مؤلف هذا الكتاب هو د.فهمي جدعان الذي يعتبر واحداً من أبرز المفكرين العرب المنشغلين بهمّ مشروعهم التنويري، فحفر عميقاً في تربة الفكر العربي المعاصر، والفلسفة العربية الإسلامية، ثم انتقل، في مؤلفاته الأخيرة إلى صياغة منظومة مفاهيمية، تحاول استشراف ملامح المستقبل العربي.
ولد جدعان في العام 1940 في بلدة عين غزال بمدينة (حيفا) في فلسطين، وحصل على دكتوراة الدولة في الآداب من جامعة السوربون بباريس العام 1968، كما عمل أستاذاً للفلسفة والفكر العربي والإسلامي في عدد من الجامعات الأردنية، وعمل أستاذاً زائراً للحضارة العربية والإسلامية في جامعة السوربون الجديدة (باريس الثالثة)، وبالكوليج دو فرانس بباريس.
وشغل وظيفتي عميد كلية الآداب وعميد البحث العلمي في الجامعة الأردنية، وهو يعمل حالياً أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت ومشرفاً على طلبة الدراسات العليا. صدر له عدد من المؤلفات والبحوث، أهمها: «أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث 1979»، و«نظرية التراث ودراسات عربية وإسلامية أخرى 1979»، و«المحنة:
بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام 1989»، و«الطريق إلى المستقبل: أفكار - قوى للأزمنة العربية المنظورة 1996»، و«الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية 1997»، و«رياح العصر: قضايا مركزية وحوارات كاشفة 2003».
وصدر له باللغة الفرنسية: «التأثير الرواقي في الفكر الإسلامي، باريس 1968»، ومجموعة من البحوث حول: الوحي والإلهام في الإسلام، فلسفة السجستاني، الشروط الاجتماعية الثقافية للفلسفة الإسلامية، منزلة الملائكة في الإلهيات الكونية الإسلامية، الأمة والمجتمع في الفكر الإسلامي (باريس 1967 ـ 1992).
يدخل كتاب فهمي جدعان في إطار ما يمكن تسميته ثقافة المراجعة، من جهة تقديمه لما يسميه العسكريون «تقدير موقف»، أو جردة حساب للنظم والتيارات الفكرية والثقافية التي مازالت تفعل فعلها في التربة العربية، ومناقشة أطروحات ومواقف ممثليها أو لاعبيها الأساسيين في البلدان العربية.
ومنطلق جدعان هو أن حالات الضعف والانهيار والخراب في واقع العرب والمسلمين ودنياهم، جعلتهم ينشدون الخلاص، بالرغم من اتساع قاعدة القنوط واليأس، الأمر الذي دعاه إلى النظر في راهن المجتمعات العربية والإسلامية، وما آلت إليه الأفكار التي تناوبت عليها، ولم تفتح أفق الخلاص المنشود.
وقد قاده التفكير في مسألة الخلاص كمطلب جوهري، وغاية قصوى، إلى تشخيص ثلاث منظومات إيديولوجية رئيسية تدعو إلى الخلاص، وهي: نظام الإسلاميين الذين يتمثلون «دين الإسلام» بوجه من الوجوه، ويجعلونه مبدأ لإيديولوجيا الخلاص النهائي.
ونظام العلمانيين المتمسكين بإزاحة دور الدين من الشؤون العامة للمجتمع والدولة. ونظام الليبراليين الذين يرون أن الخلاص النهائي يكمن في الليبرالية التي تريد الاقتران بالديمقراطية. وهذا لا ينفي وجود منظومات أخرى، فقدت فاعليتها كالإيديولوجيا «القومية العربية» والإيديولوجيا الجماعية بشقيها الاشتراكي والشيوعي.
