آن ديلبي، مؤلفة هذا الكتاب، هي مخرجة مسرحية، أولت اهتمامها منذ سنوات للكتابة خاصة عن «التراجيديا» في الفكر الإنساني. وهي صاحبة عمل معروف عن سيرة حياة النحّاتة «كامي كلوديل» أخت الشاعر الكبير بول كلوديل. والعمل عنوانه «امرأة».
ومن كتبها أيضا: «ابتسامة سارة برنار» و«جون راسين» عن سيرة حياة أحد أكبر شعراء فرنسا ومسرحييها في القرن السابع عشر. الدقيقة 107 المعنيّة في عنوان هذا الكتاب هي تلك التي شهدتها المباراة النهائية لبطولة كأس العالم لكرة القدم في ألمانيا. وفي تلك الدقيقة «حدث ما لم يكن ممكنا التفكير به» عندما وجّه زين الدين زيدان «ضربة رأسه» الشهيرة للاعب الإيطالي ماتيرازي وألقاه أرضا.
هذا الكتاب ليس عن الرياضة، ولا عن كرة القدم، بل إن كاتبته لم تكن تعرف حسب اعترافها من أسماء الفريق الوطني الفرنسي لكرة القدم الذي وصل إلى المباراة النهائية في بطولة كأس العالم الأخيرة في ألمانيا إلا زيدان «النجم». ولا تتردد في التأكيد أنها كانت «تتمشى» في الشوارع عندما كانت أنظار الملايين معلّقة على شاشات التلفزة لمشاهدة المباراة النهائية بانتظار أن ينفجر «فرحهم» في حالة الفوز أو «تفريغ شحنة الحسرة» في حالة الفشل.
وهنا تشبّه المؤلفة ملعب كرة القدم بمسرح جديد يعرف كيف يلهب مشاعر الجموع الهائلة». وهذا هو الدور الذي كان المسرح يلعبه تحديدا لدى اليونانيين القدماء، حيث كان أبطاله هم أخيل وهكتور وبنلوبي وليس زين الدين زيدان وليليان تورام، ودافيد بيكام وغيرهم من نجوم «المسرح الجديد».
«كما لم يكن هناك من يستطيع أن يستغني عن المسرح في اليونان القديمة، ليس هناك من كان يستطيع أن يستغني عن كرة القدم في ذلك المساء»، كما تقول المؤلفة لتؤكد أنها فضّلت في ذلك المساء أن تستمتع بالصمت خارج المنزل وترقب أوراق الأشجار. لقد كانت وأمثالها الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.
كان الوقت «النظامي» للمباراة ـ 90 دقيقة ـ قد انتهى، وبالتالي العودة إلى المنزل. لم تكن هناك أية ضجة صادرة عن فرح أو عن يأس. وبحركة شبه آلية قامت بتشغيل التلفزيون وكانت صورة زيدان وخلفه «أحد لاعبي الفريق الخصم».
كان واضحا أنه «يوجه كلمات نابية، مثل تلك الكلمات التي تحرق الجلد مثل النار، بل التي تمس الدم ذاته»، حسب تعبير المؤلفة التي قارنت بعد ذلك بين «فعل الحب» و«فعل الحقد». كما تقارن بين ما أخذت تنظر إليه باهتمام بالغ وبين المسرح اليوناني القديم حيث كان «مصيرا تراجيديا يرتسم ثانية بعد ثانية».
تقول المؤلفة: «فكّرت عندها بتلك الحرب الأخرى، الحروب الضروس بين رجلين آخرين منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة. إنهما أخيل اليوناني الذي كان يسعى إلى قتل هكتور «الطروادي». يومها قال أخيل لهكتور: «هكتور، توقّف أيها الملعون عن الحديث حول أية اتفاقات، فبيننا لا مكان لأية صداقة».
