ارتبطت الطبيعة بحياة الإنسان ارتباطاً عضوياً منذ وجوده الأول، فقد كانت بمثابة الحاضنة الأولى التي رعته ودفعت به قدماً نحو التطوّر والتقدّم من خلال ما قدّمته له من خير وخيرات، وما عززت لديه من ذائقة بصرية جمالية تفاعلت دائماً مع تلك الألوان الخلاّبة التي تمور بها الطبيعة الخضراء، وخصوصاً ألوان زهورها التي تمايزت في إشراقاتها ومهرجان ألوانها وتنوّع عطورها، فعبّرت على الدوام في الأدب والفن عن ربيع الخصب والأنوثة العامرة بالشباب.
وحتى هذا اليوم، ما زالت علاقة الإنسان في تصاعد وازدياد، وقد عوّض إنسان المدن افتقاده للزهور الطبيعية ببدائل مستزرعة في منابت خاصة، بالإضافة إلى الزهور الاصطناعية، فبات الزهر يتعايش معنا ويرتبط بتقاليدنا في الفرح والحزن والصحّة والمرض والمحبة والعشق وكل شيء.
الشاعر والباحث السوري في التراث الشعبي محمد خالد رمضان، في هذا الكتاب يقدّم لقارئه الكثير من المعلومات عن ارتباط الورد في حياة الإنسان السوري ودلالات تسمية كل زهرة في التراث الشعبي، هذا بالإضافة إلى ما استقر في الذاكرة من قصص وأساطير وأغان وهناهين وأشعار وزجليات، فمن الأساطير سيذكر (خميس النبات) التسمية الغنية بدلالاتها الإحيائية،
فمع إشراقة الربيع في الخميس الأول من شهر أبريل، يخرج الناس من بيوتهم إلى الطبيعة التي تكتسي في مثل هذا الوقت من كلّ عام بمزيج لا مثيل له من الألوان والشذى والعبق، وفي تقليد مثير ربّما يصل إلى ممارسات الإنسان في الزمن الأسطوري، حيث يتم الاحتفال بالخصب وعودة الحياة إلى الطبيعة، فيحتفون بالخضرة والزهر والشمس والهواء اللطيف كلّ على طريقته، فتعقد جلسات الطرب والرقص، وتقطف الزهور في باقات كبيرة يحملونها معهم في طريق العودة.
ويؤكّد المؤلّف أن لهذا الخميس أهمية خاصة وقيمة كبيرة، نظراً لأنه تقليد أو طقسية واظبت على حضورها منذ آلاف السنين، فهو النيروز السوري المؤنسِن للطبيعة وأشيائها: فالعروس زهرة مياسة تميس كالزهور وتفوح برائحة كرائحتها، وتذبل ذبولها في حالة الوجد، والعشق، والهيام، وتنفتح تفتّحها في الربيع، وتعطي عطاءها، وسحر هذه العروس كسحر الوردة،
فهي بتعبير الكاتب: فلّة وياسمينة، وريحانة، وهي قرنفلة في ألوانها، فوصف العروس ينطبق تماماً على أوصاف الزهرة سواء في الشكل أو المضمون، وبتعبيره أيضاً أن الأزهار تتجلّى في الإنسان المراد وصفه وتعبّر عن حالات وجدانه: فالأغنية والزغرودة والأمثال والتطريز والنقش وأختام الطين والزجاج والصلصال عبّرت جميعاً عن مدى ارتباط الورد بحياة الإنسان،
وعن مدى إعجاب الإنسان بسيرة الزهر وإدراكه لقيمته الرمزية، فالفلّ الأبيض يرمز للطهارة والنقاء والرغبة في الوصال، و«الشاب الظريف» بألوانه المختلفة المتوهّجة وبسحره وجاذبيته يشبه الشاب المنفتح للتوّ على الحياة، إذ ينام طوال النهار، ويستيقظ مساء، و«القرنفل» الذي يعتبر بدوره من أزهار الحبّ تتزيّن به النساء والرجال سواء بسواء، ويذكر المؤلّف أن القرنفل له حضوره القوي في الزغرودة الشعبية وفي المثل الشعبي، وله معان كثيرة،
فهو تفجّر الحبّ وسحر اللقاء بين حبيبين، وأحياناً يكون للأشواق، بالإضافة إلى أن زهرة القرنفل الحمراء اتّخذت رمزاً سياسياً من قبل كثير من الأحزاب الثورية، بينما «الفلّ» فقد حمل معنى الجمال والحبّ والأنس، فيه الهدوء والسحر والتأمّل والسكون، وفي الوقت نفسه فيه الحركة والتفجّر والتطلّع إلى الأمام عبر التداخل والانسجام مع الإنسان، سواء من حيث رمزيته المتعارف عليها ما بين المحبين، أو من خلال رائحته التي تدفع بهم إلى ينابيع الإلهام والأحلام الملأى بالجمال.
