مؤلف هذا الكتاب هو الشاعر والصحافي نصري الصايغ صدر له من قبل عدة كتب منها «الطائفية على ضوء تاريخها» و«الخراب.. يوميات شارع في بيروت» وكتاب «بولينج في بغداد» وكذا كتاب «لو كنت يهوديا». وفي كتابه الجديد يعلي نصري الصايغ من عملية المقاومة باعتبارها حسبما يري البديل للجيوش النظامية التي فقدت دورها وباتت عاجزة عن المواجهة أو حماية قرار الممانعة،

فاذا كانت أميركا قررت احتكار حق الإمرة وعلى الآخرين الطاعة أو الندم، فإن الكتاب يحاول أن يقدم الإجابة بشأن من يحمي مصالح الدول المستضعفة والفقيرة ويدفع عنها تهمة تلصق بها عنوة وهي الإرهاب أو أسلحة الدمار الشامل.

من السؤال عن مستقبل المقاومة يبدأ نصري الصايغ وطبيعة الدور الذي ستؤديه وهل ستكون عنصرا أساسيا في إستراتيجيات الدول الضعيفة أو المستضعفة؟ أهمية هذا السؤال تأتي حسبما يشير من لحظتين حاسمتين كان لهما تأثيرهما في تغير العالم وهما سقوط الثنائية القطبية بين المعسكرين الشرقي والغربي واحتلال الولايات المتحدة الأميركية منصة القيادة العالمية. والثانية سقوط برجي التجارة العالمية في نيويورك وتدمير جناح في البنتاجون.

لقد كان من تداعيات سقوط جدار برلين وانهيار الإتحاد السوفييتي تراجع الدور الأوروبي سياسيا وعسكريا برغم النجاح الذي حققته الخطوات الحثيثة لإقامة الإتحاد الأوروبي، وبهذا التطور تحولت المجموعة الأوروبية الى مجموعة ممثلين يقدمون أدوار الطاعة ـ دول أوروبا الشرقية سابقا، إيطاليا برلسكوني، بريطانيا بلير، أو الندم ـ فرنسا شيراك نموذجا بعد حرب الخليج.

ويشير المؤلف الى أنه لكي تتم السيطرة والهيمنة الأمريكية فقد كان لا بد من عسكرة العالم ولكي يتعسكر العالم فلا بد من عدو. واذا كان الأعداء كثر فإن الشرق الأوسط يحتل مرتبة العدو لأنه يحتضن من يوصفون بأنهم أعداء السلام والعنف الديني والطائفي والإرهاب وأسلحة الدمار الشامل.

المقاومة كما يشير المؤلف يشتد الخلاف بشأنها بين وجهتي نظر: أمريكا ومن معها ترى أن المقاومة إرهابا فيما يرى المعسكر المغلوب على أمره أن الإرهاب هو كل من يحاول القضاء على المقاومة بالقوة.وعلى ذلك يقرر أن لا تعريف محدد للمقاومة سوى أنها حاجة الضعيف في مواجهة الأقوى، فهي مسألة خاضعة لموازين القوى غير المتوازنة يحتاج اليها الضعفاء الذين لا جيوش لديهم للدفاع عن أرضهم وحقوقهم وحرياتهم وأعراضهم وكراماتهم.

وإزاء حالة الالتباس تلك يشير الى ان المقاومة أداة صراعية في عالم منقسم بين فوضى النظام العالمي وفوضى العنف المتزايد والمصاحب والمنتشر بأشكال مختلفة في مناطق النزاع المشتعلة في هذا الكوكب.وبما أن العالم منقسم بين قوي وضعيف، منتصر ومهزوم، فإن الوسائل المشروعة هي وسائل الأقوياء والمنتصرين والمستعمرين والأغنياء فيما الوسائل الممنوعة هي المقاومة والانتفاضة أو أسلحة الضعفاء.

وفي إطار نظرته الى المقاومة وتحبيذه لها يشير من واقع التجربة الفلسطينية واللبنانية الى أنها كما عرفت في لبنان والانتفاضات في فلسطين لم تكلف خزينة الدولة، فهي قوة شعبية مجانية، عرفت كيف يكون الدعم وكيف توظفه وكيف تفوز بجائزة التحرير.