وأجابه هكتور: «أخيل، أنت لست سوى متشدق بالكلام الجميل، أنت فنان في الكذب، وأنا قادم لقتلك». ذلك المشهد الإغريقي من «إلياذة» هوميروس رأته مؤلفة هذا الكتاب أمام عينيها على شاشة التلفزيون يوم 9 يوليو 2006 عند الدقيقة 107 من المباراة النهائية لبطولة كأس العالم لكرة القدم بين فرنسا وإيطاليا في ألمانيا.
لقد رأت «زيدان» وهو يتخلّص بحركة نبيلة من ذلك الخصم الذي لحق به عن قرب بطريقة مريبة. ورأت «زيدان» وكأنه يطير نحو فضاءات أخرى مثل تلك الكرة «سيده الحقيقي». «إنه لم يكن يلامس الأرض حقيقة وحلمت عندها بصورة أخرى، صورة خطوات ارمسترونغ الأولى على سطح القمر»، كما تقول.
ومثل «بطل إغريقي» يحاول زيدان الابتعاد عن «ارتكاب الحماقة» وعن «رد الفعل الحيواني غير المسؤول» ويبتعد عن الخصم الذي لا يكف عن استثارته. ومع ابتعاده «حلّت اللحظة الأكثر هشاشة الذي يعتقد فيها المرء أنه قد خرج من المأزق وأن باستطاعته أن يستنشق الهواء النقي الذي يداعب وجهه من جديد، ذلك أنه لم يرضخ للحماقة ولم يرتكب الفعل الغبي».
باختصار «تخلّص زين الدين زيدان من صدى وقع الشتائم المنصّبة عليه كي يتفرّغ للعب». ولم يكن قد بقي على نهاية المباراة سوى بضع دقائق. وفي تلك اللحظة من الإشراق، ومن «الأبدية» التي عرفها كل فنان «ذات يوم، لحظة الإبداع» مثل رامبو في الشعر وباخ في الموسيقى، في تلك اللحظة التي ارتفع فيها زيدان «انكشفت حقيقة الكائن البشري فينا وتعرّت وفي مدة جزء من ألف من الثانية (...)
وعندها يصاب المرء عامة بنوع من فقدان الذاكرة» لتنبعث لديه كل «غرائزه الأرضية» مثل «اورفي»، الشخصية الأسطورية الإغريقية« التي «تقدّمت وسط هالة من النور نحو الجحيم». وللمرّة الثالثة قام الخصم الإيطالي بشتيمة زيدان الذي تسمّر عندها في مكانه و«كأن الخصم قد طعنه بخنجر بين كتفيه».
وكانت حياته كلها قد أصبحت في مهب الريح مثل الكرة، و«كان عليه أن يضع حدا لتلك المهزلة المريعة وإلا سيكون طيلة حياته التالية هو ذلك الذي هرب وقبل كل الافتراءات دون أن يرد. ولم يكن هناك أية إمكانية لبروز الانتصار من ذلك العالم الآسن».
هذا الموقف عبّر عنه زيدان فيما بعد بالقول: «لقد تفوّه بكلمات شديدة القسوة وكررها وقد أصابتني في صميمي. الكلمات قد تكون أكثر قسوة من الأفعال. حاولت أن أتحاشى الموقف، ولكن في المرّة الثالثة، ظهر أنني إنسان قبل أي شيء آخر. وإنني كنت أفضل حقا لو أنني كنت قد تلقيت صفعة على وجهي».
كانت هناك كلمة واحدة جعلت الكيل يطفح، وكانت صورة الأم التي يراها بكثير من القداسة «مثل القدماء»، قد انتصبت أمامه وبدا له أن «جميع أولئك الموجودين على مدرجات الملعب يرددون الشتيمة» التي لحقت بها. ثم كان هناك صوت أبيه الذي «ما كان له أن يسمح أبدا بمثل تلك الشتائم».
هذا الأب الذي قدم من منطقة القبائل الجزائرية إلى مرسيليا بفرنسا كي يعمل حارسا في متجر «كازينو» الشهير، والأب الذي «ما كان لزين الدين أن يتجرأ النظر إلى وجهه لو أنه ترك تلك الكلمات البذيئة تمر دون عقاب».
