أجرت هيلين بيد المحررة الثقافية بصحيفة «غارديان» البريطانية المقابلة مع الروائية البريطانية راشيل سيفريت بمناسبة صدور روايتها الثانية بعنوان «فيما بعد» عن دار هاينمان اللندنية، التي لقيت اهتماماً كبيراً من النقاد، الذين نظروا إليها باعتبارها تنويعاً على موضوعة روايتها الأولى «غرفة مظلمة» التي أدرجت في القائمة القصيرة للروايات المرشحة للفوز بجائزة بوكر عام 2001.
وقد ألقت سيفريت الضوء على ما تعنيه الكتابة بالنسبة لها، وكيف أن الرواية الجديدة تشكل لها انجازاً لمهمة ظلت معلقة منذ بداية الألفية الثالثة. وفيما يلي نص المقابلة بعد الضجة الكبرى التي أثيرت حول ترشيح رواية «غرفة مظلمة» للفوز بجائزة بوكر، ابتعدت راشيل سيفريت عن الأضواء بالإقامة في برلين ونشر مجموعة من القصص القصيرة بعنوان «دراسة ميدانية»،
واستخدمت عائد مبيعات روايتها الأولى التي قدرت بأكثر من 150 ألف نسخة لتغطية نفقات إجازة الأمومة التي حصلت عليها لمدة عامين، فابنها إيدي الآن في شهره العاشر، وابنها فينلي في عامه الثالث، وعقدت العزم على ألا تعود إلى أجواء الحرب العالمية الثانية، على الأقل في الوقت الحاضر.
لكن روايتها الثانية «فيما بعد» بينما تقع أحداثها في الوقت الحاضر، إلا أنها تدور حول العديد من الموضوعات الشائكة ذاتها التي تطرقت إليها «غرفة مظلمة»، وهي الذنب والأسرار والحرب، ولكن في هذه المرة من خلال الأطلال على دور بريطانيا العسكري في ايرلندا وكينيا.
وإذا كانت تحس بالحزن والضيق من هذه الأجواء التي طرحتها في روايتها الأولى فلماذا لم تمض إلى شيء أكثر خفة؟. إنها ترد على ذلك بالقول: «هناك عنصر مما يعبر عنه بالهتاف: أوه، يا إلهي، لماذا توقعين نفسك في هذه المتاعب مرة أخرى؟ ولكنني أظن أنه كانت هناك مهمة معلقة ظلت بلا إنجاز منذ روايتي الأول». هذه المهمة التي لم يتم إنجازها هي المسألة المتعلقة بإلى أي حد لك الحق في معرفة ماضي شخص آخر.
العلاقة المحورية في رواية «فيما بعد» هي تلك التي تربط أليس وهي ممرضة في صدر الثلاثينات من عمرها وجوزيف، وهو رجل عسكري سابق أصبح رساماً ومصمم ديكور بعد أن أمضى سنوات من الخدمة في أيرلندا الشمالية. وعندما يلتقي جوزيف بديفيد، جد أليس والذي حارب في صفوف وحدات سلاح الجو البريطاني في كينيا، فإن شيئاً في أعماقه ينطلق من عقاله، وتمضي أليس معظم الرواية في محاولة اكتشاف ما الذي حدث له خلال المتاعب التي اندلعت في ايرلندا الشمالية.
الشيء المثير للاهتمام فيما يتعلق بالشخصيتين الرئيسيتين ليس هو الذنب حيال القيام بدور في قتل بشر آخرين والقضاء على حياتهم بقدر ما هو حيال شعورهما بالاستمتاع بالوقت الذي أمضياه في صفوف القوات البريطانية. وتقول سيفريت في هذا الصدد: «إن الانشغال بالذنب ينبع من كوني نصف ألمانية». تقول سيفريت إنه بينما لا تدور رواية «فيما بعد» حول محاولة متطرفة لإجبار بريطانيا على مواجهة ماضيها الأقل مجداً، فإن قيامها بجولة حول العالم للترويج لروايتها «غرفة مظلمة» جعلها تدرك أن كل بلد له هياكله العظمية.
وتضيف في هذا الشأن: «الأمر يشبه ما حدث عند ذهابي إلى مهرجان ادلايد، فقبل كل قراءة لأي مادة كان أحدهم ينهض واقفاً، ويقر بأن موقع المهرجان كان في الأصل ينتمي إلى القبائل الاسترالية الأصلية المعروفة باسم الأبورجينز. ولذا فقد سألت نفسي: ما هو الوجع المؤلم في التاريخ البريطاني الحديث؟ وكانت الإجابة هي القصف البريطاني الجوي لمدينة درسدن الألمانية،
ولكنني لم أرغب في المضي إلى هناك. وكانت أيرلندا هي الوجع الواضح، فقد ولدت في عام 1971، أي بعد عامين من اندلاع الاضطرابات هناك، وكانت هذه الاضطرابات قائمة طوال عمري». لإجراء أبحاث تمهيدية لرواية «فيما بعد» قامت سيفريت بإجراء مقابلات مع محاربين قدامى ممن خاضوا حرب فوكلاند وحرب الخليج الأولى في مركز ريفرز،
وهي عيادة اختصاصية في أدنبرة، حول الاختلال العصبي التالي للاضطرابات العنيفة، والذي يمضي دون تشخيصه من جانب الاختصاصيين وصمت جوزيف حيال كل ما يتعلق بأيرلندا تم استلهامه من هذه المقابلات.ما عليك إلا أن تسأل سيفريت عن الكيفية التي يمكنها بها أن تلخص في كلمة موجزة جوهر رواية «فيما بعد»، وعندئذ فإنها ستقول بصوت هادئ ومحسوب مثل نثرها: «الأسرار».