أما «الياسمين» فهو بتعبير المؤلّف: تماشى مع الإنسان وتداخل في صميم حياته، فدفعه إلى السير معه وأغنى مسيرته واستفاد منه ليكمل صورة ما أو ليخلّد رمزاً في وجدانه الجمعي، وليعينه أحياناً في سبر أغوار حالة تمرّ عليه.
وهو ورد الحبّ والجمال، وورد التأمّل والرقة، ورمزيته تكمن في أنه زهر الحياة والعذوبة واختراق الجمود، أما رائحته فإنها رنو إلى الأعالي واستشراف للمستقبل، وتخمّر الحياة في الربيع ورشقها إلى الصيف لتمتلئ سحراً وغبطة، وعلى حدّ تعبير أحد الشعراء:
«يا رائحة الياسمين المالئة
دروب الحبيبة
فكّيني من أسرك
ودعيني أصل إليها»
أما «البنفسج» فهو زهرة الحبّ الضائع والأشواق والحزن الهادئ بشكل عام، وله حضوره في التراث الشعبي من خلال الزغرودة والأمثال والحكم، يورد المؤلّف شيئاً منها كدأبه في كلّ فصل، أما «الجوري»، فهو بلا شكّ من أكثر الزهور شهرة، وله عدة أنواع وأحجام،
فمنه البلدي والمنمنم والمتداخل والمتناثر، وألوانه: الأحمر والناري والخمري والزهري والوردي والأصفر والأبيض والبرتقالي، يتفتّح أوائل الربيع ويعيش طيلة الصيف، وله رائحة زكية خاصّة؟، ويدخل في صناعة العطور الشعبية، وفي الأشربة الطبية، وقالت الزغرودة فيه:
«يا واقفة بالجلي يا لابسة الطربوش
أربع خواتم ذهب بكفِّك المنقوش
ويا ليت طبع مكة تحتك مفروش
ويا ريتني ورد جوري عاروس الخدود مفروش»
ويؤكّد المؤلّف أن الجوري من الورود التي تحمل دلالات كثيرة عاطفية ونفسية واجتماعية يبيّنها كلاً على حدة، ومن معانيه العاطفية: الورد المعبّر عن الأشواق، وللنجوى والتأمل والذكرى. أما «الأقحوان» الورد الربيعي الصيفي فقد استنبته الإنسان في مساكبه وحدائقه، وله ألوان عديدة، وزهرته بتعبير المؤلّف مشرقة تبعث على السكينة والهدوء وتدعو للتأمّل والفرح، والعروس في العرف الشعبي: أقحوانه رقيقة ملأى بالتفتّح على الحياة والحبّ،
وهي الشهد المصفّى، والساحرة التي أغمضت عيون الصباح عندما مرّت، أي أن جمالها بهر الصباح فشحب وبهت. وإلى ذلك فإن لزهر الأقحوان دلالات صوفية لأنه يمتزج في روحيته بشفافية وعمق، وينسج علاقات عالية السكينة ويخمّر بنداوته الروح بفرح غامر.