وتجسد هذه النظم في طبيعتها وماهيتها فكراً أحادياً، حيث يزعم كل منها أنه الطريق الأوحد إلى الخلاص، فالإسلاميون يقولون صراحة ان «الإسلام هو الحل» الأوحد، ولا بديل عنه. ويعلن النموذج العلماني أن المبدأ المطلق والنهائي في النظر وفي الفعل هو «استقلال العقل الإنساني» و«الشخص الإنساني»،
وأن مبدأ الاستقلال يمتلك طابعاً مطلقاً، ولا يسمح لأي مبدأ آخر بالتدخل في الحياة العامة للمجتمع والدولة. وكذلك فإن النموذج الليبرالي هو نموذج أحادي، يعتقد أصحابه أنه النموذج الأمثل، بل والأوحد الذي يتعين الأخذ به. وقد فرضت الولايات المتحدة الأميركية صيغة هذا النموذج في أيامنا هذه، وتريد أن تعممها على الجميع.
لا شك في أن حشر الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين في حيّز واحد فيه الكثير من التعميم والاختزال، ويرده جدعان إلى اتسامها بسمة الأحادية التي يترتب عليها سمات أخرى غالبة لدى هؤلاء جميعاً، وأولها هي السمة الإيديولوجية، التي تخص جميع هذه النظم، برغم إنكار بعضها لذلك،
حيث يقدم الإسلاميون والعلمانيون والليبراليون نماذجهم الفكرية بوصفها منظومات تفسر وتقترح وتغيّر، وأن غايتها خير الإنسان والمجتمع. وثاني السمات هي السمة «الأخروية» (إسكاتولوجية)، حيث يتسم النظام الديني الإسلامي بسمة النظام الأخروي، فيما يتسم النظامان العلماني والليبرالي بسمة الأخروية الدنيوية.
وتجد هذه النظم العديد من الممثلين في الفضاءات العربية، حيث يستعرض جدعان بعض خطاباتهم في أصولها الفكرية والإيديولوجية، وفي تجلياتها السياسية والاجتماعية. ويطالبهم بالاستماع إلى نداءات الديمقراطية، واضعاً «التجربة» و«الخبرة» كمعيار حقيقي لصدقية الدعاوى المعلنة من الديمقراطية، ومميزاً ما بين الديمقراطية بوصفها «طريقة»، وبين الديمقراطية بوصفها «قيمة».
لكن الخلاصة التي ينتهي إليها هي أن هذه النظم الأحادية والاقصائية هي نظم عقيمة لا تفضي إلى شيء سوى الإخفاق. وفي سجاله مع الإسلاميين ينطلق جدعان من كتاب أبو حسن الأشعري «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» الذي لم يصرّح بأن كتابه ينطوي على تمييز بين الإسلاميين من طرف وبين الإسلام نفسه من طرف آخر.
لكن التجربة التاريخية لدين الإسلام لم تتم إلا في واقع «الافتراق» بين الفرق، وقدم خلالها «الإسلاميون والمصلون» ثلاثة وعود أساسية، هي: الخلاص بالطاعة والاستقالة الدنيوية والوعد المسياني، والخلاص بالعقل والحرية، والخلاص بالفعل العملي الدنيوي المباشر. وكان قدرها جميعاً، حسب جدعان، الانتهاء إلى طرق مسدودة.
ويستند جدعان إلى رضوان السيد في كتابه «الصراع على الإسلام» ليعرض المقولات الثلاث التي استند إليها الفكر الإسلامي الإحيائي، وهي: مقولة الاستخلاف، ومقولة التكليف، ومقولة الحاكمية. إضافة إلى مقولة «الهوية الذاتية» التي تستبعد التغيير وتتسلح بموقف محلي وكوني يستند إلى مفهوم الانفصال عن المجتمع وعن العالم الخارجي، وإقامة جدار من التنافر بين الإسلام والغرب.
غير أن وعود الإسلاميين الموجهة إلى مبادئ «الاستخلاف في الأرض»، و«الحاكمية» و«حتمية الدولة الإسلامية»، وآمر «تغيير العالم»، لم تعد تمثل فقط وعوداً طوباوية، وتلقي بالمسلمين إلى التهلكة والدمار، بل يذهب جدعان إلى اعتبارها وعوداً «تحريفية»، بمعنى أنها تخرج عن حدود الغائية الكبرى والمركزية التي أرادها الإسلام، القائمة على خلاص يفضي إلى العدل والمصلحة.
