مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الانجليزية جين هيدلستون أستاذة الآداب الفرنسية في جامعة أوكسفورد، وهي مختصة بدراسة الأدب الفرانكوفوني والنظرية النقدية. وكان كتابها الأول يتركز على دراسة مفهوم الجماعة في الفلسفة الفرنسية والأدب المغاربي الناطق بالفرنسية. بمعنى آخر فإنها مهتمة بدراسة الأدباء المغاربة الذين ظلوا يكتبون باللغة الفرنسية حتى بعد نيل الاستقلال كالطاهر بن جلون، ومحمد ديب، وإدريس الشرايبي، وكاتب ياسين، ثم بالأخص آسيا جبار.
وفي هذا الكتاب الجديد تتحدث المؤلفة عن حياة هذه الكاتبة الجزائرية الشهيرة وأعمالها وتقول بما معناه: ولدت آسيا جبار عام 1936 في مدينة صغيرة بالقرب من العاصمة الجزائر، ولكن عائلتها هاجرت إلى فرنسا بحثاً عن العمل كما تفعل الكثير من العائلات الجزائرية. نقول ذلك وبخاصة أن الجزائر كانت آنذاك مستعمرة فرنسية.
وفي عام 1955 دخلت إلى مدرسة المعلمين العليا التي تخرج المعلمات في ضواحي باريس. ثم تخرجت منها عام 1959 وأخذت تدرس في كلية الآداب بالرباط المادة التالية: التاريخ الحديث والمعاصر للمغرب الكبير. ثم درست نفس المادة التالية: التاريخ الحديث والمعاصر للمغرب الكبير. ثم درست نفس المادة في الجزائر وذلك قبل أن تعود إلى باريس عام 1980.
ثم تزوجت من كاتب يدعى وليد غام وألفت معه أول نص لها بعنوان: الفجر أحمر. وبعد طلاقهما تزوجت من كاتب آخر يدعى مالك علولا. ثم بعد أن لمعت شهرتها استدعتها الجامعات الأميركية للتدريس فيها. واحتلت بين عامي 1995 ـ 2001 منصب مديرة مركز الدراسات الفرنسية والفرانكوفونية في منطقة لويزيان بأميركا. ثم راحت تدرس الأدب الفرنسي في إحدى الجامعات الأميركية في ذات الوقت.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وفي عام 1999 انتخبت آسيا جبار كعضوة في الأكاديمية الملكية البلجيكية قسم اللغة والآداب الفرنسية. ومنذ عام 2001 أصبحت أستاذة في قسم الدراسات الفرنسية بجامعة نيويورك. وفي عام 2005 انتخبت عضوة في الأكاديمية الفرنسية، وكانت بذلك أول كاتب أو كاتبة مغربية تدخل إلى هذه الأكاديمية العريقة التي لا يدخلها إلا الكبار من المثقفين والأدباء.
هذا وقد ترجمت أعمالها الأدبية إلى أكثر من عشرين لغة بما فيها اللغة الألمانية. ومن أهم رواياتها نذكر: العطش (1957)، أطفال العالم الجديد (1962)، القبرات الساذجة (1967)، نساء جزائريات في شقتهن (1980)، الحب، الفانتازيا (1985)، واسعٌ هو السجن (1995)، الخ. كما ونشرت آسيا جبار عام 1969 ديوان شعر تحت عنوان: قصيدة من أجل جزائر سعيدة.
في رواياتها الأولى تتحدث آسيا جبار عن الثورة الجزائرية وما حصل فيها من فواجع وبطولات وآلام. وفي روايتها «القبرات الساذجة» تتحدث عن ذكرياتها الأولى ولقاءاتها بالأصدقاء الذين خرجوا من السجون الاستعمارية أو الوطنية، كما وتتحدث عن بلادها ونضالها من أجل تلك البلاد.
وفي كل رواياتها اللاحقة نلاحظ أن آسيا جبار سوف تركز على موضوع واحد تقريباً هو انقسام الجزائر على نفسها بين الشخصية الوطنية والشخصية الأجنبية أو الفرنسية تحديداً. فهناك من جهة الإسلام والعروبة والبربرية، وهناك من جهة أخرى الحداثة الفرنسية.
والجزائر تظل مترددة بين هذين القطبين دون أن تستطيع حسم هويتها. فالجزائر استعادت لغتها الوطنية، أي العربية أولاً ثم البربرية ثانياً. ولكنها ظلت تتكلم الفرنسية على الأقل في أوساط النخب الثقافية والسياسية الحاكمة.وبالتالي فالجزائر لها هويتان لا هوية واحدة، وهي لا تزال تتخبط بينهما حتى الآن. وكل هذا المخاض الثقافي ينعكس على روايات كاتبة مبدعة كآسيا جبار. ولا غرو في ذلك فهموم الوطن هي أولاً هموم أدبائه وكتابه وشعرائه.
ثم تردف المؤلفة قائلة: في عام 1991 ألفت آسيا جبار رواية بعنوان: بعيداً عن المدينة المنورة. وفيها تتحدث عن الإسلام في بداياته الأولى في زمن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). وتركز روايتها على سيرة النساء المحيطات بالنبي واللواتي خدمن الإسلام ورسالته وضحين من أجلها.
