عبد الله محمد الغذامي كاتب ومؤلف سعودي له مجموعة كتب منها: الخطيئة والتكفير1993، تشريح النص 1997، الصوت القديم الجديد 1991، الموقف من الحداثة 1992، الكتابة ضد الكتابة 1991، ثقافة الأسئلة 1993، القصيدة والنص المضاد 1994، المشاكلة والاختلاف 1994 .
في هذا الكتاب «السيدة أمريكا» يحاول المؤلف أن يوجد مقاربة لقراءة وجه أمريكا الخفي، فأمريكا تأتي على أنها فكرة وليست مجرّد مكان، كانت حلماً بشرياً قديماً، وكلنا قد قرأ أحلام الرحالة والجغرافيين عن جزر ضائعة، وعن جزر تنبت فيها النساء، ويتقاطر سيلها ذهباً وياقوتاً.
وها هي أمريكا جزيرة كانت ضائعة، فهي حلم بشري وهي «نظرية» في الثراء والحرية والخلاص. وهذا لا يعني أن أمريكا قد صارت الابن البار والبنت الصالحة التي لا تقصر في حقوق والديها، بل إنها كيان بشري مثل سواه من البشر، ولكل أمة من الأمم جنونها تماماً مثل الأفراد ولها هوسها ووساوسها ومراهقتها،
غير أن جنون أمريكا ومراهقتها يأخذان صورة مختلفة لأنها تملك لغة مختلفة ووجهاً مختلفاً، له من القوّة والسلطان ما يجعله وجهاً عالمياً ولغة عالمية. ولذا فإنه كلما جنّت أمريكا جنّ معها العالم وكأنها بذلك خاتمة لرواية من روايات أجاثا كريستي حيث تعدّل النهاية كل أحداث الرواية وتجرها وراءها وإن تقدمت عليها.
هذه هي أمريكا خاتمة الرواية العالمية وآخر المواقع الجغرافية، وحينما تكون هي غرباً يكون العالم كله شرقاً لها، وكله يصبّ فيها وينحدر نحوها مثل انحدار الشمس الأبدي نحو الغرب. لذا تكون قراءتنا لأمريكا هي قراءة لنا من حيث إننا نرى أنفسنا في هذا الآخر ونقيس ذاتنا من خلال التعرف على آخر ليس لنا ولكنه فينا ومن حولنا.
جاء جورج بوش معلناً عن (النظام العالمي الجديد)، حيث تتسلم أمريكا قيادة العالم بعد انهيار آخر ممالك الشرق (الاتحاد السوفييتي) مما جعل آخر بقعة في غرب الكرة الأرضية تمتلك الكون. وهكذا يصبح العالم في يد الغرب الخالص في يد غرب الغرب، ويتراجع الشرق ليكون مجرد كينونات جغرافية متشظية سياسياً واجتماعياً وثقافياً. وتكون القوة الوحيدة في غرب الغرب.
وحل الشرق بدءاً من أهرامات مصر وسور الصين وكل ما ورثه الآخرون عن أسلافهم وحطموا من أجل ذلك كل العقبات بما في ذلك جدار برلين، لكي تسير قوافل الشرق نحو الغرب، وحتى البيتزا الإيطالية والفلافل العربية التي فرّت من عقالها لتتبهر بالنكهة الأمريكية وتمارس حلمها مثل غيرها في جزيرة الأحلام والنظام العالمي الجديد.
وإذا ما جئنا إلى الحرية والديمقراطية، فإننا نجد ثلاثاً وأربعين دولة شرقية نالت حريتها وتصدّع الاتحاد السوفييتي كنتيجة لهذه الحرية المكتسبة، لقد نالت القرار السياسي الذي يتفاخر به النظام العالمي الجديد، ماذا لو فقدت هذه الدول حريتها ودخلت في الفوضى، هل يستطيع النظام مواجهة الفوضى وإعادة «النظام» ... ؟
إن شاهد لبنان وما يحمله من «فوضى» لهو جرح بالغ ضد النظام الجديد والقديم وكل الأنظمة والمهارات الحضارية والإنسانية .يستطيع «النظام العالمي الجديد أن يكون جديداً لو أنه قدم فلسفة ذات مصداقية أخلاقية تعيد صيغة العلاقة ما بين القوي والضعيف وتبتعد عن شروط السيادة والقوة العظمى،
مثلما تبتعد عن قناعة القوي بأنه يعلم كل شيء ويملك كل شيء، وبالتالي فإن ما لديه هو خير ما يمكن وأفضل ما يكون. لم تستطع الولايات المتحدة تحويل علاقات القوة ـ الضعف إلى وجه إنساني يتفق مع منجزاتها العظمى في الداخل. وهي لم تزل تقدم سياستين متناقضتين: إحداهما داخلية والأخرى خارجية دكتاتورية ؛
وبينهما وجوه أخرى ذات أقنعة متنوعة، حيث القناع الأوروبي غير الآخر العربي والافريقي، وما هو للصين غير الذي لكوريا واليابان، مما يجعل الخارج الأمريكي درامياً تتقدم فيه شروط النص الملحمي، وتحل نصوص مختلفة متضاربة ومتضادة ومتقاطعة، ويكون نصاً عشوائياً كوجه آخر للنص الملحمي الداخلي.
