مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والصحافي اللبناني غسان شربل رئيس تحرير صحيفة « الحياة » وقد صدر له من قبل كتاب بعنوان «مسعود بارزاني يتذكر» وكتاب «في عين العاصفة» ـ قصة رمضان شلح زعيم الجهاد الإسلامي في فلسطين، وكتاب «جورج حاوي يتذكر» عن دار النهار.
وفي هذا الكتاب «ذاكرة الاستخبارات» يستجوب شربل أربعة ضباط تسلموا مسؤولية الأمن في لبنان منذ عهد الرئيس فؤاد شهاب حتى ولاية الرئيس إميل لحود الثانية، وإن لم يقر هؤلاء بكل ما يعرفونه وهو كثير وخطير فقد كشفوا في لقاءاتهم مع المؤلف عن حقائق وتفاصيل مذهلة تلقي الضوء على الكثير من الأحداث المفصلية التي عصفت ولا تزال بهذا الوطن الجريح.
ويعثر القارئ على جوانب مهمة ومغفلة من شخصيات هذه الفترة رؤساء جمهوريات ومجالس نيابية ووزارات ووزراء ونواب ورجالات سياسة وصحافيين وعسكريين وكل ذلك موثق بالأسماء والتواريخ والشهود. وحسبما يشير المؤلف فإنه عشية التسعينات راودته رغبة في جمع الروايات والشهادات عن الحروب التي عاشها لبنان بدءا من العام 1975 وقد كانت خليطا من الحروب الأهلية والمبارزات الإقليمية والتجاذبات الدولية،
وكان يخشى من ضياع الروايات بفعل الصمت أو الإغتيالات ما يسهل لاحقا كتابة قصة الحرب بحبر المنتصرين، ومن هنا نشأت فكرة سلسلة «يتذكر» في شقها اللبناني وعلى مدى سنوات تحدث في هذه السلسلة الرؤساء إلياس الهراوي ونبيه بري وكامل الأسعد وصائب سلام وغيرهم.
غير أن المؤلف يخصص كتابه الذي نعرض له لشهادات جميل السيد وغابي لحود وجوني عبده ومحمود مطر من خلال لقاءات تضمنت حوارات مطولة معهم. ويذكر غسان شربل ان الضباط الأربعة الذين يضم الكتاب اللقاءات معهم ينتمون الى مؤسسة واحدة لكنهم ينتمون ايضا الى مدارس مختلفة وأساليب متباينة وأنه رأى أن نشر الحوارات قد يساهم في تسليط الضوء على عدد من المحطات الأمنية والسياسية خصوصا أن أدوار الضباط الأربعة تجاوزت حدود ألقابهم ومواقعهم.
يشير المؤلف الى أن اسم جوني عبده كان مثيرا للاهتمام فالرجل كان على رأس مديرية المخابرات في الجيش اللبناني في عهد الرئيس إلياس سركيس (1976 - 2891 ( غادر عالم المخابرات الى الدبلوماسية وفي عهد سركيس كان عبده مع الوزير فؤاد بطرس ضمن الحلقة الصغيرة التي يمكن أن تسمى مطبخ القرار وكانت تلك السنوات حافلة بالخضات السياسية والأمنية وهي انتهت مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982.
وفي تلك الفترة كان عبده خصما لقائد القوات اللبنانية بشير الجميل ثم تحول الى مؤيد وداعم لوصوله الى رئاسة الجمهورية بعد تبادل موجع للضربات وتحول جوني عبده في عهدي الرئيسين الهراوي ولحود الى هاجس دائم لأجهزة الأمن اللبنانية التي كانت تدير حملات عليه. ولاحقا قامت علاقة بين عبده ورفيق الحريري علاقة حميمة وقوية تضاعف الرغبة في محاوراته أو استجوابه.
ويشير جوني الى أنه كان يتم التجسس على المسؤولين السياسيين في إطار الاهتمام بمصادر المعلومات لمعرفة ماذا يجري داخل البلد، كما يشير الى أن الأمن كان يعرف المانشيتات في الصحف قبل نزولها الى السوق، وأن متابعة الوسط الصحافي كان يتم من خلال مراقبة التليفونات وكل مصادر المعلومات كما كان يتم التجسس على هاتف بشير الجميل لجمع المعلومات ما ساعد على الكشف عن أوضاع مهمة، كما كان يتم التقاط اتصالات أبوعمار.
ينقلنا المؤلف لأجواء حواره التفصيلي الذي يرتقي الى مرتبة التحقيق القضائي مع جميل السيد والذي ترأس اللجنة العسكرية اللبنانية في مفاوضات الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 التي أشرفت عليها الأمم المتحدة كما عين مديرا للأمن العام عام 1998.
على خلفية علاقته المتوترة مع الحريري يركز غسان شربل أسئلته، فوفقا لجميل كان الحريري يرغب بإزاحته في محطات عدة خصوصا عندما كانت تحتدم الملفات حول مواضيع سياسية وإدارية شائكة ترتبط بتجاذبات الرؤساء أو بخلافات في مجلس الوزراء.
ورغم استفزاز الأسئلة إلا أن شربل نجح في الحصول على إجابات وافية من محاوره، وينفي جميل السيد خلال الحوار التهمة التي يوجهها له المؤلف بأنه كان لديه دائما عدد من الوزراء يحركهم أحيانا ضد الرئيس الحريري. كما ينفي التهمة التي يروجها له البعض بالتدخل في تشكيل الحكومات حيث يوضح أنه كان أحيانا يطلب منه أن يقترح أسماء بمواصفات معينة وقد كان من الذين يؤخذ رأيهم في تفاصيل معينة بحكم منصبه.
