن تطبيق مبدأ الخداع الإستراتيجي على المسار السوري، مع التمسك بمبدأ التفوق في القوة العسكرية، ومقايضة مناطق عربية في إسرائيل بمناطق صحراوية عربية خالية من سكانها العرب.
ويشير عثمان العثمان في إطار استعراضه لهذا الجانب إلى إستراتيجية إسرائيل القائمة على ضرب المسارات العربية التفاوضية مع بعضها البعض.وما بين أخطاء عرفات التسع والثلاثين أساليب إسرائيل التفاوضية القائمة على الإلتفاف على الحقوق العربية، يشير المؤلف إلى أنه مما زاد من أزمة القضية الفلسطينية الصراع الذي نشب مؤخرا بين فتح وحماس على مؤسسات السلطة الفلسطينية منذ حصول الأخيرة على الأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني.
ويتطرق هنا إلى تصاعد الضغوط على الوضع الفلسطيني جراء الحصار الذي بموجبه منعت واشنطن وسلطات الإحتلال دخول أموال الدعم العربي والأممي للحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية مما ساعد على تداعي مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية والمرافق العامة خصوصا التعليم والصحة ودعم أسر الشهداء.
ويشير عثمان العثمان إلى أن خطورة هذا الصراع أنه بدأ يؤسس لاشتباكات بين الأجهزة الشرطية والأمنية الفتحاوية والقوة التنفيذية «شرطة» التي أسسها وزير الداخلية في حكومة حماس سعيد صيام، وبدء الحديث عن تجاوز الخطوط الحمر باحتمال وقوع حرب تصفية حاسمة بين فتح وحماس والتهديدات المتوالية من القيادات الفتحاوية مدعومة من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس بإقالة حكومة حماس وحل المجلس التشريعي.
من هذا التناول الذي يركز على توصيف الأزمة منذ البدايات وحتى الاقتتال الداخلي بين الأطراف الفلسطينية ذاتها بدلا من القتال مع العدو ينقلنا المؤلف إلى ما يسميه الخيارات المطروحة للخروج من الأزمة الفلسطينية الراهنة. في محاولة للاجتهاد يدعو الكاتب إلى وضع خطة إستراتيجية لإدارة الصراع مع العدو
مشيرا إلى أنه مهما يكن حجم الضغوط الإسرائيلية الأميركية على الساحة الفلسطينية عموما وعلى حركة حماس خصوصا وأنصارها المتمسكين بورقة المقاومة واستمراريتها نهجا للوصول إلى قيام الدولة الفلسطينية، فإن الطرف المخاطب والمطالب بإدارة الأزمة بهدف الخروج منها هي حركة حماس أولا وأخيرا خاصة بعد فوزها بالأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني، وتشكيلها من لون واحد.
وهنا يؤكد الكاتب على أنه يجب أن يكون واضحا لحركة حماس ولغيرها أنه دون وضع خطة إستراتيجية تحررية متكاملة تستهدف الوصول إلى أهداف محددة مرحلية أو غائية تمليها الظروف الوطنية والإقليمية فإن الاحتلال الاستيطاني الابن السفاح للمشروع الصهيوني باق في القدس وحيفا وعكا وصفد وجنين والخليل مادام النضال الفلسطيني يتواصل عفويا مهما كثرت العمليات الاستشهادية ومثلها قصف بعض مستوطنات العدو.
ثم يدعو المؤلف إلى تحديد هدف مرحلي يلبي مطلب الحد الأدنى للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وذلك الهدف، وفق رؤيته، هو إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة في عدوان 1967، ويشير إلى أن هذا الهدف هو ذو طبيعة مزدوجة
وأولوية إستراتيجية تتمثل في انسحاب القوات الإسرائيلية أولا مع الاستمرار في التمسك بورقة المقاومة، والطبيعة الثانية لهذا الهدف المرحلي سياسية وتعتمد على الشرعية الدولية للقرار 181 وليس القرار 242 فالأخير يتناقض مع سابقه، حيث انه يخاطب الدول العربية الثلاث مصر والأردن وسوريا إلى جانب إسرائيل.
ويؤكد المؤلف على ضرورة تشكيل حكومة وحدة فلسطينية تمثل جميع القوى والفصائل، وهو الأمر الذي يجري حاليا الترتيب له على الساحة الفلسطينية، مشيرا إلى أن حماس ارتكبت خطأ سياسيا فادحا حين شكلت حكومة لون واحد فبدلا من أن تكسب باقي القوى والفصائل الفلسطينية إلى جانبها تركت فتح وأعداء المقاومة يشكلون جبهة معارضة لها.
وهنا يعرب عثمان العثمان عن رأيه بأن دخول حماس الانتخابات التشريعية كان فخا لها بهدف توريطها في صراع جديد مع قواعدها من جهة ومع حركة فتح ومؤسسات السلطة الفلسطينية الأسلوية من جهة أخرى. وضمن الخيارات التي يضعها المؤلف، الدعوة إلى إعادة تشكيل بنية وأجهزة منظمة التحرير الفلسطينية الرئيسية الثلاث،
وهي المجلس الوطني الفلسطيني، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، والصندوق القومي الفلسطيني، وفي هذا الصدد يرى ضرورة أن يتم تقسيم أعضاء المجلس الوطني ليكون مناصفة بين فلسطيني الداخل والشتات وأن تكون العضوية بالانتخاب الحر المباشر في الضفة وغزة من جهة وفي دول الشتات العربية وحدها من جهة أخرى، معتبرا أن مهزلة التعيين أو الاحتكار بالكوتا دخلت مرحلة التاريخ الأسود والمأساوي لمسيرة التوجه الفلسطيني العفوي والتسطيحي والفوضوي.
أما الخيار الأخير الذي يراه المؤلف، بغض النظر عن الاتفاق او الاختلاف معه، فهو استقالة حكومة حماس وعدم مشاركتها كحركة في أية سلطة وأن تأخذ دورها المعارض في المجلس التشريعي فتستعيد بذلك حرية الحركة في إتجاه التمسك بثوابتها إلى جانب التفرغ لوضع استراتيجية تحريرية تتسم بالكفاءة.
من هذا التناول ينتقل عثمان العثمان إلى الهدف الفلسطيني الأسمى وهو إقامة الدولة عارضا رؤيته لملامح هذه الإستراتيجية والتي يرى ضرورة قيامها على التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي حسب مبادئ الشرعية الدولية بالنص الصريح على قيام الدولة العربية الفلسطينية، والمدة المحددة لظهورها وطبيعة المرحلة الإنتقالية حتى إعلانها.
ويؤكد على ضرورة أن تتضمن هذه التسوية النص على تشكيل حكومة مؤقتة عربية ويهودية ووضع دستور لكل من الدولتين، وكذا منع الاستيطان اليهودي على حساب الأراضي العربية الواقعة في إقليم الدولة اليهودية. أما من حيث الاقتصاد فيرى المؤلف ضرورة النص على وجود اقتصاد مشترك للدولتين العربية واليهودية.
ألفت عبدالله
*الكتاب: الإستراتيجية المطلوبة لإقامة الدولة الفلسطينية
*الناشر: على نفقة المؤلف أبوظبي 2007
*الصفحات: 319 صفحة من القطع الكبير