إن أمريكا لم تتمكن إلى اليوم من إيجاد أسلوب قوي يعتمد على ما هو أكثر عدلاً وأقل قهراً من نظرية السلطة الحتمية التي تشترك كل الإيديولوجيات الثقافية في فرضها. إنّ حلم أولئك هو موت هؤلاء وعلى الغلاف الآخر من الكرة الأرضية نجد الشرقيين وليس لهم من شيء سوى «وهم» خجول بنظام عالمي جديد لا وجود له: هو اسم بلا مسمّى. ومع الوهم يبقى للشرقي ذاكرة واحدة فيها من الثقوب والجلطات ما فيها.
ويظل الأمريكي بذاكرتين، إحداهما تشبه ذاكرة الشرق ولكنها منسية وملغاة والأخرى حية حالمة لها الحلم ولها المجد. هي العظمى، وهي الحرية والديمقراطية، وهي خمسمئة عام من التاريخ الأبيض ... وليعش الرجل الأبيض غريباً يبحث عن حلمه ويفتقده ويتواعد به. وللأحمر كابوسه، وللأسود موته، وللشرقي أوهامه.
أمريكا هي سيدة، تسبّها فتضحك وتجعلك تضحك معها، بل إنها تعطيك الأقلام والورق وضوء المصباح وتدعوك للكتابة وتسطير مشاعرك على جسدها وعلى جنبيها كل الكتابات التي كتبت وكل الحبر الذي سال على وجه أمريكا لم تستطع أن تغير شيئاً من قسمات هذا الوجه كالحاً كان أم جميلاً. وإن كان الحبر لم يستطع تلطيخ ذلك الوجه فإن مياه الشرق كلها ونفطه ودموعه لم تستطع قط أن تغسل خصلة من خصلات شعر السيدة.
لا تكتمل قراءة أميركا إلا بالوقوف على أهم وأخطر فصل من فصول الكتاب الأمريكي، وهو فصل الهنود الحمر، هذا الفصل يمثل الذاكرة والأصل والمبتدأ لكل ما هو أمريكي، ولكل ما هو حضاري أو أخلاقي في التجربة الأمريكية وفي سجلات الرجل الأبيض هذا الذي جاء مبشراً بالحضارة البيضاء، وبادر إلى تقديم هداياه ووصاياه للسكان المحليين،
وكانت هذه الهدايا بمثابة «عشر بلايا» كما يقول تودروف أولها الجدري وآخرها العبودية، هذا هو الثمن الذي دفعه الرجل الأبيض مقابل أخذه للأرض الهندية الحمراء ومقابل امتلاكه للجسد الأحمر والوجه الأخضر، حتى ضاقت الأرض بأهلها في حين اتسعت للمهاجرين من كافة أصقاع الغرب الأوروبي. درس في الحضارة
وفي الأخلاق لا يقوى عليه سوى رجل أبيض، هنا يعود مصطلح «المتوحش» ومصطلح «المتحضر» ليكشف سلطان اللغة على البشر، وما دام الهنود متوحشين فإن أجسادهم وأعراضهم وأرضهم تصبح حقّاً طبيعياً للرجل المتحضر صاحب الرسالة المقدسة والسيف الأبيض،
وهذه هي حقوق الحضارة مقابل المصير المحتوم للوحشي ... هكذا هي البشارة بالحضارة، هذه اللغة التي لم يتعود عليها الهنود الحمر الذين جربوا كل مفردات معجمهم اللغوي الفطري، ومن ذلك أن زعيم قبائل الأزتيك في المكسيك حاول مخاطبة الاسبان باللغة التي ظن أنها تردهم بسلام، فأرسل لهم هدايا سخية من الذهب والنساء لكي يرضوا بهذه النعم عن محاربة الهنود واحتلال ديارهم.
ولكن هذه الهدايا زادت الرجل الأبيض إغراء وأشعلت رغبات الطمع في نفوسهم، ويظل التقسيم الأخلاقي قائماً بين الثقافتين، فهؤلاء البيض متحضرون وأولئك الهنود وحوش، والأرض لن تكون لأصحابها ولكنها ستؤول إلى الغازي الذي يظل متحضراً وذا رسالة ربانية مقدسة، وهي قداسة لها من الطهارة ما يحميها من دنس الدماء المتدفقة في الأنهار الجافة، إنها دماء قوم متوحشين.
بهذا يكون العالم كله قد اشترك في كتابة هذه الملحمة الجديدة، وجعل من انبهاره سلماً لأمريكا لكي ترقى إلى قمة مجدها وتعلن أن لغتها هي لغة النظام العالمي، وأن طعامها ولباسها هو الذوق الإنساني، وأن قرارها هو قرار الأمم المتحدة وليس الولايات المتحدة، نحن الذين صنعنا هذا المجد لأمريكا.
فيصل خرتش
*الكتاب: السيدة أمريكا
*الناشر: مركز الإنماء الحضاري حلب 2006
*الصفحات: 167 صفحة من القطع المتوسط