غير أن جميل السيد لا يجد ما يخجل في وصفه بأنه رجل سورية في لبنان قائلا انه كذلك رجل لبنان في سورية من خلال إيمانه العميق بالعلاقة اللبنانية - السورية. وفي رد على سؤال بشأن مدى قدرة الدولة اللبنانية على التعامل مع حديث جريمة الاغتيال يشير جميل السيد الى أن الجريمة بضخامتها شكلت وزنا ضخما على المؤسسات المعنية بمعالجتها وأربكت الجميع بما في ذلك القضاء والأمن،
وعندما وجهت الاتهامات من المعارضة زاد الارتباك وبعدما سلط الضوء على قضية مسرح الجريمة بات هناك رعب على مستوى الأمن والقضاء، فحتى خبراء المتفجرات لدى الجيش والأمن وضعوا تقارير متناقضة فلم يتجرأوا على تقديمها خوفا من أن تتناقض مع تقرير اللجنة الدولية وعندها كانوا سيتهمون بتضليل التحقيق.
وفي إطار معايشة تفاصيل الأوضاع اللبنانية في مراحلها وتطوراتها المختلفة نعيش مع غسان شربل رحلة حوار شاملة مع غابي مارون لحود، مشيرا الى أن التجربة مع جوني عبده واهتمام القراء بها في 1998 دفعته الى التوجه الى مدريد لإقناع العميد غابي لحود رئيس المكتب الثاني في عهد الرئيس شارل حلو بالخروج عن صمته المزمن.
وقد كان لحود لاعبا بارزا في المكتب الثاني في عهد الرئيس فؤاد شهاب (1958 - 1964) قبل أن يصبح رئيس الجهاز في العهد التالي فهو رجل يعرف من الداخل قصة عهدين رئيسيين ويعرف أيضا جوهر الشهابية. لقد كان لحود متعبا وصعبا ولكن المحاولة انتهت باقتناعه.
ومن أقوال غابي لحود نعيش أجواء المواجهة مع المقاومة الفلسطينية والتي وصلت الى حد توجيه اتهام الى الشعبة الثانية بالإفراط في القسوة في التعامل مع سكان المخيمات الفلسطينية. ويقدم لنا غابي لحود رواية تبدو مذهلة لتطورات حرب 67 فقد كانت البيانات العربية تشير الى الانتصار على إسرائيل
وهنا فإن العماد إميل بستاني خاف أن تتقدم الجيوش العربية وتحرر فلسطين دون مشاركة لبنانية ما يتيح المجال لاتهام لبنان بالتقاعس عن المشاركة وعلى هذا كان البحث في شكل المشاركة هل بقصف المواقع الإسرائيلية أم اختيار موقع محدد والتقدم لاحتلاله.
لقد كانت المسألة حرجة وبعد تقدير الموقف كان التريث الى أن تم إدراك الحقيقة التي انتهت باحتلال إسرائيل سيناء الجولان والضفة الغربية. واذا كان غابي لحود ينفي إبدال صناديق الاقتراع في عهد الشعبة الثانية فإنه لا ينفي أن الشعبة استخدمت أساليب ترغيب وترهيب مع المفاتيح الانتخابية كما لا ينفي أن هناك من كان يتم استدعاؤه وضربه رغم أنها حالات فردية.
ويخبرنا غابي أن نشاط مكتب السي أي ايه في لبنان كان يركز خلال فترة مسؤوليته الرسمية على النشاط السوفييتي والتطورات في المنطقة. أما عن اهتمام السلطة رسميا برصد تحركات الشيوعيين فيشير الى أن الأجهزة كانت تتابع نشاط كل الحزبيين وأنه من البديهي أن يتم إيلاء اهتمام لمتابعة نشاط الشيوعيين.
أما بالنسبة لاختراق الأحزاب فيشير الى أنه كان يوجد مخبرون في كل الأحزاب وإن كان الغرض منع هذه الأحزاب من اختراق الجيش كلما اتضح ان عسكريا ارتبط بعلاقة حزبية كان يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة. أما آخر الحوارات فمع محمود مطر والذي عمل طيارا في الجيش اللبناني ويسرد لنا جوانب عديدة تتعلق بالقضية التي كان طرفا رئيسيا فيها وتتمثل في مسعى الإتحاد السوفييتي لاختطاف طائرة ميراج فرنسية من طائرات الجيش اللبناني.
لقد بدأت العملية بدعوى وطنية حيث ان من توسط في الموضوع أشار له الى أن انتصار إسرائيل في حرب 67 إنما جاء بفضل سلاح الجو ومن خلال طائرات الميراج - اليهودية - وهو ما يفرض معرفة كل ما يتعلق بهذه الطائرة ما يتطلب اختطاف واحدة منها. لقد وجد نفسه في أتون معركة استخباراتية فالحادث على ما يبدو ليس له علاقة بذلك تماما
وإنما كان ردا على اختطاف طيار عراقي طائرة ميغ 12 وهروبه بها الى إسرائيل ما مثل صفعة للاستخبارات العراقية والسوفييتية كان يجب الرد عليها. وإزاء تخوفه أبلغ السلطات التي طلبت منه مواصلة المهمة للكشف عن المتورطين وضبطهم متلبسين وهو ما تم بالفعل .
*الكتاب:ذاكرة الاستخبارات
* تأليف:غسان شربل
*الناشر: الناشر: رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت2007
*الصفحات:345 صفحة من القطع المتوسط
مصطفى عبدالرازق