إضافة إلى كونها وليدة الظروف الصعبة التي مرّ بها العالم العربي والإسلامي في العصر الحديث، وثمرة انسداد الآفاق التي وصلت إليها حال العرب والمسلمين. لكن جدعان يقرّ عبر حواره بالنسبي والمتغير والمتعدد، من غير أن يرمي الآخر بأحد طرفي ثنائية الإيمان والكفر،
ونافراً في نفس الوقت من فكر التطرّف التي درج على استخدامها وتوظيفها من قبل كتاب ومفكرين غربيين يساوون بشكل إرادوي واعتباطي ما بين الإسلام والمسلمين، واستخدمها كذلك بعض من نصبوا أنفسهم حكاماً أبديين على العرب والمسلمين وسواهم.
ويميز جدعان ما بين «إسلام التقابل والانفصال والصدام» وبين «إسلام معتدل» مغاير له، حيث يحمل الأول على ما يضعف المجتمع ويزيد الاستبداد السلطوي استبداداً، وكذلك على ما يشوّه صورة الإسلام على المستوى الكوني. ثم يحاور «العلمانيين» بذات الطريقة التي يسلكها مع الإسلاميين، بوصفهم أصحاب مشروع خلاص،
ويدركون العلمانية إما بوصفها فهماً شاملاً للكون والوجود، أو بوصفها فصل الدين عن الدولة، أو بوصفها عقلنة السياسة وإدارة الشأن العام. وبالتالي، فإن هناك أفكاراً علمانية متعددة، يرفض منها العلمانية الإقصائية من دون أن يمتنع عن تناول كل علمانية في سياقها، وعن الاعتراف بوجوهها المفيدة الممكنة، حتى لتبدو العلمانية هي «الحياد»، الذي يفضي إلى ديمقراطية سويّة.
وكما أنه لا وجود للعلمانية في صيغة المفرد، فإن لا وجود كذلك للديموقراطية والليبرالية في صيغة المفرد كذلك. ولا أحد يجهل أن الحرية هي عصب المنظومة الليبرالية. بيْد أن الليبرالية ليبراليات، ومعنى ذلك أن الحرية أيضاً حريات.
وليس المقصود الإحالة على ما يسمى بالحريات الأساسية والحريات المدنية وغيرها فحسب، وإنما المقصود، قبل أي شيء آخر، أن ثمة تفاوتاً في ماهية الحرية نفسها وفي حدودها وأحكامها بين الأشكال المختلفة لليبرالية. وفي الأدبيات الثقافية والفكرية العربية تجور الحريات الأساسية على غيرها من الحريات،
ويغفل الساعون لإقرار هذه الحريات عن دراسة واستقصاء الشروط الموضوعية لإنفاذ الحرية ويذهبون، موافقة لمفهوم عام ضبابي لليبرالية، إلى تسييد الحرية كمثال أقصى وكقيمة مكتفية بذاتها، وكغاية مقصودة لذاتها بإطلاق، غير آبهين بالروابط العضوية التي تربط الحرية بالمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية للمجتمع.
ويشهد واقع الحال على أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية في البلدان العربية اليوم لا يمكن أن تجد حلولها النهائية في مفهوم للحرية منقطع الصلة عن مفاهيم العدالة والتنمية، وأن الصيغة الليبرالية المسرفة أو الجديدة لا تصلح مدخلاً لقيمة الحرية في العالم العربي.
وفي غالب الأحيان تستهلك «الديمقراطية الشكلانية» «الديمقراطية الأخلاقية»، وتفتح الليبرالية، وهي بدورها «ليبراليات»، باب الجحيم، وتغلق باب الجنة الموعودة في الخلاص. ومع ذلك لا يرى جدعان بديلاً من الدخول في الحداثة، والعيش عالم اليوم ومعه، حيث يعرض مشروعاً إصلاحياً للعالم العربي والإسلامي، ويراه بديلاً للإسلامية الجديدة. لكن هل سيحمل هذا المشروع خلاصاً للبشر؟ وهل سينهض على تربة ترفض احتكار الحقيقة النهائية؟
عمر كوش
*الكتاب: في الخلاص النهائي
مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين
*الناشر: دار الشروق ـ عمان2007
*الصفحات: 404 صفحات من القطع الكبير