وهي تعتقد أن كل الناس لديهم أسرارهم، وتضرب مثالاً في هذا الصدد بقولها: «ما عليك إلا أن تفكر في أنه بعد الضجة التي صاحبت كأس العالم لكرة القدم في ألمانيا، اكتشفنا ـ فجأة ـ أن غونتر غراس كان عضواً في فرق العاصفة الألمانية خلال عهد النازي».
ذلك يعني، من منظورها، أنه ليس لك الحق في أن تعرف كل شيء عن شخص ما. وتفصل القول فيما تعنيه في هذا الصدد قائلة: «أعتقد أن معظم الناس لا يقولون كل شيء لمن يشاركونهم حياتهم».ربما كان أبرز ما تتواتر الإشارة إليه في عروض كتب سيفريت هو أسلوبها المتقشف للغاية في الكتابة، فهمي تكتب جملاً قصيرة، متألقة، وتتمتع بقدرة تضاهي قدرة هارولد بنتر على جعل ما لا يقال يبدو أكثر أهمية مما يقال.
وهي تعقب على ذلك بقولها: «لست أحب حقاً وصف نغمة الصوت التي يتحدث بها الناس، كالقول إنهم يتحدثون بخشونة أو على نحو ساخر، فذلك يثير شعوري بالضيق إلى حد كبير، ولست أحب استخدام قدر من الوصف يفوق ما ينبغي، فلماذا يتعين عليَّ معرفة أن هذا الشخص له أنف أفطس أو أن بشرته يعلوها النمش؟ إن كل قارئ سيتصور الأنف الأفطس أو النمش بطريقته الخاصة».
وتعزو سيفريت هذه الرغبة الشديدة في الاقتضاب والاقتصار على عظام ما هو مهم إلى عملها في المونتاج السينمائي وتوضح أنه: «في قاعات المونتاج يدور كل شيء حول تحريك القصة ودفعها قدماً إلى الأمام، ولذا فإنني أريد أن أضع الحد الأدنى لنقل ما هو موجود هناك، ولست أرغب في أن يعترضني شيء».
في مقابلة سابقة أجريت معها، بدا أن سيفريت تشير إلى أن الكتابة ليست وظيفتها، وأنها تحب أن تنظر إلى نفسها وقد عملت مدرسة. وهي تقول الآن إن ما قالته في ذلك الحين قد تم إخراجه من سياقه، ولكنها لا تزال تنظر إلى نفسها باعتبارها إنسانة تكتب أكثر مما تنظر إلى نفسها بحسبانها كاتبة.وتتابع: «لم أنظر حقاً إلى الكتابة باعتبارها مهنة على نحو ما».
قبل أن تنتقل سيفريت عائدة مع زوجها إلى انجلترا في بداية عام 2003 عقب فترة أمضياها في برلين، كانت تقوم بتدريس اللغة الانجليزية كلغة أجنبية، وقد استمتعت منذ ذلك الحين بإلقاء محاضرات في الجامعة. وتقول: «ولكن الآن أصبح هذا كله عملية مألوفة بالنسبة لي، وأستطيع تصور نفسي وقد عكفت على تأليف كتاب آخر».
وهي تشير إلى أن كونها كاتبة يغدو وظيفة رائعة بالنسبة لأم تربي أطفالاً صغاراً. وتقول: «إنني أجد بالفعل أنه من الأسهل أن أكون أكثر انضباطاً فيما يتعلق بالكتابة خمس ساعات يوميا منى عندما يتعين عليَّ تدبير أموري والأطفال من حولي. وقد أصبحت أنظر إلى الكتابة ليست باعتبارها شيئاً أحبه فحسب، وإنما هي أيضاً شيء عملي تماما».
محطات في حياة سيفريت
* ولدت الروائية راشيل سيفريت في عام 1971 لأبوين ينحدران من أصول ألمانية واسترالية، ونشأت على إتقان لغتي أبويها وعاشت معظم سنوات عمرها في أوكسفورد وجلاسجو ثم انتقلت إلى برلين لتستقر أخيراً في لندن.
* صدرت روايتها الأولى «غرفة مظلمة» عام 2001، واستكشفت فيها آفاق الذنب النابعة من الأعمال التي جرى اقترافها في ظل حكم النازي لألمانيا، ودخلت القائمة القصيرة للروايات المرشحة للفوز بجائز بوكر في العام نفسه. وفازت بجائزة بيتي تراسك في عام 2002.
* صدرت مجموعة قصص لها بعنوان «دراسة ميدانية» في عام 2004.
* عملت بالمونتاج السينمائي واختيرت في عام 2003 ضمن قائمة أفضل عشرين روائياً بريطانياً شاباً من قبل مجلة «جرانتا»، وهي تعمل حالياً بالتدريس والكتابة.