ثم كانت هناك صورة زوجته «فيرونيك» إلى جانب صورة أمه «مليكة» تطلب منه أيضا أن «لا يدير ظهره ويهرب. وانضمت لصورتي الأم والزوجة، صورة الأخت «ليلى»، التي كانت الفتاة الوحيدة بين أربعة صبيان لم يسمحوا أبدا لأحد أن يوجه لها أية إهانة.
تلك الوجوه كلها بدت له في تلك اللحظة وكأنها تلوّح بالوداع «إذا صمت». وفي تلك الحالة ماذا كان يعني فوزه بكأس العالم لكرة القدم؟ ومن أجل من؟ وبأي ثمن؟ وماذا كان هذا كله يساوي أمام الأنفة، أو «النيف» كما يقولون في منطقة القبائل الجزائرية؛ لاسيما وأن مثل هذه الأنفة هي ذلك الإحساس بالشرف والكرامة الذي لا يمكن لأي ألقاب أو أوسمة أن تعادله.
وما بين الدقيقة 6,107 و7,107 تكررت صورة مشهد آخر حدث حوالي ثلاثة آلاف سنة أثناء حرب طروادة أيضا. كان هكتور، الطروادي، لا يعاني من أي إحساس بالخوف. كان يقف أمام الحواجز ويتأمل زوجته اندروماك للمرّة الأخيرة. وبعد لحظة سوف يحضن طفله بين ذراعيه، ابنه الأغلى في العالم. إنه سوف يُهزم ولكن لم يقم بأية خيانة لشرفه.
وتضيف المؤلفة: «أعرف يا زين الدين أنك لم تفكّر في تلك اللحظة بهكتور (...). ولكن الانفعال كان ذاته. كلاّ، إنك لم تفكّر بأي شيء من هذا كله ولكن أصبحت جوقة موسيقى كاملة خلال جزء من الثانية، وأصبحت حياتك زاخرة بكل تلك الإيقاعات والانفعالات والآلام (...). وكانت رأس تضج بشكل مجنون وتفكّر فيما هو آخر وهي تصبو نحو الهدف الأسمى لكل حياة إنسانية».
وعند الدقيقة 8,107 «انتهى زمن التردد»، كانت لحظة الحقيقة و«لم يهرب من ذلك الموعد والمواجهة مع نفسه (...). كان على أهبة أن يسجل الهدف الأخير في حياته الكروية»... وكانت ضربة الرأس تلك... وكان تعليق والد زين الدين في مساء نفس اليوم هو: «ترون كيف يمكن للحياة أن تتحول هكذا في لحظة واحدة».
وكان قد علّق على طرد زيدان من الملعب قائلا بصوت هادئ: «هناك أمور أخطر من هذا، انظروا إلى ما يجري في العراق». وفي تلك اللحظة «كان يزيد الصغير قد أصبح مثل أبيه رجلا كاملا، رجلا حقيقيا، رجلا هاما».
وفي المحصلة ترى المؤلفة أن زين الدين زيدان قد عاش «لحظة ملحمية» مثل أبطال اليونان القدامى والذين ارتفعوا إلى مواقع أسمى. وهذا ما كان قد عبّر عنه اللاعب الشهير بيليه «الملك بيليه» وتصدّر هذا الكتاب حيث جاء فيه: «أحلم أن أصعد ذات يوم إلى خشبة المسرح قبل أن أموت. أعتقد أن لي مزاجا ممثلا، فهذا لا بد منه للعب كرة القدم بأعلى المستويات».
وينتهي الكتاب بالجملة التالية: «ينبغي أن يواجه كل إنسان الدقيقة 107 الخاصة به خلال حياته. البعض يخوضونها وآخرون يهربون منها وغيرهم ينتظرونها، لكن ينبغي أن يعيشونها جميعا».
*الكتاب:الدقيقة 107
*الناشر: لوكاترشومان باريس 2007
*الصفحات:109 صفحات من القطع الكبير
La minute 107
Les 4 chemins - paris 2007
p.109