بينما «النرجس» يرتبط بالأسطورة، أسطورة نرسيس المعروفة، وهو بتعبير المؤلّف مدّ من الجمال في علاقاته اللانهائية، وفي كينونته وملامحه الأسطورية، يحمل الصفاء والروعة، ويقدّم للمحبين. وفي الأزياء وجدت زهرة النرجس مطرّزة على كثير من الأزياء الشعبية ومزركشة على الوسائد والطنافس ومنمنمة على الثياب الداخلية والغلالات، بينما الزنبق فإنه يدخل التراث الشعبي من أبوابه العريضة، فيشبّهون العرائس به كما في الزغرودة التالية:
«أبيض بياضك نقي يا زنبق الريّان
ما أحلاك يا ورد فتّحت بالبستان»
وقديما قال الشاعر العربي «والزنبق الورد من أردانها شمل»، فالعروس بيضاء كالزنبق ونقية كنقائه ويضوع عبقها في المكان، وهو إلى ذلك يدهش الناس لكماله وروعته، وهذا التطابق بينه وبين العروس يدلّنا على أهميته ولماذا استعاره الإنسان من الطبيعة وأدخله في حياته.
«الشكرية» أو «شكرية خانم» كما هي معروفة في التراث الشعبي، فهي من الفصيلة الغرنوقية، زهرة ربيعية يبدأ تفتّحها أواسط مارس وتستمر طوال الصيف وحتى أواخر الخريف، ولها ألوان كثيرة ورائحتها ناعمة ومنعشة وفي الأغنية الشعبية:
يا ريتني شكرية وبشبّاك العلّية
ولما بيمرق محبوبي يرمي السلام علييّ
ومن الزغاريد:
مرّيت عابيتكن وتطلّ شكرية
ياريحة العبقت عالدرب يا هدية
ومن فوق عالي السما وسمعت غنيّة
إنتِ العروسة وإنتِ السعد يا بنية
فالعريس مرّ من أمام بيت العروس التي تشبه زهرة الشكرية بألوانها ونعومتها ورائحتها التي ملأت الطريق، وحينئذ تناهت إليه أغنية تبشّره بأن هذه الفتاة ستكون عروسه وفاتحة سعده. أمّا «الليلك» فهو بتعبير المؤلّف من الورود الشجرية، فساقه ساق شجرة وأغصانه أغصان وردة، والليلك اسم جنس واحدته ليلكة، وسمي اللون الليلكي باسمه، وتتراوح ألوانه ما بين الخمري والخمري الغامق القريب من الأسود النهدي والأسود الفاتح على شكل موجات، وزهرته بتعبير المؤلّف تضجّ حياة وإشراقاً وانعتاقاً في الدروب والصباحات،
فهي زهرة الحبّ العنيف المحتدم وأوائل الحبّ، وقد شاركت هذه الزهرة الإنسان في علاقته بالحياة بكلّ متغيراتها وتقلّباتها، فهي حارقة بألوانها المتوهّجة بالعواطف الإنسانية تعبيراً عن حبّ جيّاش مضطرم، بالإضافة إلى إشاراتها الأسطورية والخرافية القديمة،
وتعويض عن عذابات يومية من اغتراب واستلاب وفقدان الارتباط مع الآخر، ولكنه في الوقت نفسه فرح مخيّم وتوق إلى لا نهايات بعيدة بتعبيره.وأخيراً تأتي «شقائق النعمان» بألوانها المميزة: الأحمر الناري ودلالاتها المختلفة من زمن الأسطورة وحتى اليوم، وهو لون الحبّ الأول لدى العذارى والشباب، والحبّ هنا بتعبيره ثورة وحياة.
عزت عمر
*الكتاب:الورد في تراثنا الشعبي
*الناشر: وزارة الثقافة دمشق 2006
*الصفحات: 118 صفحة من القطع الكبير