ويخلص الى أن المقاومة كما تتجلي اليوم مؤهلة لصيانة السيادة والاستقلال وردع العدوان وإفشال نتائجه وإقامة المجتمع الحاضن والمنتج لثقافة الممانعة وثقافة توظيف القوة في بناء الدولة التي تختار لنفسها دورها وفقا لمصالحها. وعن المقاومة وميزاتها يقرر نصري الصايغ أن العالم المتحول بسرعة لمصلحة قوى الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي يمكن مواجهته عبر تجميع كل ما في الدولة من أوراق قوة ومنها المقاومة لصيانة استقلالها وسيادتها.

ومن هذه النقطة يتساءل عن إمكانية أن يحصل زواج بين الدولة والمقاومة؟ من واقع التجربة اللبنانية يجيب قائلا: ما هو مطروح حاليا في لبنان هو تحويل المقاومة الى جيش، مضيفا: لعله من الأصوب تحويل بنية الجيش الى بنية مقاومة وهذا ليس مستحيلا وسيكون أقل كلفة.

وحسبه: لقد ولى زمن الجيوش الغبارية الصغيرة والمنهكة والفاقدة لمصادر التسلح الدائم، وأنه لعله جاء زمن الإرادات القوية المستندة الى طاقة أمة وقدرات شعب وعصب أحزاب ورجال سياسة مؤمنين بان تعريف السياسة الجديد يقضي بعصيان موضوعي لأوامر القوى العظمى عندما تتعارض والسيادة والحقوق والمصالح الوطنية والقومية.

كما يقضي برسم سياسات موضوعية تستمد دفعها من الحقوق المشروعة في الاقتصاد والتنمية والحرية والسيادة والمدعومة بقوة الديمقراطية وبقوة المقاومة والقوى المادية والروحية التي تزخر بها الأمة. وبمنطق المقاومة يقرر المؤلف أن أمريكا ليست قدرا بل هي سياسة ويمكن مواجهة هذه السياسات الجائرة بالممانعة

والقوة القابلة للاستعمال وتحقيق الإنجازات فمن واجب الدول المغلوبة أن تتغلب على عقيدة العجز وتبحث عن قوتها لدى شعبها وفي ثقافتها وفي مصالحها وفي إنسانيتها وتخوض معركة دفاعية دقيقة قادرة على إقناع الرأي العام العالمي الشعبي بأخلاقية ونظافة وإنسانية المطالب التي ترفعها.

ويحذر الصايغ من أن لحظة الممانعة القوية الراهنة لن تعود مرة أخرى وأنه على قوى المجتمعات العربية الحية أن تنهض لمهماتها عبر أحزاب تراجع وتنقد مسيرتها لا أن تجلد ذاتها وغيرها انطلاقا من حجم مساهمتها في تحقيق الإنجازات الوطنية القومية.

من هذا التحليق في فضاء المقاومة ينقلنا المؤلف الى واقعها من خلال الحديث عن نزع سلاح حزب الله..فالولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وإسرائيل ولبنانيون من طوائف وشرائح مختلفة يطالبون بذلك.والسؤال هو: هل للبنان مصلحة في استيفاء هذا السلاح أم أن مصلحتها وسط الضغوط الغربية الإسرائيلية وبعض الضغوط اللبنانية أن يتخلى عن هذا السلاح والاعتماد في مسيرته القادمة على شبكة أمان واستقرار توفرها هذه القوى بالذات؟.

بمعنى آخر: سلاح المقاومة شر لا بد منه أم فضيلة يلزم الحفاظ عليها أم هو رجس سياسي يلزم اجتنابه؟ في محاولة الإجابة يذكر المؤلف أن التاريخ لا يذكر أبدا أن دولة أو مقاومة أو ثورة سلمت أوراق قوتها وتحديدا سلاحها قبل بلوغ الغايات التالية: إما هزيمة العدو وإما التوقيع على سلام وإما تسوية متينة مع ضمانات، وحده المستسلم يسلم سلاحه ويجرد من قواه وتفرض عليه شروط وسقوف ومراقبة.