وهي تعتبرهن بمثابة قدوة للمرأة العربية والمسلمة حالياً. فالمرأة آنذاك كانت منخرطة في العمل والحياة والنضال من أجل الرسالة، ولم تكن معزولة في بيتها بعيداً عن الرجال وقضايا الأمة.وبالتالي فنحن نخطئ كثيراً في فهم الإسلام اليوم. فهو لم يحتقر المرأة على الإطلاق وإنما رفع من شأنها واعتبرها إنساناً بالكامل.
ولكن الحركات المتطرفة الحالية فهمت الرسالة خطأ ولم تدرك أبعاد المعركة التي خاضها النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ترقية المجتمع بنسائه ورجاله.ليس غريباً أن تكون الرواية قد صدرت في بداية الصراع بين التيار الأصولي المتمثل بجبهة الإنقاذ والتيار التحديثي المتمثل بالصحافيين والمثقفين الجزائريين.
وبالتالي فروايات آسيا جبار ملتزمة بشكل مباشر أو غير مباشر دون أن ينعكس هذا الالتزام سلباً على عملية الإبداع الأدبي. هذا وقد كرست المؤلفة إحدى رواياتها للتحدث عن ثلاثة أصدقاء اغتيلوا من قبل المتطرفين أثناء الحرب الأهلية الجزائرية.
كما وكرست روايتها الأخيرة لمناضلة جزائرية تدعى «زليخة»، وهي إحدى بطلات حرب التحرير مثل جميلة بوحيرد. ومعلوم أن ابنتيها لم تستطيعا الحصول على جثتها لدفنها. وبالتالي فكل تاريخ الجزائر الحديث ينعكس في روايات آسيا جبار. كل الخمسين سنة الماضية موجودة بشكل أو بآخر في كتبها.
إنها تحمل معها حيث حلت وارتحلت همّ الجزائر وآلام الجزائر وطموحات شعب الجزائر، وكذلك جرح الجزائر. وإذا كانت تعيش في المنفى سواء في فرنسا أم في أميركا فإنها لم تنس أبداً بلادها لأنها تحملها معها في قلبها وصدرها وكل مشاعرها. والدليل على ذلك أن معظم رواياتها إن لم تكن كلها تدور حول حرب الجزائر، واستقلال الجزائر، ثم محنة الجزائر إبّان السنوات العشر السوداء (1990 ـ 2000) حيث عاشت الحرب الأهلية المدمرة.
ثم تردف المؤلفة قائلة: هذا وقد نالت آسيا جبار عدة جوائز أدبية على أعمالها الروائية كجائزة النقد الأدبي الدولي عام 1979، وجائزة مرغريت يورسنار عام 1997، وجائزة مجلة الدراسات الفرنسية عام 1999، وجائزة السلام للناشرين الألمان في معرض فرانكفورت عام 2000.
ولكن أكبر تتويج لحياتها الأدبية كان انتخابها كعضو في الأكاديمية الفرنسية. وقد ألقت بهذه المناسبة خطاباً هاماً جاء فيه: لقد عانت إفريقيا الشمالية وبخاصة الجزائر من آثار الاستعمار على مدار قرن ونصف على الأقل. ونهبت ثرواتها وطمست هويتها العربية والبربرية لصالح هيمنة اللغة الفرنسية فقط.
لقد عاشت أربعة أجيال من أسلافنا في ظل الاستعمار بدءاً من عام 1830 وحتى عام 1960. وترك ذلك جرحاً لا يندمل في أعماق الذاكرة الجماعية الجزائرية.وقد عبر عن ذلك الشاعر الكبير إيميه سيزار في خطابه عن الاستعمار عندما قال: إن الاستعمار جعل أوروبا همجية ونزع عنها روح الحضارة!
ثم تردف الكاتبة الجزائرية الشهيرة قائلة: لقد حظيت في عزّ حرب الجزائر بحوارات مهمة مع كبار المفكرين الفرنسيين من أمثال المستشرق الشهير لويس ماسينيون صاحب الكتب العديدة عن الحلاج والتصوف الإسلامي. كما والتقيت بالمؤرخ الكبير شارل أندريه جوليان صاحب الكتب التاريخية الهامة عن إفريقيا الشمالية. وكان عميد الكلية التي أدرس فيها في الرباط بالمغرب.
وكان ذلك حوالي عام 1960، وقد استفدت كثيراً من عمله الغزير.كما والتقيت بالمستعرب وعالم الاجتماع الكبير جاك بيرك الذي دعمني كثيراً قبيل موته بوقت قصير عندما كانت الجزائر قد دخلت في عنفها الأصولي الرهيب وبخاصة ضد المثقفين والصحافيين الذين سقط عدد كبير منهم للأسف الشديد.
وعندما كنت في العشرين من عمري كنت مغرمة بالفلسفة وأحضر نفسي للدراسات الفلسفية. ولكن الصدفة شاءت أن أصبح روائية. والواقع أن قراءة الفترة الأندلسية وفكر ابن رشد كانت تشكل متعة كبيرة بالنسبة لي.ومعلوم أن فلسفته مارست تأثيراً كبيراً على نهضة أوروبا. والواقع أن طمس المرحلة الاستعمارية لكل تراثنا الوطني دفعنا دفعاً للبحث عن هذا التراث والتمسك به أكثر من أي وقت مضى.
* الكتاب: آسيا جبار
بعيداً عن الجزائر
* تأليف : جين هيدلستون
* الناشر: مطبوعات جامعة ليفربول 2006
* الصفحات: 215 صفحة من القطع المتوسط
Assia Djebar : out of Algeria
Jane Hiddleston
Liverpool University Press2006
P.215