«ما يشعرني بالخيبة حقا، حينما أتمنى بعد انتهائي من قراءة كتاب جيد، أن يكون مؤلفه صديقا رائعا لي»، ذلك ما عبر عنه الكاتب الروائي وكاتب القصة القصيرة الأميركي جيروم ديفيد سالينجر الذي يعد من الكتاب النادرين الذين اعتزلوا النجومية والإعلام وهم في أوج شهرتهم وشبابهم.
عاش سالينجر الذي ولد في أول يوم من عام 1919 في مانهاتن نيويورك من أب بولندي وأم تحمل الدم الاسكتلندي والأيرلندي طفولة عادية. وحينما التحق بالأكاديمية العسكرية في المرحلة الثالثة من دراسته شعر للمرة الأولى بالراحة لتحرره من هيمنة والدته وحرصها المبالغ به.
بعد انتقاله إلى جامعة نيويورك ترك الدراسة بعد الفصل الأول من السنة الدراسية الأولى والتحق بالعمل في شركة لاستيراد اللحوم حيث تم نقله إلى فرعهم في فيينا، وهناك أتيح له إتقان كل من اللغة الفرنسية والألمانية.كما أسعفه الحظ في مغادرة النمسا قبل سقوطها في يد هتلر خلال الحرب العالمية الثانية، وعليه عاد إلى أميركا وتابع دراسته في جامعة كولومبيا من خلال دورة مسائية خاصة بالكتابة.
ونشرت أول قصة له عام 1940 بعنوان «مجموعة شبان»، وفي العام التالي ارتبط بعلاقة عاطفية مع أونا أونيل ابنة الكاتب أوجين أونيل. وكان يكتب لها يوميا رسائل مطولة، وسرعان ما أجهض حبه حينما فوجيء بزواجها من شارلي شابلن الذي يكبرها كثيرا في العمر.
وشارك عام 1942 في أعتى المعارك وأعنفها مما ترك أثرا عميقا في نفسه وعلى مجموعاته القصصية التي لاقت اهتماما واسعا لدى القراء مثل «بريد مساء السبت» و«كوليير». وفي ألمانيا تزوج للمرة الأولى إلا أن زواجه لم يستمر سوى بضعة أشهر بعد عودته لموطنه.
ثم دخل عالم هوليوود ونجح في بيع قصته «العم ويغلي في كونيكتيكت» إلا أنه أصيب بخيبة أمل كبيرة حينما شاهدها كعمل سينمائي حيث جردت القصة من مضمونها، مما دفعه إلى اتخاذ قراره بعدم التعامل مع هوليوود مجددا. وعلى الرغم من العروض الهائلة التي انهالت عليه تباعا ومن ضمنهم ستيفن سبيلبرغ، أصر سالينجر على عدم بيع حقوق روايته التي حققت شهرة واسعة عند نشرها مباشرة وهي «الحارس في حقل الشوفان» وكانت إجابته الدائمة بأن بطل قصته هولدن كولفيد سيرفض ذلك قطعا.
وآخر عمل له كان رواية قصيرة نشرت على حلقات عام 1965 في صحيفة نيويورك بعنوان «هابورث 16، 1924». والجدير بالذكر أنه اتجه نحو الديانة البوذية وتعمق وفيها أما زوجته الثالثة والأخيرة فهي ممرضة تدعى كولين أونيل وأصغر منه بأربعين عاما.
تغطي روايته «الحارس في حقل الشوفان» التي لم يكتب غيرها بضعة أيام من حياة بطلها هولدن كولفيلد البالغ من العمر ستة عشر عاما. وتبدأ القصة عند طرد هولدن من المدرسة قبل عطلة الميلاد من نهاية عام 1940 وذلك لرسوبه في امتحانات الفصل الأول، ومنذ البداية يتضح للقاريء التشتت الفكري والعاطفي الذي يعيشه هولدن والصراع الداخلي الذي يهيمن على سلوكه.