واعتمادا على التاريخ أيضا يذكر أنه لا يذكر أبدا أن دولة أو مقاومة أو ثورة لم تزد من حجم تسلحها وبناء قوتها العسكرية بعد السلام. هذا على صعيد الوضع العام أما على صعيد الحالة الخاصة بلبنان يشير الصايغ الى أنه لا يبدو أن سلاما سيحضر قريبا ولا يبدو أن تسوية ممكنة بعد اغتيال أوسلو وإطلاق النار على قدمي خريطة الطريق وبالتالي لا معاهدة بين طرفين ولا ضمانة حتى الآن.

وفيما يشير الى بلوغ الضيق أوجه بالمؤلف من الأطروحات القائمة يقرر: أحمق، علميا وعسكريا وسياسيا، من لا يلتفت الى ضرورة احتفاظ لبنان بقوته لأسباب عدة يذكر منها أنه حتى لو انسحبت إسرائيل من مزارع شبعا فإن ذلك لا يكفي لنزع سلاح المقاومة

حيث أن لبنان جغرافيا يقع وسط بؤرة ساخنة تلزمه بأن يحتفظ بورقة المقاومة كي يقوم بواجبه بحماية أرضه وحدوده ومنع إسرائيل من استسهال تهديده وفرض إرادتها عليه وإخراج لبنان من دائرة التأثير المعنوي في مسار الدفع الإقليمي لقضية فلسطين اذا أمكن ذلك.

ويصل الصايغ بعد ذلك الى السؤال الجوهري وهو: سلاح المقاومة خطر على من؟ متى يكون هذا السلاح مضرا بلبنان؟ في الإجابة يقول أن ذلك يكون اذا استعمل السلاح لوظيفة فلسطينية أو سورية أو إيرانية أو إذا تحول الى أداة حسم في الداخل اللبناني.

وإذا كانت تجربة المقاومة خاضت معركتها في إطار لبناني بحت، فضلا عن أن حزب الله لم يستعمل سلاحه في حروب لبنان السياسية، فإن ذلك يرفع الحرج عن هذا السلاح ويقلل من أهمية دعوة نزعه. وفي محاولة للإجابة على ما يراه سؤال ساذج هو هل سلاح المقاومة يسهل عليه الدفاع عن لبنان وما هي مهمة الجيش اللبناني؟

يقول إن من الغباء القاتل أن نستمر في طرح هذا السؤال، وحجة المؤلف في ذلك أنه عسكريا فإن الجيش الأقوى يسحق الجيش الأضعف، وإسرائيل هي الأقوى بما لا يقاس، الجيوش العربية للقمع،كما يقول، وقد مارسته بتفوق وتمارس الاستعراض وحماية العروش.

وفي محاولة لتفسير أبعاد الموقف من الحملة على لبنان بطريقته يقول المؤلف أن الأخطر أن المقاومة متهمة بتعريض سلامة وأمن لبنان للخطر مستقبلا لان هناك حملة دولية على الإرهاب..وحزب الله والمقاومة الإسلامية مرشحان لاحتلال اللائحة الدولية بعد ثبوتهما كمراكز مهمة في الأجندة الأمريكية ولهذا السبب وصدا لكل محاولة أمريكية فإن من الحكمة

كما يرى بعض المعترضين على سلاح المقاومة أن تتخلى المقاومة عن سلاحها خصوصا انها أنهت مهمة تحرير لبنان وأفرجت عن معظم السجناء اللبنانيين مقابل ان تتولي الأسرة الدولية بحث مصير مزارع شبعا بعد لبننتها على أيدي السوريين الممتنعين حتى اللحظة عن تقديم أوراق عمادة لبنانية لهذه الأراضي فالمشكلة في مزارع شبعا انها رهينة الرغبة السورية بالإستغماء.

*الكتاب: حوار الحفاة والعقارب

*الناشر:رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2007

*الصفحات: 198 صفحة من القطع المتوسط

ألفت عبد الله