كان اهتمام هولدن ينحصر في نقد سلوك زملائه علنا والسخرية اللاذعة منهم ليمارس تلك السلوكيات بنفسه لاحقا، وعلى مدار الرواية نجده يكرر على الدوام كلمات مثل النفاق والزيف والازدواجية في السلوك.يقرر هولدن مغادرة المدرسة قبل موعد العطلة بيومين بسبب خلافه الحاد مع زميل غرفته ستار دلاتر بسبب خيبة الأخير من الموضوع الذي كلفه بكتابته نيابة عنه لخروجه في موعد غرامي مع إحدى صديقات هولدن السابقات.
شعر الزميل بالغضب بسبب ما كتبه هولدن عن مأساة أخيه علي الذي مات في الحادية من عمره بسبب مرضه باللوكيما وهو موضوع بعيد عما طلبه منه. على أثرها يقرر هولدن التوجه إلى نيويورك لقضاء بضعة أيام بمفرده قبل موعد عودته إلى أسرته. يتجول في المدينة ويشرب يوميا حتى الثمالة ويلتقي بأنواع مختلفة من البشر، إلا أنه لا يرى فيهم جميعا سوى صورة للنفاق.
وبعد أيام يتصل بصديقة قديمة له ويقضيان النهار بالتريض وما إن يبدآ الحوار لاحقا حتى يتشاجرا ، وبعد مغادرتها يدرك بأنه ما من شيء يجمعهما. ويتضح للقارئ بأن هولدن لا يستطيع طيلة تلك الفترة ولاحقا من التواصل بصورة طبيعية فهو عاجز عن التفوه بأكثر من جملة واحدة أو أكثر.
وأخيرا يقرر هولدن العودة إلى بلدته وزيارة أخته الصغيرة فويب سرا. وخلال لقائهما يشرح لها بأنه يعتقد بأن دوره في الحياة يتمثل في إنقاذ الأطفال من الوقوع في الهاوية لدى جريهما في حقول الجاودار من دون أن يدركوا وصولهم لحافة الهاوية. ويتجلى المغزى من هذا الوصف إلى جانب بعض التعليقات والمواقف الأخرى بأن هولدن متمسك ببراءة الطفولة ويرفض عالم البالغين الزائف.
يذهب بعد اللقاء إلى منزل أستاذه السابق أنطولوني الذي يكن له الاحترام، وهناك ينجح المدرس في إقناعه بأن أفكاره عظيمة وقيمة إلا أنه بحاجة للعلم ليتمكن من التعبير عنها. وحينما ينام الشاب على الأريكة في غرفة الجلوس يستيقظ بعد ساعة ليفاجأ بأستاذه وهو يداعب وجهه مما يثير فزعه واشمئزازه وبلا تردد يغادر بيت مضيفه ليقضي ليلته كئيبا في المحطة المركزية الكبرى.
وحينما يلتقي أخته في صباح اليوم التالي لوداعها يفاجأ بقدومها وهي تحمل حقيبة ثيابها مصرة على مرافقته والرحيل معه. يغضب هولدن ثم يحاول إرضاءها بالذهاب معها إلى حديقة الحيوان. وحينما يراقبها وهي تمتطي صهوة جواد مسن وتسير قدما، يعتدل مزاجه فجأة ويشعر بالسعادة والحب للكون من حوله ولجميع من رفضهم سابقا.
وفي هذا الجزء من الأحداث، يكون المؤلف قد قدم للقاريء عدة إشارات تدل على أن هولدن يروي أحداث الكتاب من مصحة للأمراض العقلية في كاليفورنيا، ويشرح في النهاية بأنه سيذهب إلى مدرسة أخرى وهو غير متأكد من قدرته على الالتزام مجددا، وتنتهي الرواية بقول هولدن، «لا تقل أي شيء لأي كان. إن فعلت، فستكون النتيجة افتقادك لهؤلاء الذين تحدثت معهم».